رفقة الشارني… تونسية جديدة يقتلها المحرم والنظام

أثارت حادثة مقتل رفقة جدلاً كبيراً في تونس وسلطت الضوء بقوة على مسلسل العنف ضد المرأة والمتفاقم من سنة إلى أخرى، على رغم ترسانة القوانين والتشريعات التي تم إصدارها منذ الاستقلال والتي اعتبرت رائدة إقليمياً على مستوى ضمان حقوق المرأة.

لم يخطر في بال رفقة الشارني ذات الـ26 ربيعاً، أن يكون حتفها على يد الرجل الذي تمسكت بالعيش معه واصطفته ليشاركها مشوار حياتها، على رغم معارضة الأهل. ثلاث سنوات من الزواج كانت كافية لتواجه العنف مراراً، وكانت آخر حلقاته خمس رصاصات اخترقت جسدها وأردتها قتيلة حيث تسكن في محافظة الكاف شمال غربي تونس. 

قتلت رفقة الشارني وأثار موتها جدلاً حول ارتفاع منسوب العنف ضد المرأة التونسية وعما إذا كانت تونس فعلاً رائدة في مجال حقوق النساء قياساً بمحيطها العربي، أم أن الهوة بين القوانين وتطبيقها لا تنفك تتسع سنة بعد أخرى، بخاصة في ظل طبقة سياسية لا تؤمن بحقوق المرأة ولا تتواني عن تمرير خطابات مهينة بحقها.

قصة رفقة شغلت الرأي العام التونسي في الآونة الأخيرة وشهادات أهل الضحية، أفادت بأن رفقة تعرضت قبل وفاتها بيومين للعنف الشديد على يد زوجها الشرطي الذي لقي تعاطفاً على الأرجح من زملائه. قررت رفقة ألا تصمت هذه المرة وأن تضع حداً لمسلسل العنف الذي تتعرض له منذ زواجها، وتوجهت إلى مركز الأمن في محافظتها لتقديم شكوى مع شهادة طبية تؤكد تعرضها للعنف الشديد. لكنها لم تلقى تعاطياً جدياً مع قضيتها.

لم تتوقف الأمور عند هذا الحد عادت رفقة إلى منزل والديها، لتتلقى تهديداً بالذبح من زوجها إذا لم تسقط الدعوى التي رفعتها ضده. ولدى مثولهما بعد ذلك أمام قاضي التحقيق أشرف الأخير على عملية الصلح بين القاتل والزوجة التي أسقطت التتبع ضده مكرهة كما يؤكد مقربون منها، إذ لم يتثبت القاضي مما إذا كانت رفقة قبلت القيام بهذه الخطوة من دون ضغوط. تهديدات الزوج كانت جدية ليقوم بعد 24 ساعة من تنازلها عن التتبع بإنهاء حياتها ولكن ليس ذبحاً بل بإطلاق خمس رصاصات من مسدسه المهني، بعد شجار عائلي دار بينهما لدى عودتها إلى منزل الزوجية لأخذ بعض الثياب لطفلهما الرضيع. 

الشكوى ممنوعة

تواجه النساء ضحايا العنف في تونس مصاعب كبيرة عند تقديمهن شكاوى، في غياب المعطيات المتعلقة بهذا الإجراء وعدم تمكين الضحايا من الوصول إلى المعلومات اللازمة والكفيلة بتقديمهن شكوى بطريقة سليمة، والأهم عدم إعلامهن بالجهة المعنية بقضاياهن. إذ تجهل شريحة واسعة من النساء في تونس وجود وحدة أمن مختصة لاستقبال هذا النوع من الشكايات والتكفل بها، ولهذا يتجهن إلى مركز شرطة التابع لمحل السكن والذي غالباً ما يكون جهة غير مناسبة.

وفضلاً عن الجهل بوجود هذه الوحدات، هناك نقص كبير في عددها بخاصة في محافظات الجنوب، والوسط والشمال الغربيين للبلاد. إذ تتوفر في تونس العاصمة أكثر من 15 وحدة فيما لا تتوفر أكثر من وحدة مختصة واحدة في محافظات الجنوب التي تتجاوز مساحة بعضها مساحة العاصمة بكثير، ويصعب الولوج إليها في ظل التعتيم عن وجودها عمداً. وهناك شكوك بغيابها كلياً في بعض المحافظات نظراً إلى غياب الأرقام والإحصاءات الرسمية التي تؤكد وجود هذه الوحدات من عدمه.  

من جهة أخرى، ينص القانون على أن تكون هناك امرأة واحدة على الأقل ضمن عناصر هذه الوحدات حتى تجد الضحية طرفاً تستطيع إيداعه شكواها بثقة أكبر، ولكن تؤكد أرقام وزارة الداخلية أن نسبة النساء الملحقات بهذه الوحدات لا تتجاوز 38 في المئة من مجموع الأعوان النشطاء بهذه الوحدات.  

إجراءات التقاضي هي الأخرى تشهد إخلالات جمة في ظل ترك الضحايا وحيدات من دون متابعة لحالتهن ومن دون مرافقتهن خلال إجراءات التقاضي وتجاهل أن الكثير من النساء المعنفات غير قادرات على تحمل مصاريف تكليف محام ليتابع قضاياهن، على رغم أن الدولة ملزمة قانوناً بالقيام بذلك. هذا فضلاً عن غياب فضاءات مستقلة داخل المحاكم مخصصة لاستقبال النساء ضحايا العنف، وعدم توفير قضاة قادرين على التعهد بملفاتهن كما ينص القانون. 

وأمام هول الفاجعة ووعياً بالعوامل السالف ذكرها، أثارت حادثة مقتل رفقة جدلاً كبيراً في تونس وسلطت الضوء بقوة على مسلسل العنف ضد المرأة والمتفاقم من سنة إلى أخرى، على رغم ترسانة القوانين والتشريعات التي تم إصدارها منذ الاستقلال والتي اعتبرت رائدة إقليمياً على مستوى ضمان حقوق المرأة. وجددت المخاوف التي انطلقت منذ عام 2011 حول ضمانات حقوق المرأة في ظل صعود تيارات سياسية لا تؤمن بذلك وإن ادعت العكس. استنفرت الفاجعة مكونات المجتمع المدني، لا سيما الجمعيات النسوية للتحرك جدياً للضغط على السلطة لتنفيذ القوانين التي أمست حبراً على ورق، بعدما اتضح لهم أن الطريق اليوم ليست سالكة أبدا لترسيخ مبدأ المساواة بين المرأة والرجل. 

وأطلقت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات حملة (الجمعية النسوية الأعرق والأقدم في البلاد) “لا عزاء للنساء والعنف يقتلهن كما الوباء”، ونددت الجمعية بمقتل رفقة معتبرة أنها “ضحية منظومة مؤسساتية ومجتمعية تهاونت مع العنف الذي يطاول النساء ويقتلهن، وسمحت بحرب ذكورية تشن عليهن في البلاد حتى أصبح المجتمع يتصالح مع العنف ضد النساء ويبرره”.

وحملت نحو 60 منظمة غير حكومية تونسية وأجنبية الدولة التونسية مسؤولية عدم إرسائها الأسس اللازمة لتفعيل النصوص القانونية المتوفرة من أجل حماية المرأة من العنف، لا سيما القانون رقم 58 الصادر عام 2017 بهدف مقاومة العنف المسلط على المرأة بكل أشكاله.

قالت هذه المنظمات في بيان مشترك، “أربع سنوات مضت منذ دخول القانون حيز النفاذ، أربع سنوات مضت وأربع أخرى قد تمضي والعنف متجذر ومتواصل ومتصاعد إذا ما واصلت الدولة إشاحة بصرها عن الأسباب الحقيقية للعنف المسلط على النساء”.

قانون… بلا مفاعيل

البرلمان التونسي كان أقر عام 2017 القانون 58 الذي وصف بأنه يرتقي إلى مستوى النصوص التشريعية التي تستوفي المعايير الدولية في مكافحة ظاهرة التمييز والعنف المسلط على المرأة، ودعمه بعض السياسيين ومنظمات من المجتمع المدني، واعتبر ثورة تشريعية في هذا الإطار.

ويوسع القانون تعريف العنف المسلط على المرأة ويحمل الدولة مسؤولية حماية ورعاية النساء والأطفال ضحايا العنف، باعتباره “انتهاكاً لحقوق الإنسان”. لكن وعلى رغم مرور ثلاث سنوات على صدور هذا القانون، إلا أنه بقي حبراً على ورق في ظل غياب الإرادة السياسية الكفيلة بتفعيله. 

ولهذا حملت رئيسة “جمعية النساء الديموقراطيات” يسرى فراوس الدولة مسؤولية العنف الكبير المتزايد ضد المرأة، معتبرة أن هناك تقاعساً من السلطات في تطبيق القانون، ما أدى إلى ارتفاع معدلات العنف ضد المرأة بخاصة خلال السنوات الأخيرة.

وقالت يسرى فراوس لـ”درج”، “أستطيع القول بكل يقين إن هناك مشكلات حقيقية على مستوى تطبيق القوانين في تونس، لا سيما المتعلقة بالمرأة. فالطبقة الحاكمة لا تعتبر قضايا النساء أولوية وبالتالي فهي لا تلتفت إلى تفعيل القوانين (أو سنها) التي تكفل حقوقها وتحميها من كل أشكال الانتهاك. فمنذ انطلاق العهدة البرلمانية الحالية عام 2019 لم تبادر أي كتلة بتقديم أي مشرع ينتصر للمرأة ولم نرَ أي خطوة تتضمن التفاتة حقيقية وجدية لقضاياها، على رغم الأرقام والإحصاءات وصيحات الفزع التي نطلقها كمجتمع مدني، محذرين من خطورة الانتهاكات اليومية ضد المرأة. وعلى العكس نتابع باستمرار اعتداءات متكررة ضد المرأة تجاوزت الشارع والبيوت لتصل إلى قبة البرلمان”.

تشهد تونس تصاعداً في وتيرة الاعتداءات والعنف بشتى أنواعه ضد النساء في الفترة الأخيرة وبخاصة منذ بدء فترة الحجر الصحي في آذار/ مارس 2020 وحتى اليوم. فبحسب أرقام وزارة المرأة الصادرة في تشرين الأول/ أكتوبر 2020 فقد تضاعف العنف ضد النساء سبع مرات في الفترة الممتدة بين آذار 2020 وتشرين الأول من العام ذاته. وتم الإبلاغ عن أكثر من 7000 حالة عنف عبر الرقم المجاني للوزارة بين آذار 2020 وأيار/ مايو من العام ذاته. وحققت النيابة العمومية في 4263 قضية، تتعلق بالعنف ضد المرأة والطفل خلال فترة الحجر الصحي السنة الماضية، وسجلت 5111 متهماً في هذه القضايا، لم يمضِ أغلبهم أي عقوبة تذكر.

رئيسة “الاتحاد الوطني للمرأة التونسية” راضية الجربي ترى أن هناك مسافة شاسعة بين ترسانة القوانين التي تم سنها لحماية المرأة التونسية وبين العقليات السائدة التي لم تتقبلها بعد والخطاب الرسمي الذي لم يعد يتبنى تصورات تنتصر لها ولحقوقها.

وتقول الجربي لـ”درج”، “لا بد أن نقر بأن العقليات في تونس لم تصل بعد إلى مستوى التطور التشريعي المتعلق بحقوق المرأة وهذا ما تترجمه نسب العنف المتزايدة ضدها، وهذا يتطلب مجهوداً مشتركاً من السلطات الرسمية والمجتمع المدني لتلافيه. ولكن هذا الرهان صعب في ظل وجود مؤشر خطير نعيش على وقعه اليوم وهو ظهور تيارات سياسية ترغب في دفع المجتمع إلى التراجع عما حققته المرأة من مكتسبات عبر طرح قضايا كثيرة تم حسمها منذ عقود للنقاش على غرار تعدد الزوجات، وهذا معطى صادم لنا كجهات تعمل على الدفع بمكاسب المرأة للأمام”. 

وأضافت “على رغم تحفظاتنا على أشكال الحكم السابقة لعام 2011، إلا أن المعطى الثابت أن الخطاب الرسمي لتونس منذ الاستقلال وحتى تاريخ الثورة كان دائماً منتصراً للمرأة، في حين بتنا نرى المشرعين والسياسيين اليوم يصرحون بمواقف معادية لها ويبررون الاعتداء عليها لا سيما داخل البرلمان إلى جانب تقليص عدد النساء على رأس الوزارات بشكل لافت. وهذه المعطيات في غاية الخطورة وتهدد فعلياً مكاسب المرأة وتجعلنا نفكر، هل ما زال بوسعنا الافتخار بريادتنا الإقليمية في مجال حقوق المرأة؟”.   

هناك الكثير من المعطيات التي تبرر ما ذهبت إليه الجربي، ذلك أن “حركة النهضة الإسلامية” التي فشلت مبكراً في تحوير مجلة الأحوال الشخصية منذ سنتها الأولى في الحكم، بعدما واجهت رفضاً شاسعاً لهذه الخطوة واضطرت للترويج لخطاب يدعي الانتصار لحقوق المرأة، قد سلمت ذراعها اليمنى “حزب ائتلاف الكرامة” مهمة التعبير الصريح عن أفكار هذه التيارات السياسية حول المرأة، والتي ترجمتها الاعتداءات المادية واللفظية المتكررة ضدها مقابل ضمان الحماية من التتبع. إذ يتابع التونسيون اعتداءات نواب هذا الفصيل السياسي  المتكررة ضد بعض النائبات وضد النساء عموماً، من دون أن يصدر عن رئيس البرلمان ورئيس “حركة النهضة” راشد الغنوشي أي إجراء تأديبي كفيل بوضع حد لذلك. من جهة أخرى، ما زال التونسيون يتذكرون بالصدمة ذاتها ما صدر عن النائب محمد العفاس عن ائتلاف الكرامة في الرابع من كانون الأول/ ديسمبر 2020 من نعوت مهينة للمرأة التونسية الحديثة، تراوحت بين “اللعوب والعاهرة والفاسقة والفاجرة والخائنة والعاقة” وغيرها، ووصفه حريتها بالعهر والزنا والفساد، من دون أن يواجه أي تتبع يذكر من الغنوشي بصفته رئيساً للمجلس.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني