عراقيات ضحايا إبتزاز الكتروني من بوابة الذكورية والعشائرية

يلعب المبتزون على هشاشة العلاقة بين النساء وذويهن، المحكومة بمنطق ذكوري. وينفذون منها لابتزاز الضحايا: "لم يحصل توافق بيني وبين خطيبي فانفصلنا، وهو أمر طبيعي، لكني لم اتخيل يوما تهديده لي بجميع الصور التي كانت بيننا"...


“كانت حياتي مثل جحيم لا نهاية له، لم استطع النوم ولا الاكل لشهرين متتاليين، رسبت في جميع الامتحانات، وانعزلت في غرفتي للبكاء، حيث لا حلول أمامي سوى الانتحار كلما تذكرت، ان صوري الخاصة، قد تُنشر في اية لحظة”.

 سنسميها فرح، مع انه اسم لا يمتّ بصلة لها، لأنها لم تعرف الفرح منذ ان تعرضت لحملة ابتزاز الكتروني من قبل شخصين، حصل أحدهما على صور خاصة لها، لتبدأ بعدها رحلة الترهيب والقلق لأكثر من شهرين حاولت فيهما فرح ان تقدم له كل ما يطلب من أموال مقابل عدم نشر الصور و”فضحها”. وحينما نفد مالها الذي اخذته مما ادّخرته لتدفع أقساط الجامعة، انتقل الابتزاز إلى مستوى آخر: “تعدى الموضوع المال، وصارا يحاولان استدراجي من اجل الاعتداء علي او نقل صوري لخطيبي بعد ان علما اني خُطبت، ارسلت لهما عدة أصدقاء للحديث معهما، ووسّطت ما بيني وبينهما اشخاصاً في السلك العسكري، وجوابهما كان دائماً الضحك والاستمرار في عملية الترهيب والابتزاز”.

اليأس دفع بفرح إلى شرب كميات من الأدوية في محاولة منها للخلاص، لكنها نجت من الموت، وبقيت في دوامة الابتزاز. تقول إنها تفضّل الموت على ان يعرف والداها بأمر الصور: “لا يمكن لأحد ان يحل مكان الفتيات المعرضات للابتزاز في العراق، حتى افراد العوائل الاكثر انفتاحا، لديهم القدرة على قتل بناتهم بدم بارد، اذا ما شعروا بتهديد لـ”شرفهم”، من قبلهن، فكيف بي أنا التي اعيش في محافظة متشددة مع عائلة تنتظر مني ان اتخرج لكي اتزوج وأجلس في بيت زوجي؟”.

لحسن حظها، تمكنت فرح وبمساعدة احدى صديقاتها من الوصول إلى شخص في منصب إداري مهم في مديرية الامن الوطني العراقي، تكفل بحل القضية.  لكن الأمر لم يكن سهلاً، ذلك ان الوصول الى الشخصين الذين طارداها كان صعبا خصوصاً وأنهما يعيشان في محافظة بعيدة عن العاصمة، لكن هذا المسؤول، تمكن من احضار قوة تابعة للامن الوطني قرب منزل كل منهما، وأخذ تعهدات كاملة بعدم التعرض لها، حذف صورها، والاختفاء من حياتها تماما: “عادت الروح لي”، تقول فرح التي تحاول بدء حياتها مجددا. حينما سألها رجل الأمن اذا كانت تريد ان تتقدم بشكوى ضدهما، رفضت لأنهما اذا اعتقلا، “سيصبح اسمي متداولاً وستكون الفضيحة أكبر”.

خوف حقيقي ورعب افتراضي

في بلد تطغى عليه الثقافة التقليدية والعشائرية وبلد تمددت فيها أحزاب دينية متشددة، تعيش العراقيات قلقاً مضاعفاً مع دخول هاجس الجرائم الالكترونية التي “تزدهر” في غياب القانون وانتشار ثقافة التمييز ضد النساء اجتماعياً وقانونياً.

وتبدو قصة فرح، قصة “سهلة” وعابرة مقارنة بما يحدث لغيرها من النساء، من دون أن يُذكر او يدوّن، خشية القتل، حيث يرى عقيد في جهاز الامن الوطني العراقي، رفض ذكر اسمه الحقيقي خشية الاستجواب، أن حالة فرح التي تمكن هو من حلها والرعب الذي عاشته، قد يبدو بسيطا أمام الإبتزاز الذي تتعرض له نساء أخريات. ويؤكد أن الأجهزة الأمنية غير قادرة على احتواء جميع المشكلات، وذلك بسبب خوف بعض النساء من ذكر اسمائهن وابراز مشاكلهن، لانعدام ثقتهن بالجميع، وحتى الأجهزة الأمنية: “احدى المشاكل الرئيسية التي تواجهنا أحيانا ولا نستطيع حلها، هي خوف النساء من الدخول إلى مراكز الشرطة، وخشيتهن من انتشار قضاياهن”. 

القانون الكسول

ومع ذلك، حتى ولو تقدمت النساء بشكاوى “سرية”، لا تستطيع الأجهزة الأمنية المباشرة بالتحقيق في القضايا الا بوجود “مذكرة قضائية” قادمة من المحكمة، ليكون الأمر رسمياً، خصوصاً إذا كان المبتز يستخدم حساباً وهمياً، اذ ان عملية اختراق هذه الحسابات للوصول الى المعلومات الكافية، تتطلب موافقات رسمية ومذكرات وتواقيع، تجبر النساء احيانا على الانسحاب خوفاً من إثارة ضجيج حول قضاياهن. 

هذه الاجراءات المعقدة، قد تأخذ وقتا طويلا، بحسب العقيد، وهو ما يمدد فترة المعاناة للنساء اللاتي يعشن اتعس ايامهن: “الوضع شائك ومرير. تعمل مفارزنا على حل قضايا الابتزاز، لكنها بحالة تزايد مستمر مثل سرطان يتفشى وما من قانون صارم يوقف انتشار هذه الآفة”. 

“الدولة تعلم حجم المعاناة لكنها غير آبهة، بالطبع لأن الخطر ليس قريبا من المسؤولين المتنفذين، بل من المواطنات البسيطات.”

قصص غير مروية

لا احصائيات رسمية تخص هذا الموضوع رغم خطورته وانتشاره بشكل مفزع. الامن الوطني والشرطة المجتمعية، ومعهما جميع المديريات المعنية بالجرائم الالكترونية، غير قادرين على إحصاء القصص التي تواجه النساء العراقيات في حروبهن ضد المبتزين: “تصل إلينا وبشكل يومي عشرات الشكاوى، لكن السؤال، كم عدد القصص التي لا نعلم بها؟ كم عدد النساء اللواتي يفضلن الانتحار على كشف قضاياهن؟”. 

سهى وليد، طالبة في جامعة البصرة/ جنوب العراق، وقعت ضحية لعصابة ابتزاز الكتروني من ثلاثة طلاب، تعتمد على استدراج الفتيات بوعود الزواج والحب، عبر التقرب من الفتيات الميسورات، لابتزازهن ماديا فيما بعد، وبمبالغ هائلة: “احدهم كان زميلي في الصف، اخبرني بنيته الزواج مني، حتى انه جعل اخته تتصل بي وامه كذلك، ترددت في بادئ الأمر لكن ما ان وجدوا حسابي في فيسبوك استطاعوا اختراقه وسحب جميع الصور الخاصة بيني وبين زميلاتي اضافة لمحادثات تعتبر سرية. واتضح فيما بعد ان من عرفني إليهما على أنهما اخته وامه لا تقربان له بصلة، وتبين انهم عصابة واحدة، تعتمد على زرع الثقة في الفتاة قبيل استدراجها”.

ولم تكتف العصابة بابتزاز سهى، بل استخدمت صوراً خاصة لصديقاتها من داخل حسابها المقرصن، لابتزازهن: “احداهن اضطرت لسرقة مجوهرات والدتها من اجل تسديد ما يطلبون مقابل عدم نشرهم لصورنا ومحادثاتنا وحينما علمت والدتها منعتها من إكمال دراستها وتزوجت شخص لا تعرفه وحتى بعد اختفائها، كنا نعمل على جمع المبلغ الخاص بها”.

بلغت سهى، حدا من اليأس، دفعت اكثر من خمسة ملايين عراقي، ما يعادل 3500 دولار امريكي، لوحدها، ثم لجأت لاحدى المنظمات النسوية التي استطاعت مساعدتها بواسطة أحد محاربي الابتزاز الالكتروني وهو محمد حسن، صاحب أول مشروع لمحاربة الابتزاز الإلكتروني في العراق، اذ تمكن من مراقبة حسابات افراد العصابة وأماكن تجمعهم وبمساعدة القوى الامنية، جرى القاء القبض عليهم. 

إقرأوا أيضاً:

متطوعون لانقاذ النساء

يتحدث محمد حسن، لـ”درج” عن مشروعه الذي يعد اليوم من أهم المواقع الالكترونية المتخصصة بالجرائم الالكترونية. يعتمد حسن منذ العام 2015، مع زملاء له بشكل كلي على قدراتهم وخبرتهم وجهودهم الذاتية، لحل مشاكل النساء ومساعدتهن نفسيا وبشكل تطوعي مجاني تماماً: “استقبلنا ما لا يقل عن 40 حالة ابتزاز الكتروني للنساء، اغلبهن يحاولن الانتحار، وتوقفت حياتهن بسبب مجرمين يحترفون الابتزاز”. يعمل حسن مع فريق كبير من المتطوعين، من الخبراء الالكترونيين، يساهمون في حل قضايا تصلهم عبر رسائل وشكاوى بشكل يومي من مختلف المحافظات العراقية وبصورة سرية للغاية. فلا يطلبون هوية الفتاة او حسابها الأصلي لتطمينها: “حينما فكرت بتأسيس مشروع المساعدة هذا، كنت اخشى على نساء عائلتي في بادئ الامر، أنا اليوم أشعر ان كل نساء العراق بخطر وجميعهن بحاجة للحماية القصوى لأن القانون شبه غائب عن هذه الجرائم ويجدها غير واقعية لأنها مرتبطة بالعالم الافتراضي”. يؤكد حسن ان الاهمال الحكومي وحتى المجتمعي لقضية الابتزاز، كبير جدا، ويساعد على تزايد الأوضاع سوءا في ظل غياب أي رادع قانوني. 

قد تنجو النساء من الموت. لكن ما يحدث لهن يستمر مثل ندبة كبيرة. بعضهن انتهت حياتهن الزوجية. اخريات، اضطررن لترك الدراسة والجامعة والوظيفة، ومنهن من أجبرت على الطلاق، بعد ان سحبوا أولادها منها بداعي “الشرف”.

انتحار بالجملة

سجل فريق محمد حسن، لوحده، ست حالات انتحار لفتيات سبق وان قمن باللجوء إليه بعد “فضحهن”. وحاول حل قضاياهن، لكنه صدم أثناء العمل على هذه القضايا بأخبار وصلته بانتحارهن أو قتلهن من قبل ذويهن:”عند انتشار صور ضحايا الابتزاز على مواقع التواصل الإجتماعي، ومعرفة الاهل او الزوج والاقارب بالامر، يكون قد فات الاوان لانقاذهن بصورة سرية، فنقوم بمحاولة تقليل الضرر من خلال حجب الصفحات التي تنشر ومسح الصور من كل مكان على الحيز الافتراضي.

يحاول محمد التدخل شخصيا في القضايا التي وصل فيها الابتزاز إلى حد تنفيذ التهديدات ونشر الصور والمحادثات. فيقوم بالاتصال بعوائل الفتيات وازواجهن، محاولاً تهدئة الامور لكنه يصطدم بعقول بعض العوائل “المقفلة”، بل يمارسون على بناتهن ما هو أكثر بشاعة من ممارسات المبتز نفسه: “الجميع يلوم الضحية حتى اذا ما انتشرت صور لفتاة، يتحول اللوم والشماتة إلى الضحية بدل الجاني، كما وان اغلب المعلقين يساهمون باعادة نشر الصور وتداولها فيما بينهم فيزداد الأمر تعقيدا. ويساهم المجتمع ورواد مواقع التواصل الاجتماعي في زيادة الضغط باتجاه معاقبة الضحية ودفعها إلى الأسوء. احدى الفتيات انتحرت بعد نشر صورها من قبل المبتز، كثر كانوا يقولون على مواقع التواصل الإجتماعي أنها تستحق ما حدث لها، ونادى البعض بتقطيع أوصالها والتمثيل بجثتها!”.

قد تنجو النساء من الموت. لكن ما يحدث لهن يستمر مثل ندبة كبيرة. بعضهن انتهت حياتهن الزوجية. اخريات، اضطررن لترك الدراسة والجامعة والوظيفة، ومنهن من أجبرت على الطلاق، بعد ان سحبوا أولادها منها بداعي “الشرف”. وأخريات استطعن الخروج من العراق بمساعدة من فريق محمد: “احيانا يكون هناك خيط من الأمل، وهو مساعدة الفتيات على الهجرة. فعلنا هذا مع فتيات مظلومات، ولسطحية قصصهن، نخجل ان نسردها، كأن يقوم احد طلبة الكليات، بتصوير الطالبات في هاتفه، ثم يقوم بابتزازهن، ولشدة خوفهن من ذويهن الذين بالطبع لن يفهموا انها مجرد صورة مأخوذة في مركز الجامعة ولقصد الابتزاز، بل سيلقون الاتهام على المسكينة التي لا حول لها ولا قوة، فتحاول ولغاية اسكاته الدفع له مرة ومرتين حتى تصبح اسيرته”. 

قصة لناجية

يلعب المبتزون على هشاشة العلاقة بين النساء وذويهن، المحكومة بمنطق ذكوري. وينفذون منها لابتزاز الضحايا: “لم يحصل توافق بيني وبين خطيبي فانفصلنا، وهو أمر طبيعي، لكني لم اتخيل يوما تهديده لي بجميع الصور التي كانت بيننا اثناء فترة الخطوبة، كان يطلب مني العودة اليه وفعل اشياء لا اريد فعلها، واستغلالي جنسياً، وان لم اوافق، يهددني بإرسال الصور لأخي، وبالطبع اخي لن يفهم وقتها سوى لغة الشنق، وهذا ما دفعني للرضوخ له يوما بعد آخر”. هذه حكاية لسيدة تخشى ذكر اسمها. انهارت حياتها، ولم تستطع إكمال دراستها بسبب الاحباط: “صرت اخشى الرجال ولا اريد الارتباط بأحد منهم، وتحولت إلى مجرد جسد لا أطيقه. لقد تزوج خطيبي السابق واصبح اباً وحتى بعد زواجه يتصل بي احيانا، ثم استطعت حل الموضوع عن طريق صفحة محاربو الابتزاز، اتمنى من جميع الفتيات ان لا يخفن مثلي وان يحاولن حل قصصهن في وقت مبكر وسريع قبل فوات الأوان”. 

نريد عودة محكمة النشر

من جهتها، تعبّر الناشطة النسوية، وعضو جمعية الامل العراقية، هناء ادواد، عن حزنها البالغ لعدم تفعيل مجلس النواب لمحكمة النشر والاعلام والتي تتضمن جانباً يهتم بقضايا الابتزاز الالكتروني، ليصبح في مقدور النسوة، من خلال هذه المحكمة التقدم بشكاوى وطلب المساعدة من دون الحاجة للذهاب إلى مراكز الشرطة أو تسجيل بياناتها، لكن المحكمة تم إلغاؤها من قبل مجلس القضاء الأعلى عام 2017: “ساعدت هذه المحكمة عشرات النساء بوجود قضاة مختصين، لكن الغاءها ساهم بتفاقم الحالات، نحن بحاجة ماسة لاعادة تفعيلها وحماية نسائنا لانقاذ الجميع من خطر الابتزاز. وترى ان على الشرطة المجتمعية دورا مهما، يجب القيام به، من خلال مراقبة العوائل ودعم الضحايا نفسياً: “الدولة تعلم حجم المعاناة لكنها غير آبهة، بالطبع لأن الخطر ليس قريبا من المسؤولين المتنفذين، بل من المواطنات البسيطات. واظن ان ابسط ما تحتاجه النساء، هي دورات تعليمية لتأمين حساباتهن الشخصية، بالاضافة إلى الدعم النفسي”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
منذ اللحظة الأولى لدخول مكتبه، لم ينظر إلي، شعرت كما لو كنت شفافة تماماً أو قطعة ممتدة لزجاج مكتبه، كان كلامه كله موجهاً إلى خطيبي، ظللت أتابع أسئلته فقط وأحاول التحكم في عضلات فمي لئلا أضحك وأفسد أي شيء أثناء حوارهما الأكثر غرابة وربما طرافة أيضاً.
Play Video

3:14

Play Video

3:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني