fbpx

قد يصل اللقاح إلى السجون المصرية، لكن متى العدالة؟

حرمان السجين حقه في حرية الحركة والتنقل والعمل إلخ، كجزء من عقوبته، لا يسقط عنه حقه في الرعاية الصحية كأي مواطن آخر، وإذا كانت الدولة توفر لمواطنيها حق الحصول على اللقاح، فالسجناء كغيرهم من المواطنين لهم الحق ذاته.

طرحت وزارة الصحة المصرية لقاحي “سينوفارم” و”أسترازينيكا” في المراكز الصحية وطالبت  المواطنين بالتسجيل الإلكتروني لتلقي جرعاتهم. مضت أشهر على توفير اللقاحين قبل أن تنتبه الوزارة إلى أسئلة الحقوقيين في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، حول متى يحصل السجناء في مصر على اللقاح، ولماذا تأخرت الإجراءات اللازمة لتوفيره لهم، على رغم حالة التكدس وغياب الإجراءات الاحترازية.

ضغط حقوقي ومقاضاة للحكومة

المحامي الحقوقي والمرشح الرئاسي السابق خالد علي  أعلن، في 4 أيار/ مايو 2021، أن مكتبه أقام الدعوى القضائية رقم 46278 لسنة 75 قضائية أمام الدائرة الأولى للقضاء الإداري المختصة بالحقوق والحريات، موكلاً عن كل من: الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، وسناء سيف، وأحمد دومة، وهشام فؤاد، وحسام مؤنس، ورامي شعث، وزياد العليمي، وعلاء عبد الفتاح، وذلك لتمكينهم من تلقي لقاح “كورونا”. اختصمت الدعوى كل من رئيس الوزراء، ووزير الصحة، ووزير الداخلية، ومساعد الوزير لقطاع مصلحة السجون، وطالب المدعون بإدراج أسمائهم وكذلك أسماء من يرغب من المودعين الآخرين في السجون المصرية ضمن الحملة القومية للتطعيم ضد وباء “كورونا”.

قبل نحو أسبوع من ذلك، كانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أعلنت، عبر “فايسبوك” توجيهها إنذاراً قانونيا لوزارة الداخلية، تطالبها بإتاحة لقاحي “كورونا” للسجناء والمحبوسين احتياطياً، وقالت المبادرة إن المحامين لديها قدموا بلاغاً بهذا الإنذار نيابة عن باتريك جورج ميشيل زكي، وهو باحث في المبادرة، وسجين سياسي محبوس احتياطياً، على ذمة القضية 1786 لسنة 2019 أمن دولة عليا، منذ شباط/ فبراير 2020. 

وقالت المبادرة إنها حين تقدمت بالإنذار، لم تكن وزارة الداخلية أو مصلحة السجون قد أعلنتا بدء تطعيم السجناء والمحبوسين احتياطياً، ولم تعلنا عن أعداد الإصابات، ونسب الشفاء من الفايروس داخل السجون وأماكن الاحتجاز، سواء بين السجناء والمحبوسين أو بين العاملين في هذه الأماكن.

إقرأوا أيضاً:

مذ بدأت أزمة “كورونا” العالمية، شكل وضع السجون مصدر قلق للعالم كله، فظروف احتجاز أعداد كبيرة من الناس في أماكن مغلقة، تجعل نزلاء هذه السجون والعاملين فيها أكثر عرضة للعدوى بأي فايروس منتشر. 

وفي مصر، تتضافر العوامل، لتفاقم خطورة الوباء والأزمة التي فرضها. فمنذ وقت مبكر، في 20 تموز/ يوليو 2020، حذرت  “هيومان رايتس واتش”، من انتشار الوباء في السجون المصرية، ونقلت عن أقارب لسجناء وعن منظمات حقوقية محلية تقارير عن أعداد كبيرة من المصابين بالعدوى.

 وقالت المنظمة حينها إن الشهادات والتقارير المختلفة التي حصلت عليها تشير إلى وفاة حوالى 14 سجيناً على الأقل، حتى ذلك التاريخ، في ظل التعتيم الرسمي، والغياب الكامل لأي بيانات رسمية عن قطاع السجون  لناحية أعداد الإصابات، والإجراءات المتخذة لمواجهة تفشي الوباء.

لاحقاً، في 24 آب/ أغسطس 2020، قال تقرير نشره موقع مكتب المفوض السامي في الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، إن “الحبس الاحتياطي المتطاول وغير الضروري لأعداد كبيرة من المدافعين المصريين عن حقوق الإنسان، يعرضهم لخطر كبير وغير ضروري خلال وباء كوفيد-19”.  وأوضح التقرير أن “ثمة القليل من الإحصائيات المتاحة للجمهور عن الوفيات بين السجناء المصريين والمتعلقة بكوفيد-19″، وقد اعتمد خبراء الأمم المتحدة على تقارير موثقة لجهات مستقلة.

حق السجناء في تلقي لقاحات الأمراض ذات معدلات العدوى المرتفعة وبخاصة الأوبئة سريعة الانتشار ليس رفاهية في أي حال، وفي الواقع هم من بين الفئات التي ينبغي أن تحصل على أولوية الحصول على هذه اللقاحات، بالنظر إلى ظروفهم، والاكتظاظ الهائل، الذي تستحيل معه أي خصوصية أو إمكانية تحقيق أي نوع من التباعد الاجتماعي أو الجسماني. فالسجون أماكن تغص بساكنيها وقد وصل معظمها إلى قدرته الاستيعابية القصوى، في غياب وسائل الرعاية الصحية المطلوبة. 

وحرمان السجين حقه في حرية الحركة والتنقل والعمل إلخ، كجزء من عقوبته، لا يسقط عنه حقه في الرعاية الصحية كأي مواطن آخر، وإذا كانت الدولة توفر لمواطنيها حق الحصول على اللقاح، فالسجناء كغيرهم من المواطنين لهم الحق ذاته. وما داموا مسلوبي الحرية ولا يستطيعون الحصول على اللقاح، فكان من أبسط واجبات الدولة إيصال اللقاحات لهم. 

بينما يمثل وباء “كورونا” واقعاً استثنائياً، فإن فداحة أثره على حياة السجناء تعود إلى الظروف المأساوية الدائمة في السجون، والتي تجعلها، مصيدة للأمراض والأوبئة، فتصبح بالنسبة إلى كثيرين طريقاً إلى الموت المجاني البطيء. 

تكدس هائل… بيئة حاضنة للوباء

وثقت تقارير حقوقية محلية ودولية الأوضاع الصحية غير الإنسانية التي يتعرض لها نزلاء السجون في مصر. التكدس الهائل والذي يبلغ أضعاف القدرة الاستيعابية لأماكن الاحتجاز المختلفة، النوعية المتدنية للتغذية المتاحة بخلاف ما يمكن للسجين تلقيه من عائلته في الزيارات المتباعدة، تدني مستوى نظافة أماكن المبيت والأسرة والمفروشات إلخ، كلها عوامل تشكل خطراً حقيقياً على صحة السجين. 

إذا أضفنا الغياب شبه الكامل لمستلزمات الرعاية الصحية، فحياة أي سجين أصيب بالمرض داخل السجن أو كان من أصحاب الأمراض المزمنة، هي في خطر داهم، بخاصة إذا ما لم يسمح لذويه بتوفير الرعاية الصحية والدواء له. وفي حالة “كورونا”، عانى الكثير من السجناء المرضى من خطر العدوى، ولا يُعرف حقيقة كيف هي أحوالهم وإن كانوا يحصلون على الرعاية والحماية الضرورية من الإصابة.

ففي حالات كثيرة لأسباب مختلفة لا يسمح لعائلات السجناء بتوفير هذه الرعاية، حتى وإن كانوا ميسوري الحال، خصوصاً السجناء السياسيين، فيكون ذلك من باب التنكيل بهم والضغط عليهم. 

النيابة العامة تتجاهل المطالبات باللقاح

الجهة التي يحملها القانون مسؤولية الرقابة على أحوال السجون في مصر هي النيابة العامة، ولكن هذه المسؤولية كانت ولا تزال صورية تماماً، فثمة اتفاق غير مكتوب على أن النيابة العامة لن تزعج وزارة الداخلية وضباطها بأي قدر من التدخل في شؤون السجناء، الذين يبقون تحت رحمة السلطة المطلقة التي يتمتع بها الضباط القائمون على إدارة السجون. في جانب منه يعود هذا التواطؤ التلقائي إلى أن رجال النيابة العامة هم في النهاية مواطنون متأثرون بالثقافة السائدة، التي ترى في السجناء فئة أقل آدمية أو إنسانية من غيرها، ومن ثم فهم عادة لا يرون في الظروف غير الإنسانية داخل السجون أمراً يزعجهم.

في ظل الضغط الحقوقي سواء بالبيانات أو الدعوى القضائية ضد الحكومة المصرية لتوفير اللقاء، نقلت مواقع صحافية، الإثنين 17 أيار 2021، عن الدكتورة هالة زايد، وزيرة الصحة المصرية، أنها ناقشت خلال اجتماع لها مع الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء، “البدء في تطعيم السجناء باللقاحات المضادة لفايروس كورونا”. وتحدثت تقارير  عن تطعيم السجناء في سجن الفيوم، وعن توفير 5 آلاف وحدة من اللقاح الصيني وتوفيره للسجناء وبخاصة كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.

اهتمام مسؤولي الدولة بالإعلان عن توفير لقاح “كورونا” للسجناء، إن كان من باب إسكات الأصوات الحقوقية، أو كبروباغندا سياسية، أو بنيات حسنة، فهو يظل فرصة، لتوجيه الأنظار إلى سكان السجون وأحوالهم المزرية. فبينما يمثل وباء “كورونا” واقعاً استثنائياً، فإن فداحة أثره على حياة السجناء تعود إلى الظروف المأساوية الدائمة في السجون، والتي تجعلها، مصيدة للأمراض والأوبئة، فتصبح بالنسبة إلى كثيرين طريقاً إلى الموت المجاني البطيء. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
التطرف لم يهبط علينا من السماء كمؤامرة مدبرة من بلدان خارجية للتفرقة بيننا، كما يتم الترويج في الإعلام والندوات الثقافية، لكنه نتاج تصورات مسمومة تسللت بشكل تراكمي عبر الكيانات الدينية والاجتماعية والسياسية في مصر حتى بات التطرف طبيعة يصعب حصارها.
Play Video

2:46

Play Video

3:01

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني