fbpx

“نساء القمر”… مهاجرات يصنعن المستحيل

كانت قصص الرعب التي واجهها الهاربون من الحرب لا تتركها تنام ليلاً، وتؤثر فيها، إلا أن رؤية السعادة والاطمئنان في عيون الذين تساعدهم شكلت لها مصدر قوة...

في البلدان التي تعيش صراعات داخلية يسود اعتقاد لدى كثيرين بأن الهجرة طريق إلى الجنة، ومع أن الأمر ليس كذلك، إلا أن جانباً منه صحيح أيضاً، وإلا فماذا تعني النجاة من الجحيم؟! 

غير أن الأمر ليس بهذه السهولة وبخاصة بالنسبة إلى النساء. فالشائع هو أن تواجه اللاجئات صعوبات وتحديات قد لا تكون في حسبانهن، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالتأهيل أو الحصول على فرصة عمل، ولأسباب عدة  منها حاجز اللغة. إلا أن هناك نماذج قوية لنساء استطعن تحدي الغربة القاسية وانخرطن في الأنشطة المجتمعية، أو تطوعن في المنظمات وشاركن في الفعاليات، الأمر الذي ساعدهن على اكتساب اللغة والحصول على فرص أكثر. لذا إذا كنتِ مهاجرة أو لاجئة، فإن كسرك الحواجز التي من شأنها أن تحد من قدرتك على صنع بصمة قوية دليلاً على رغبتك في المشاركة وصنع الفارق، اكسريها.

مطلع آذار/ مارس من العام 2019، كان القلق والترقب سيدَي المشهد، وبينما بدأ العالم ينكمش على نفسه، مغلقاً الأبواب والنوافذ بإحكام لمواجهة جائحة فايروس “كورونا” المستجد – “كوفيد- 19″، ولجأت معظم الدول إلى “العزل المنزلي” فارضة الكثير من القيود على الفرد والمجتمع كآلية احترازية، وجدت مجموعة من المهاجرين واللاجئين في ألمانيا وبينهم عدد كبير من النساء أن الجلوس في المنزل وانتظار التوجيهات ليسا حلاً، وأن الخطر أكبر وبحاجة إلى تكاتف الجميع.

وفي مدينة نوردرشتيت، شكل عرب من اليمن، سوريا، العراق، تونس، الجزائر، المغرب، ومسلمون من الأكراد ومن إيران، افغانستان، تركيا، وأشخاص من جنسيات مختلفة، فريقاً من المتطوعين قام عبر سيدة كردية تدعى هيروا أمين تدير مشروع “شارك بدلاً من المغامرة”- Partizipieren statt Risegnieren، بالتنسيق مع مسؤولة الاندماج في البلدية السيدة هايدا كروكر لتنفيذ نشاطات تطوعية تساعد المجتمع على الالتزام بالحجر الصحي، ولحسن الحظ كنت أحد المشاركين في المبادرة. وقد أتاح لي الانخراط في هذا النشاط التعامل مع عدد كبير من الناس.

وخلال ذلك استمعت إلى قصص محفوفة بالصعوبات والمعاناة واجهتها مهاجرات ولاجئات، ولكوني واحدة من هؤلاء النسوة اللائي تركن الاهل والذاكرة والرائحة وبدأت مجدداً من الصفر، كنت مهتمة بالاستماع إلى تلك القصص كي أتعلم منها، ثم جاءت الفكرة: لماذا لا أكتب هذه القصص وأوثّقها؟!  ومن حينها بدأت إجراء مقابلات سواء من بعد أو وجهاً إلى وجه لتوثيق ما يمكنني الوصول إليه.

هيروا امرأة تحدت المستحيل لتساعد الآخرين

حتى اليوم مر ما يقارب ربع قرن على انتقال هيروا أمين من العراق إلى ألمانيا. عندما قابلتها لغرض كتابة هذه المادة، عادت بي إلى البدايات. اخبرتني كيف أنها بين عشية وضحاها وجدت نفسها مضطرة إلى مغادرة بلادها إثر اضطهاد تعرض له زوجها نتيجة نشاطه السياسي، وكيف أنها لم تستسلم “كان ذلك عام 1995” تقول هيروا. خلال أقل من عام بدأت العمل في مكتب بريد لمدة ساعتين يومياً، وبعد فترة لم تكتف بذلك، فانخرطت في المجال التطوعي مع منظمة “الدياكوني”. 

وبالنسبة إلى امرأة لديها ثلاثة أبناء وثلاث سنوات من الخبرة في المجال التعليمي، انتقلت فجأة إلى بلد لا تتحدث لغته؛ قد لا يكون مستغرباً أن تواجه صعوبات كثيرة في تقديم نفسها وممارسة أنشطتها، بخاصة المتعلقة بالجانب العملي. لكنها راهنت على شهادتها الجامعية في “الهندسة الكهربائية” التي عدلتها في سبيل الحصول على عمل، كي تتوافق مع النظام الألماني، لكنها قوبلت بالرفض، ووجدت أن امكانية حصولها على عمل شبه منعدمة، كون هذا التخصص محصور أكثر بالرجال. تقول هيروا إن هذه الفكرة شكلت لها صدمة، ففي العراق يعتبر هذا التخصص مرغوباً به، ولم يكن يخطر في بالها ان السنوات التي أمضتها في الدراسة ستذهب بلا جدوى. إلا أنها استطاعت بإرادتها القوية أن تكسر أكثر من صخرة.

في “الدياكوني” أسست هيروا مجموعة للنساء اللاجئات المقيمات في مدينة نوردرشتيدت سميت “نساء القمر” Mond Frauen، لتنظيم لقاء شهري ورحلات وأنشطة اجتماعية وثقافية لمساعدتهن في الحديث عن مشكلاتهن وتزويدهن بمعلومات عن مجتمعهن الجديد. تضم هذه المجموعة نساء من أكثر من خمسين جنسية. وحالياً، ترى هيروا أن لتلك الخطوة فضلاً كبيراً في مساعدتها على الاندماج وبناء علاقات واسعة مع المجتمع الألماني، فهناك التقت بشخصيات شكل التعرف عليها مدخلاً لهذا الاندماج، وساعدها في الحصول على فرص عمل أفضل صقلت خبراتها.

تتحدث هيروا الى جانب الكردية ثلاث لغات؛ العربية، الإنكليزية والألمانية. وقد اكتسبت الأولى خلال إقامتها في مدينة البصرة التي درست في جامعتها، وتعلمت الثانية كون معظم التخصصات في الجامعة  تدرَّس بها والثالثة عندما انتقلت الى المانيا، عملت لسنوات مترجمة لعدد من الجنسيات.  

يعرف معظم المهاجرين في  نوردرشتيت ومدن أخرى هذه المرأة الاستثنائية. عندما وصلت ألمانيا مطلع عام 2017، وجدت اسمها يتردد كثيراً، وقابلتها بعد فترة وجيزة، إذ كان علي أن أجري بعض المعاملات، وكانت استثنائية بالفعل، وعندما قابلتها للكتابة عنها، عرفت أن لها عزيمة لا تقهر. لم تتغلب على الظروف فقط، بل قهرت المرض أيضاً. ففي 2015 اصيبت بالسرطان، لكنها قالت إن لذلك فضلاً في جعلها تقاوم وتستمر في مساعدة الناس، إذ تعتبر مساعدة الآخرين علاجاً نفسياً ساعدها على التغلب على الوجع.

إقرأوا أيضاً:

وشهد العام الذي أصيبت فيه هيروا بالسرطان تدفق موجات كبيرة من اللاجئين إلى ألمانيا، فنشطت إلى جانب كثيرين وعملت على تسهيل حصول كل من يحتاج للترجمة عليها، وعلى رغم خضوعها لعملية جراحية وجلسات علاج كيماوي، إلا أن ذلك لم يوقفها عن دور ترى أنه كان يجب القيام به، وركزت على تقديم المساعدة للنساء بشكل خاص. وكما أخبرتني كانت لا تعود الى البيت للراحة بعد أن تخرج من المستشفى، بل تتوجه إلى المكتب، ولم تكن تكتفي بإنجاز أعمال الترجمة لطالبي اللجوء بل تشرف على تحضيراتهم للجلسات في المحكمة مع المسؤول القانوني في “الدياكوني”. لم تخجل بسبب مرضها قط. وعندما تساقط شعرها بسبب العلاج، استعانت بـ”باروكة”، حتى لا تنقطع عن الذهاب لتقديم المساعدة.  

كانت قصص الرعب التي واجهها الهاربون من الحرب لا تتركها تنام ليلاً، وتؤثر فيها، إلا أن رؤية السعادة والاطمئنان  في عيون الذين تساعدهم شكلت لها مصدر قوة، كما أخبرتني. 

كرمت منظمة “الدياكوني” هيروا كأنشط متطوعة عملت مع اللاجئين. ومنحت شهادة من “حزب السلام الأخضر الدولي”، كانت سبباً في رفع معنوياتها وجعلها تطلب مساحة في حديقة “اشتات برك” للقيام بأنشطة ثقافية سميت بـInterkulturelle Garden- حديقة الثقافات، تجتمع فيها نساء ورجال من المهاجرين للحديث عن ثقافات بلدانهم المختلفة، وقد ألهم ذلك كتاباً من اللاجئين قاموا بجمع 60 قصة لأشخاص من 40 جنسية، ومن المتوقع أن يصدروا كتاباً يجمع كل هذه القصص قريباً.

كما أسست هيروا مجلة Wir Hier، التي تعنى بقضايا اللاجئين من جنسيات مختلفة. صدر عددها الأول عام 2017 باللغة العربية، وبعد عام كانت المجلة تنشر مقالات بلغات مختلفة منها العربية، الألمانية، الأفغانية، الفارسية، قبل أن يستقر صدورها بالألمانية وبشكل دوري، وحالياً تطبع ما يزيد على 2000 نسخة.

مع بداية عام 2018، انتقلت هيروا للعمل مع البلدية ونظمت أنشطة ركزت على التوعية الاسرية، واشرفت على إنتاج أفلام قصيرة  تناقش قضايا الاندماج وصعوبته لدى الوافدين الجدد، كما تبنت نشاطاً أسبوعياً لتعليم اللغة للأطفال، بمشاركة مجموعة من النساء المتخصصات في التربية المتطوعات.

ومع نهاية عام 2019، قرر الأطباء إجراء ثلاث عمليات جراحية لهيروا أثرت في الحبال الصوتية، ما جعلها ملزمة بالبقاء في المنزل وعدم التحدث لأكثر من ساعتين في اليوم. وخلال أزمة “كورونا” التي حدت من الأنشطة المجتمعية لم تتوقف عن تقديم المساعدة. شخصياً، رأيتها تعقد جلسات لمتابعة أمور اللاجئين في المخيمات، وقد استعانت بعدد من المتطوعين من رجال ونساء قسمتهم للقيام برش المعقمات والحرص على النظافة. وكونت مجموعة من المتطوعين الذين عملوا على إنتاج كمامات قماشية وصلت الى 4000 كمامة، وزعت على لاجئين من جنسيات مختلفة، وعلى عيادات كانت بحاجة لها. 

عندما قررت الكتابة عن هيروا أمين ، طلبت أن أقابلها وقد وجدت نفسي أمام امرأة يمكن القول إنها صنعت قدرها بنفسها. تحدت الموت مرات عدة، غير أن ما أدهشني فيها امتنانها للمرض الذي تقول عنه “لقد أعطاني الإصرار لمواصلة النشاط وخدمة الآخرين”. 

نماذج للاقتداء

في أوروبا عموماً وفي ألمانيا خصوصاً، سجلت نساء مهاجرات ولاجئات حضوراً متنامياً على مستوى المؤسسات والأنشطة المجتمعية، إلا أن هذا الحضور الذي تمكن ملاحظته يقابله أوضاع صعبة تواجهها الكثيرات، وفي حين يمكن الحديث عن عنصرية وتمييز وعنف لا يزال يمارس ضد النساء توثقه منظمات حقوقية مهتمة وتصدر حوله تقارير دورية، إلا أنني هنا فضلت تسليط الضوء على الجانب المشرق، على نسوة يقدمن صورة واعدة عن مستقبل الهجرة، ويصنعن قصصاً ملهمة، رغم كل شيء.

تعمل السيدة ايمان ميكا في مخيم للاجئين، منذ قرابة الأربع سنوات. الآتية من العراق عام 2009 مع زوجها وطفليها، هي واحدة من النساء العربيات اللواتي وجدن صعوبة بالغة في الاندماج في البلد الجديد، إلا أنها اليوم تعتبر ألمانيا وطنها الثاني كونها فتحت أبوابها لعدد كبير من الفارين من بلدانهم بفعل الاضطهاد السياسي أو الاقتصادي أو الديني أو نتيجة ويلات الحروب. 

بدأ اسم ايمان ينتشر في أوساط مجتمع المهاجرين مع دخولها بداية عملها في المخيم، واثناء انتشار جائحة كورونا اصبحت واحدة ممن يحضون بالاحترام الكامل لدى اللاجئين والسلطات المحلية على السواء. في تلك المرحلة العصيبة فضلت الدوام في مكتبها رغم ارتفاع منسوب الخطر. بالنسبة لها كان تسهيل معاملات اللاجئين اهم، حيث لا يستطيع الكثير منهم التواصل بالهاتف لاستكمال إجراءات معاملاتهم سواء مع المدارس- إذا لزم الأمر- او لتسيير أمور مادية يجب الايفاء بها، أو لتنظيم بعض المواعيد مع الاطباء لبعض كبار السن، كما أن كثيرين كانوا يحتاجون تجديد إقامتهم، كما أن تسيير أمور المخيمات أمر مهم في حال حدث طارئ ما، كما تقول.

وعلى رغم أنها حاصلة على شهادة في التربية الفنية من جامعة بغداد التي عملت فيها مدرسة في التخصص ذاته  لمدة سبع سنوات بعد تخرجها، إلا أنها وجدت أن شهادتها الجامعية غير معترف بها، ومع ذلك لم تستسلم ووجدت في العمل التطوعي طريقاً آخر، يمكن ان تبدأ به رحلتها الجديدة، وبعد الكثير من المثابرة نجحت  في الحصول على وظيفة رسمية في “الدياكوني”، حيث كانت قد عملت لسنوات كمتطوعة. 

استمعت إلى قصص محفوفة بالصعوبات والمعاناة واجهتها مهاجرات ولاجئات، ولكوني واحدة من هؤلاء النسوة اللائي تركن الاهل والذاكرة والرائحة وبدأت مجدداً من الصفر، كنت مهتمة بالاستماع إلى تلك القصص كي أتعلم منها، ثم جاءت الفكرة: لماذا لا أكتب هذه القصص وأوثّقها؟! 

نادية النجار، يمنية ومهاجرة أخرى واجهت صعوبات كثيرة قبل أن تستطيع تحقيق بعض النجاحات، شقت رحلتها الطويلة بكل عزم وثقة، وكل نجاح قادها إلى آخر- كما تقول- حتى حصلت على درجة الماجستير في العلوم السياسية، لكن ما زالت لديها أحلام كبيرة ومشاريع تسعى إلى حقيقها. عند التحاقها ببرنامج الماجستير في العلوم السياسية عام 2015 ، كان كثر من اللاجئين يقفون على أبواب أوروبا هرباً من الحروب المستعرة في بلدانهم، فيما تضغط بعض الأحزاب على ألمانيا وأوروبا لمنعهم من الدخول.

وجدت نادية نفسها المرأة العربية الوحيدة التي تعمل مع بعض الطلاب الألمان  في جامعتها لحث الآخرين على مناصرة اللاجئين. نظموا تظاهرة شارك فيها أكثر من 3000 شخص، وصلت إلى أمام مبنى المستشارة الألمانية، التي خرجت في اليوم التالي وصرحت بأنها درست القضية مع أعضاء البرلمان، وتوصلوا إلى السماح للاجئين بالدخول ومساعدتهم.

حالياً تشارك نادية في تأسيس المركز اليمني الألماني ببرلين، لتكون صوتاً يمنياً يحمل قضايا البلد إلى العالم، تقول: المركز يهدف إلى تعريف الألمان بما يدور في اليمن، ونقل القضايا الإنسانية بحيادية، وتقديم أبحاث ودراسات تظهر معاناة الناس، وتأثير الحرب في حياتهم وأوضاعهم المعيشية. 

وإجمالاً، يمكن الحديث عن مئات وربما آلاف القصص لمهاجرات يقدمن صورة واعدة عن مستقبل الهجرة ومستقبل مشاركة المرأة في الحياة العامة، غير أن الحقيقة المرة التي لا تزال واقعاً ملموساً، هي أن العنف ضد النساء والصعوبات التي تواجههن وتحد من قدرتهن على التعبير عن أنفسهن لا تزال عالية. بحسب إحصائيات لمكتب الشرطة الجنائية الاتحادية، فإن العنف المنزلي في ألمانيا ازداد خلال السنوات الأخيرة وتعتبر اللاجئات والمهاجرات أكثر عرضة لهذا النوع من العنف. وبمناسبة اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة الذي يوافق 25 تشرين الثاني/ نوفمبر، دعت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل مواطنيها إلى عدم قبول العنف ضد النساء. تقول ميركل: “نحن مطالبون جميعاً بالتدخل عندما يكون هناك تهديد بالعنف ضد النساء أو حتى عندما يحدث ذلك، كما يجب أن يعرف الجناة أنهم سيواجهون عقوبات، ويجب أن تعرف المتضررات أيضاً من أين يحصلن على الدعم”.

الموضوع  حصد المركز الأول لجائزة نجيبة الحمروني من مركز المرأة العربية للتدريب والدراسات والبحوث  – كوثر–  بتونس  2021

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
ربما من قبيل القسوة، القول إن الحدثين الدمويين الأخيرين لم يفاجئا أحدا، لا داخل أفغانستان ولا خارجها، وأولهم الشيعة الهزارة، ذلك أنهم لم يعرفوا مصيرا سوى القتل، منذ نشأة أفغانستان بحدودها الجغرافية الحالية.
Play Video

7:06

Play Video

2:08

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني