fbpx

“الكلمة الرافضة تأسرني”:
هل ما زال محمد منير متمرداً؟

كان عمراً حافلاً بالمعارك الفنية، ساق محمد منير إلى القمة… التي أحياناً حافظ عليها، وفي أحيان أخرى هبط إلى القاع بآرائه الغريبة، ومواقفه السياسية، وانحيازه للأنظمة التي غنَّى ضدها كثيراً...

كان فاروق منير يعدّ نفسه ليصبح المطرب الآتي من بلاد النوبة جنوب مصر، لينافس أحمد منيب، أو يخلفه في مشهد غنائي يخلو تدريجاً من المطربين الكبار، وكان الشاعر عبد الرحيم منصور، زميله في جامعة قنا، يكتب أغنيات للمغنية المعروفة وردة، ويلحّنها زوجها بليغ حمدي. 

في السبعينات عرض عبد الرحيم منصور على صديقه فاروق أن يقدمه لبليغ حمدي في جلسة تشبه الاختبار فاصطحب “فاروق” شقيقه الصغير، محمد، كيْ يردِّد وراءه ويصبح “كورالاً” يساعده في القبول. 

“تَسَلْطَن” الطفل محمد منير أكثر من فاروق. كان صوته مختلفاً، لا يشبه السابقين، ولا يقلد أحداً، فأشار بليغ إلى فاروق كي يصمت، وإلى شقيقه ليرفعَ صوته حتى انتهت الأغنية، فقال إن “الولد الصغير ده هو الأحسن”.

استولى الشقيق الأصغر على لقب “منير” من شقيقه الذي كان مطرباً معروفاً في النوبة، في الحفلات والأفراح والمناسبات، وأصبح المقصود بمنير شخصاً واحداً فقط، يعرف طريقه جيداً، هو محمد، الذي كان، حينها، طالباً في كلية الفنون التطبيقية (قسم التصوير)، ليبدأ مسيرته الغنائية بأغنية “أشكي لمين” – من ألحان بليغ حمدي – عام 1977.

“الكينغ” وحيداً.. “اعتبرني بلال يا أخي”

ينتمي منير إلى جيل محمد الحلو وعلي الحجار ومحمد ثروت ومدحت صالح، لكن ما جاء على لسان “الحلو” في التسعينات استبعد منير، وجعله متطفلاً على “جوقة” المطربين المبشّرين بدخول مملكة الطرب الأصيل. قال، في تصريح صحافي: “أنا وعلي الحجار ومدحت صالح وهاني شاكر نخبة الطرب الأصيل”. 

لم يذكر محمد منير، المعبَّأ بتراث طبيعي من التجاهل، والشعور بتعالي الآخرين عليه، كونه آتياً من أقصى الجنوب، من البلاد البعيدة التي لا يقصدها أحد إلا سائحاً “يتأمَّر” على أهلها مقابل “بقشيش”، وما أنْ انتشر التصريح حتى فوجئ “الحلو” بهاتفه يرن، ومنير يتكلم: “آلو… يعني أنتم الأربعة اللي ماسكين لواء الأغنية العربية؟ حضراتكم الخلفاء الراشدين؟ طب اعتبرني بلال يا أخي”.

كان منير يقصد بلال مؤذن الرسول، الذي تم تحريره من العبودية بأموال أبي بكر الصديق، بحسب الرواية الإسلامية. شعر منير بأنه ضحية عنصرية المطربين البيض، بدءاً من هاني شاكر حتى محمد الحلو وإيمان البحر درويش، فكلهم متشابهون، ومن ذوي الوجوه النموذجية، التي تتمتّع بالمواصفات القياسية لوسامة الرجال في مصر، حتى أن إيمان البحر درويش اشتكى من علي الحجار في تصريح شهير، لاستقباله له قائلاً: أهلاً بالمطرب الجميل… فاعتبر ذلك إهانة، لأنه يقصد جمال وجهه لا صوته. 

وقف لون محمد منير عائقاً في مشواره الفني لسنوات طويلة، فلم يكن في مصر – من قبله – نجم أسمر، وترك فيه شعوراً قوياً بالتحدي… كل شيء أو لا شيء، النجاح المطلق أو الاعتزال. 

صراع داخلي قاده، أخيراً، إلى عبور الباب الكبير. 

عبره وحده، دون مقرَّبين أو أصدقاء أو رفاق دائمين، لم يكن وراءه إلا “الفانز” الذين هجروه تدريجاً في السنوات العشر الأخيرة، فعاد إلى غربته ووحدته.

وكان شعوره بالغربة يحكمه، فـ”بليغ” الذي اكتشفه كان يتعالى عليه ويفضّل محمد الحلو، وأبناء جيله لم يعتبروه واحداً منهم، ولم يكونوا أصدقاءه يوماً. ويقول مقرّبون من منير إنه كان يعرف أنهم لن يكونوا أصدقاءه، ولن يدعوه إلى اجتماعاتهم وجلساتهم وسهراتهم، فخلق علاقات أخرى مع نجوم آخرين… من الملحنين والكتاب والشعراء ومثقفي وسط البلد، واستفاد من هؤلاء في صياغة مشواره وشهرته باعتباره “مطرب المثقفين”. 

إقرأوا أيضاً:

“الكلمة الرافضة تأسرني”

تحوَّل فاروق منير إلى مدير أعمال لشقيقه الأصغر محمد منير، واعتزل الغناء، وكوّن لشقيقه فريقاً: الشاعر عبد الرحيم منصور، والملحن أحمد منير، وانطلق الفريق من مقهى وادي النيل بوسط القاهرة، وأصبح الجمهور من المثقفين  والفنانين المستقلين والمعارضين والناقمين على النظام السياسيّ. تأثّروا بمنير وجعلوه واحداً منهم، وتأثر بهم في كلماته، وألحانه، ورغبته المزمنة في التمرّد على كل شيء، وبدأ يقول للصحف تصريحات من قماشة “الكلمة الرافضة تأسرني”. 

كان هذا تصريحاً لصحيفة “الأهالي” المعارضة (1986)، مفسِّراً عدم وجوده على خريطة الإعلام الرسمي. وكان، وقتها، من الفنانين الممنوعين من الظهور على التلفزيون المصري لأنه “معارض”.

يقول: “أنا أرفض الأساليب التي يتبعها البعض لكي يظهروا ولا أملك مجهوداً إضافياً للبحث عن وسائل لتقديم فني من خلال أجهزة الإعلام وربما لأن الشكل الإعلامي الثابت المطروح للأغنية هو شكل فاشل من وجهة نظري وبالتالي يجعلني أبتعد منه، ولأنني أرى أن (الزعامات) الغنائية المتصدرة أجهزة الإعلام من كبار فنانينا وفناناتنا يقدمون فناً فاشلاً أيضاً، لكن شعب مصر الذي قدّم فؤاد حداد وعبد الرحيم منصور وغيرهم اقادر على أن يخلق الكثير… عموماً، أنا أبحث دائماً عن الكلمة الرافضة وتصوري أن دور الفنان هو أن يتعايش مع مجتمعه ثم يرفض ذلك في سبيل الانطلاق إلى واقع أفضل”.

عطَّل لون منير وشعره المجعّد وغرابة ما يقدمه تقدّم مسيرته الغنائية، فكانت قاعات الحفلات بالأوبرا والمؤسسات الكبرى محجوزة لآخرين، إمّا لمقربين من الدولة أو مبشّرين بالنجومية من أصحاب البشرة اللامعة، على رغم أنه طرح ألبومين حقَّقا نجاحاً هائلاً، هما “علموني” و”بنتولد”.

ساق الغضب منير إلى تقديم منتجه مجاناً. كان يحيي حفلات في الشارع، وقاعة سيد درويش في الهرم، ومسرح الجامعة الأميركية في القاهرة، وساحات جامعات أخرى كي ينتشرَ ويصبح صوتاً معروفاً واسماً شائعاً في دوائر الشباب والطلاب، وتحقَّق له ما يريد.

كان البطل موسيقى جديدة… قدمته إلى الجمهور بشكل جديد… وكان صاحب الفضل في الموسيقى الجديدة عازف عائد من الولايات المتحدة بروح جديدة وموسيقى لم تدخل مصر من قبل، يدعى يحيى خليل، هو رائد موسيقى “الجاز” في مصر، كان – بالنسبة إلى منير – مديراً فنياً، وليس مجرد ملحن أو موسيقي، نقل منير نقلة أخرى، ليصبح لاعباً ضمن فريق مكوّن من يحيى خليل (عازف الدرامز)، وعزيز الناصر (عازف الجيتار)، وفتحي سلامة (عازف الأورج)، والعازف الأميركي، مايكل كوكيز.

التمرد على التجربة الأكبر… وداعاً يحيى خليل

خلع منير عباءة فرقته القديمة بموسيقاها التقليدية، واندمج مع الفرقة الجديدة، التي كان فيها فرداً يؤدي دوره في عملية متكاملة لصناعة موسيقى غزت مصر من ساحات الجامعات، وكانت طفرة حقيقية في عالم الموسيقى تجلَّت في ألبوم “شبابيك”، الذي صدر عام 1981. بحثت الفرقة عن أرضٍ جديدة لم تخُض المغامرة بها، أو تقدم أغنياتها، وانتهى البحث إلى الغناء في معظم جامعات مصر، ومراكز شبابها الكبيرة في معظم المدن والمحافظات. 

صنع منير جمهوره ولم ينتظر أن يبحث عنه ويأتي إليه… وكانت فرقة يحيى خليل بعقليتها الأميركية نافذة له على صناعة الكاسيت في العالم، وطرائق الدعاية والتسويق، وتقنيات جديدة في تقديم الأغنية، ليعاودَ منير تمرّده مرة أخرى. 

كان يحيى خليل يروّج أنه هو مَن صنع منير، بينما كان الثاني نجماً تتغنى باسمه وأغنياته جحافل من الشباب، لكن يحيى كان يراه شاباً نوبياً “على نياته” ويريد أن يستغله في صناعة مستقبل موسيقى ناجح يستثمره طوال حياته، ويعتبره أداة من أدواته يتصرف بها كما يشاء، شأنه في ذلك كالدرامز والأورغ والجمادات الأخرى حتى إنه قال عنه في حوار تلفزيوني مع الإعلامية نجوى إبراهيم (1984): “يتميز بحاجات كثيرة تفيد أحلامي الفنية”، ولم يكن يستوعب أن هذا الشاب الطيب يمكن أن يعارضه يوماً ما، فكان يتعامل معه باستهزاء وتجاهل، ويأمره بقول تصريح، ونفي آخر، والظهور هنا، وعدم الظهور هناك. 

فتح يحيى خليل عينيْ منير على الحياة. أخذ بيده إلى مهرجانات دولية، وعرّفه بأنه يمكن أن يغني في بلاد أخرى، وبرفقة فرق كبرى، ولكن ظلّ يتعامل معه بتعالٍ مريب… ليس ناتجاً عن علاقة مهنية، أو قلة تقدير فنية، فالرجل يعرف أن منير هو “جوهرته” التي كان يتاجر بها، وتدرّ عليه مكاسب فنية وماديّة ضخمة، لكنه تعالي الرجل الأبيض المتأثِّر بحياته الأميركية السابقة على “الولد الأسمر”، فانقلب عليه منير في نهاية عام 1987، وأنهى التعاون للأبد لينتهي ضجيج تجربة يحيى خليل، ويخفت ضوء منير.. ليصبحا ضحايا التمرد الذي يحرك الفتى الآتي من الجنوب طوال مسيرته.

وفي وقت لاحق، أحيا مارسيل خليفة حفلاً في مصر، وعلى هامشه، سأل صحافي يحيى خليل عن رأيه في تجربة خليفة: هل لدينا مثلها في مصر؟ فقال: “ليس لدينا مثله وأرفض وصفها بالتجربة الفنية السياسية”.. فردّ الصحافي قائلاً: لكن احنا عندنا محمد منير!.. فانفعل خليل قائلاً: “أهو ده الهجص وشغل التلات ورقات”.

“إزاي”.. صوت جمال مبارك في التحرير

عاش منير سلسلة من التمرد في ما بعد… تمرد على حفلات القاعات المغلقة، واتفق على حفلات جماهيرية مخفضة في محافظات وقرى ومدن مصرية، في بنها وكوم امبو وكفر الشيخ، وقال لصحيفة “الجمهورية” المصرية (1998): “كرهت الحفلات الرسمية في القاعات المغلقة، وقد رفضت الغناء في مركز المؤتمرات أكثر من مرة بسبب ضيق المكان ونوعية الجمهور المختلفة، والتي للأسف يجيء بعضه ليشاهد زملاءنا من النجوم العرب، ولا مانع في ذلك، لكن علينا كمغنين مصريين أن نصل إلى كل المصريين في مواقعهم، من يستطيع، ومن لم يستطع… إنها رسالة”.

وقاطع حفلات التلفزيون، إلا أن تتبع تاريخ منير يكشف أنه لم يقاطعها بمزاجه، إنما هي التي قاطعته، فقد مُنع من الظهور في التلفزيون، إنما أشاع أنه يتمرّد على حفلات التلفزيون التي أصبحت “موضة قديمة”: “لا تأتي بجديد، وهي أزمة وعي بالدرجة الأولى، فمن خلال تجاربي في الغناء في الخارج وجدت أنهم يستعينون بنا لأننا نمثل جديداً بالنسبة إلىهم، فهم يطلعون على ثقافات الشعوب من خلال الأغنية”.

وبدأ يفتح النار على البيروقراطية الثقافية… متمرداً على جماعة وسط البلد التي صنعت منه نجماً، وبدأ يوسع مناطق أغنياته ليصل إلى الولايات المتحدة، ويغني نوبي لجمهور أميركي، ويحيي حفلاً في جامعة “جورج تاون”.. الانفجار الذي تسرب إلى حياة منير في الثمانينات والتسعينات بعد لمسة يحيى خليل لم يعد مستوعباً بالنسبة إلى الذين عادوه، أو ساروا في ركابه ثم هجرهم.

كان منير هشاً لم يقدر على المواجهة، أو مناوراً يتمرَّد على الجميع… وبحلول 1999، سرَّب خبراً عن اعتزامه الهجرة إلى ألمانيا، قائلاً للصحف: “سامحوني… الوسط الغنائي خنقني”.

التمرد كان مفتاح محمد منير منذ بداياته أواخر السبعينات، حتى انقلب على جمهوره في ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير وتبنى مواقف معادية لهم. نشأوا على أغنيات منير واحتجّوا بها، ثم فجأة وجدوه يقف مع عدوهم وهو يطلق الرصاص على أقدامهم ورؤوسهم أحياناً.. ولم يكن الانقلاب مفاجئاً للمقربين من منير، فقبل الثورة بدأ يمدّ خطوط اتصال مع النظام القديم، فأغنية “ازاي” التي انتشرت عاجلاً مع اشتغال ثورة يناير لم تكن معدة للحدث الكبير الذي تآكلت تحت سطوته السلطات كلها، ووقف كثيرون غير قادرين على إبداء أي موقف، فكانت الأغنية المحايدة هي الحل، وبحسب مصادر، كانت “ازاي” إهداء من منير إلى جمعية “جيل المستقبل” التي أسَّسها جمال مبارك استعداداً لتنفيذ مخطط ناعم لتوريث الحكم والترشح للرئاسة في الانتخابات التالية، وكأن فتى الرئاسة المدلل، الملقب بـ”جيمي” يخاطب مصر بقوله “عمالة تزيدي فى حيرتي وما انتيش حاسة بطيبتي ازاي؟”.

كان عمراً حافلاً بالمعارك الفنية، ساق محمد منير إلى القمة… التي أحياناً حافظ عليها، وفي أحيان أخرى هبط إلى القاع بآرائه الغريبة، ومواقفه السياسية، وانحيازه للأنظمة التي غنَّى ضدها كثيراً، فلم يعد إيمانه الوحيد “الحرية”، كما روّج في أغنياته لأجيال حفظتها وردَّدتها من قلبها، قبل أن تضعه في حجمه… هو مطرب فقط، مطرب قديم انحرف عن شعاراته، ويحتفل – هذه الأيام – بمرور 44 عاماً على مسيرته الفنية.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
إيمان عادل- صحافية مصرية
“نزعت الحجاب وتركت شعري يتنفس، كانت لدي قوة هائلة، لم أشعر بالخوف، لأنني لا أؤذي أحداً”… عدد من رجال القرية ضربوا رانيا وتحرشوا بها لأنها قررت خلع حجابها.
Play Video
بعد أن دُقّ “جرس الانذار” مهدداً بغياب الانترنت، ازدادت مخاوف اللبنانيين من الانقطاع عن العالم الخارجي… فكيف سيبدو المشهد في لبنان بلا انترنت؟

2:08

Play Video
تحظى الرياضة النسائية بـ4% من التغطية الإعلامية المخصصة للرياضة في جميع أنحاء العالم، ما يساهم في تهميش الرياضيات، اللواتي يُنظر إليهن في المقام الأول على أنهن نساء ويُختصرن بمظهرهن أو عمرهن أو حياتهن الشخصية. ما الأسباب الكامنة وراء هذه المعاملة غير المتكافئة الملحوظة؟ وكيف يمكن أن تحرك وسائل الإعلام الخطوط وكيف تروج للرياضة كمحرك للتحرر للرجال والنساء؟

55:50

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني