السوريون حمّالو الأسيّة بين صور بشار الأسد وعصي القوات اللبنانية

لماذا لا ينتفض هؤلاء إذا كانوا مجبورين؟ هو السؤال نفسه يوجه إلى عموم اللبنانيين الذين لا ينتفضون في وجه شتى الإهانات التي طالتهم، فضلاً عن قتلهم تفجيراً وتفقيراً.

يكرر رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع لازمة ان لبنان واقع تحت هيمنة سلاح “حزب الله”، ويطالب مراراً بسحب هذا السلاح قبل اجراء اي انتخابات، لأن لا انتخابات نزيهة في ظل سيطرة السلاح. هذه تكاد تكون من ركائز أدبيات القوات اللبنانية السياسية. ومع ذلك، تشارك القوات في الإنتخابات، وتتحالف أحياناً مع “حزب الله” في النيابة كما في الانتخابات البلدية والنقابية. تخوض القوات المعارك الانتخابية بوجود سلاح الحزب مع قناعتها ان لبنان “محتل”.

تعرف القوات ان لبنان ليس بلداً حراً. وتعرف ان النظام اللبناني، الذي تشارك القوات في تكوينه وحمايته، ليس نظاماً ديمقراطياً كما يسوق له بائعو الوهم. “كيف انتخابات حرة في دار حرب؟” سأل المغدور لقمان سليم في منشور مشترك مع فادي توفيق يقرآن فيه نتائج انتخابات العام 2005، التي جرت بعد الانسحاب السوري من لبنان، في ظل سيطرة “حزب الله” على الجنوب. لم تكن بعد قد وقعت حرب تموز. ولم يكن قد نفذ الحزب غزوة السابع من أيار 2008، ولم يكن قد شارك بكامل ثقله العسكري في الحرب السورية. وكان السؤال مطروحاً منذ ذلك الحين عن الحرية المزعومة للانتخابات اللبنانية، والتي تحالفت فيها آنذاك القوات اللبنانية مع “حزب الله” التحاقاً بالتحالف الرباعي، وشارك مرشحوها بالإنتخابات على لوائح تضم مرشحي الحزب.

لكن القوات اللبنانية تتناسى، متى أرادت، كل ذلك. تصير البلاد حرة وديمقراطية، لا يعكّر صفوها إلا صور بشار الأسد محمولة من مناصرين له تنقلهم باصات إلى السفارة السورية ليبايعوا رئيسهم في الانتخابات الرئاسية السورية. لا تعود البلاد محتلة، ويزول تأثير حلفاء الأسد على الممارسة السياسية في الداخل تماماً، لتحاسب القوات المواطنين السوريين، حاملي صور الأسد، كأنهم مواطنين أحرار “لاجئين”(لبنان لا يسميهم رسمياً كذلك ويتعامل معهم كنازحين) في بلد حر وديمقراطي لا يخضع لأي نوع من أنواع الوصاية أو الترهيب. ويصير فريق الأسد في لبنان حريصاً على السماح للسوريين بممارسة حقهم الديمقراطي الحر في انتخاب من يريدون، من دون ضغوط او ترهيب أو تهديد. هكذا تنزع حجة السلاح والبلاد المحتلة والواقعة تحت الوصاية فجأة من التداول، لتنزل الحرية بكامل “ثقلها” إلى الساحة بالعصي وتحطم حافلات السوريين وتهينهم وتكسّر عظامهم، لأنهم ينتخبون بشار الأسد وهم هاربون منه. ويطالبونهم بأن يعودوا إلى بلاد الطوفان البعثي، لينتخبوا رئيسهم هناك في سوريا. تتناسى القوات عن قصد ان نفوذ بشار الأسد لا يتوقف عند الحدود اللبنانية السورية، وان له اذرعاً وحلفاء وزعران قادرون على نشر “الديمقراطية” السورية في لبنان، كما في سوريا. لهذا يقع السوري الهارب إلى لبنان بين نارين: بين العنصرية اللبنانية التي تشارك القوات اللبنانية في ممارستها ضد السوريين، وشهدنا فصولاً منها في بشري، وبين اذرع النظام السوري الأمنية التي تلاحق السوريين وتمارس عليهم “ديمقراطيتها”. وقد يكون بين راكبي باصات المبايعة كثيرون ممن يقتنعون فعلاً بالولاء لبشار الأسد ونظامه، وبينهم من يركبونها على سبيل النجاة، وقد يكون بينهم من يعمل في لبنان بشكل شرعي، وهو من مناصري الأسد علناً ويعيش في مناطق نفوذ حلفاء النظام السوري. لكن هناك بينهم من هُدد في لقمة عيشه وخيمته ومستقبل أولاده، كما نقلت تقارير اعلامي. فاضطر، تحت التهديد، إلى حمل صورة الأسد على مضض، فأهين مرتين، مرة باجباره على حمل صورة جلاده، ومرة ثانية حينما تعرض للضرب من مدّعي تحريره من الجلاد. 

لماذا لا ينتفض هؤلاء إذا كانوا مجبورين؟ هو السؤال نفسه يوجه إلى عموم اللبنانيين الذين لا ينتفضون في وجه شتى الإهانات التي طالتهم، فضلاً عن قتلهم تفجيراً وتفقيراً. وربما نعثر على الجواب في تفسير حنة ارندت للسبب الذي يجعل آلاف السجناء من اليهود يستسلمون لبضع مئات من الحراس النازيين ولا يتمردوا او ينتفضوا او يهاجموا جلادهم. تقول ارندت ان ما من جماعة او شعب من غير اليهود كانت لتتصرف على نحو مختلف. تستشهد بسجين سابق في بوخنولد، يقول إن سلوك “سرايا الحماية” النازية لم يكن عبثياً، ولم يكن “إرضاءً لنزواتهم الاجرامية فقط أو بسبب سادية صافية، إنهم يعرفون ان النظام الذي ينجح في تدمير ضحاياه قبل صعودهم إلى المشنقة هو النظام الأكثر كفاءة بما لا يقارن للابقاء على شعب كامل في حالة العبودية وحالة الخضوع”. 

جبران باسيل في رده على القوات غرّد متهماً إياها بالنازية. وهو استسهال يستخدم غالباً في لبنان خلال تراشق التهم. وتهمة كهذه قد تبدو فضفاضة حتى على بشار الأسد، بالمقارنة مع ما فعله النازيون باليهود. لكن شيئاً من النازية، يسري في عروق جميع من يتعاقبون على إهانة الإنسان السوري بالعنصرية المقيتة تارة وبـ”الديمقراطية” البعثية عبر الحشر في الباصات طوراً، وبتخييره بين موتين أو أكثر، ورميه بقسوة لا مثيل لها في قوارب هجرة، بلا أشرعة، تتلاطمها الأمواج في البحر!

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
أحمد عاشور – صحافي مصري
تكشف “وثائق باندورا” عن استمرار شركات رجل الأعمال سمير حسن في جزر العذراء البريطانية، على رغم العقوبات التي طاولته منذ بداية الثورة السورية، بل إنه أسس شركة جديدة عام 2015، متخصصة في العقارات، أحد مجالات عمله في سوريا.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني