fbpx

سمير غانم أضحك الجميع… ما عدا جمال عبد الناصر!

بطبيعة الحال، الأصوات، الملابس الغريبة، حركات الجسد الاستعراضية، جميعها إكسسوارات كوميدية في قاموس سمير غانم...

لا أتصور أن سمير غانم، رقد في المستشفى مريضًا عاديًا. أتخيل أنه حوّل غرفته إلى مسرح صغير، نَثر  في فضاءِه النكات والضحك، تعاطى أدويته القاسية بشكل هزلي، وتغزّل بالممرضات. تخيلته وهو يرتدي ثياباً بيضاء فضفاضة مستعيدًا كاركتير “فطوطة” الشخصية الكاريكاتورية الأقرب إلى قلبه، وربما قلّد الموسيقار محمد عبد الوهاب احتفاءً باقتراب لقائهما، لكنه وقبل أن يمَل، قرر أن يباغت الجميع، لينسحب قبل اغلاق الستارة على مشهده الأخير، المشهد الوحيد الذي أحزن متابعيه، بدل ان يضحكهم: موته.

فور اعلان نبأ وفاته، استعاد الجمهور العربي على مواقع التواصل الاجتماعي ما قدمه سمير غانم طوال 60 عامًا، في المسرح والتلفزيون والسينما، من فوازير “فطوطة”، إلى “المتزوجون”، “حكاية ميزو”، وأعمال درامية وسينمائية تخطت الـ300 عمل. 

الانحياز للضحك بالارتجال

تشبه كوميديا سمير غانم حكايات الجدات. رغم بساطتها، تُحقق المطلوب، كونها تخاطب الوجدان فقط. إيقاع قهقهة الجمهور، يتحكم في العرض المسرحي لسمير الذي حكى في لقاء تلفزيوني، أن ردة فعل صالة المسرح، هي القانون الذي يحكم علاقته بجمهوره، إذ قد يمتد العرض ويطول لأربع ساعات في حال تجاوبهم وضحكهم بصوت عال، ويلجأ لحذف أجزاء من المسرحية إذا شعر بتململهم، وانخفاض وتيرة حماسهم للضحك. ولا يسافر لدولة عربية أو أجنبية إلا بعرض يناسب جمهورها، زمنيًا ونوعيًا، يقول في احدى مقابلاته:”يصعب السفر لبعض الدول بعروض مسرحية طويلة زمنيًا، أركز على اختيار أخف المسرحيات، وفنانين من الصف الثاني أو الثالث، تتوفر لديهم قدرات كوميدية جيدة، وهو ما يساعدني على العرض بأقل تكلفة”. 

ليس ضروريًا، وجود نص مسرحي محمل بقدر وافر من الإضحاك، إذ يرتجل الفنان الراحل دون أن يُقِلد، يخترع الضحك من أخبار الصحف، ففي جلسة مع عمال أحد المسارح، كشف لهم عن خلطته الكوميدية، في تحويل القاتم لملون ، وهي الخروج عن النص بالارتجال.

الناقد الفني، طارق الشناوي، يؤكد لـ”درج” على تفرد “سمير” في الارتجال، ولا ينافسه في براعته فنان كوميدي آخر. يضيف ” احتاج إلى عقل يدير تفرده الكوميدي، لينافس رصانة مسرح محمد صبحي، أو تجارية مسرح عادل إمام، وأضر الارتجال بظهوره في السينما التي لا تتيح فرصة الخروج عن النص”. 

“فطوطة” ..آنستونا ..أومال إيه؟

بطبيعة الحال، الأصوات، الملابس الغريبة، حركات الجسد الاستعراضية، جميعها إكسسوارات كوميدية في قاموس سمير غانم، أثناء إعداده مع الكاتب عبد الرحمن شوقي، لشخصية “فطوطة” ذات الصفات المتناقضة (يتظاهر بالقوة، لكنه ضعيف، يدعي فهم كل شئ لكنه لا يفهم أي شئ إطلاقًا) في أوائل فترة الثمانينات، جهز البدلة “الخضراء” الفضفاضة، الحذاء الكبير جدا، النظارتين العريضتين  ليجسد شخصية لن تُنسى، كانت تودّع الأطفال في نهاية كل حلقة بمقولة “وبجد بجد آنستونا ..أومال إيه”.

عُرضت فوازير “فطوطة” ثلاث سنوات في التلفزيون المصري، وتحمس الشاعر صلاح جاهين للكتابة مع طاقم العمل، المخرج فهمي عبد الحميد، الملحن حلمي بكر، وقدم سمير غانم شخصية “سمورة” في فوازير “فطوطة ” من خلال عروض في الفنادق المصرية للأطفال، وامتد نجاح الفوازير لسنوات طويلة، حتى أنه تم تقديمها في مسلسل إذاعي في شهر رمضان 2016، ومسلسل رسوم متحركة “فطوطة وتيتا مظبوطة” رمضان 2010. 

يلفت طارق الشناوي، إلى أن سمير غانم تفوق على أستاذه فؤاد المهندس، في استخدامه لجسده بإيقاع موسيقي يولد من خلاله الكوميديا التي تخصه. 

قدم الفنان الكوميدي الراحل أول بطولة درامية من خلال مسلسل “حكاية ميزو” 1977 في التلفزيون المصري، وتشجع لتجسيد شخصية “ميزو” كونها أقرب في سماتها لحقيقته ( الشاب الذي بدد ثروة ورثها عن أبيه، ويحيط نفسه بالفتيات المعجبات). و شكّل لينين الرملي كمؤلف للعمل، حاجزًا أمام جنوح سمير الدائم للارتجال.

   تعرّض “حكاية ميزو” لتدخل من جهاز الرقابة المصري، حيث طُلب حذف 7 جمل حوارية، وحسب رواية “الرملي” أنه أبلغ مخرج العمل، محمد أباظة، إذ اتبع تعليمات الرقابة، فلن يعطيه بقية حلقات المسلسل. فاضطر إلى تجاهلهم، ونسوا الأمر. الغريب والمضحك في آن، هو الجملة المُعترض عليها كانت “ميزو يبلغ زوجته أن الآلات الموسيقية قد اختفت، وحل بدلًا منها الصاجات النحاسية”، واعتبرتها الرقابة إشارة إلى عصر النحاس باشا!


رهاب السياسة

تحاشى الفنان سمير غانم، السياسة، لم يطلب ود السلطة مطلقًا، حتى وأن تضمن العمل إشارات اجتماعية أو سياسية، يغرقها في الضحك، يخفيها بقدر الإمكان. دائمًا يتخلص من طلب الحديث عن السياسة ” أنا لا أفهم شيئًا في السياسة إطلاقًا”. 

قدم سمير غانم حفلة كوميدية، برفقة ثلاثي أضواء المسرح، جورج سيدهم، الضيف أحمد، أمام الرئيس المصري جمال عبد الناصر، يحكي في لقاء تلفزيوني ” قدمنا أمامه سكيتشات، دكتور الحقني، كوتموتو… شعرت بالرهبة لرؤيته، كنت اختلس النظر لرؤية ردود أفعاله،  لم يضحك أو يبتسم في كل حفلاتنا أمامه، أما السادات كان ضحوكًا، قدمت أمامه عروض كوميدية برفقة جورج سيدهم بعد وفاة الضيف أحمد، لم أنس هذه الحفلة التي قدمنا فيها المخرج محمد سالم لتبادل التحية مع السادات”. 

لم يتخيل ثلاثي أضواء المسرح، أن عرضهم المسرحي الأول “مطلوب ليمونة” الذي كتبه أحمد سعيد “مذيع النكسة”، سيتعرض لتدخل الرقابة والسلطات المصرية، بعدما أنفقوا ما جمعوه من عملهم في الملاهي الليلة بشارع الهرم، لتحقيق طموحهم في المسرح، لكنهم فوجئوا بطمس إعلانات المسرحية من الشوارع  ومحوها تمامًا بأمر من وزير داخلية عبد الناصر شعراوي جمعة الذي التقى بهم، وتساءل حسب رواية “سمير”:” قصدكم مطلوب ليمونة،  في بلد قرفانة”، واعتبرها إسقاطًا سياسيًا، وهو ما لم يكن في حسبانهم، فقرروا عرض مسرحية “عزبة الورد” تأليف علي سالم، إخراج الفنان عبد المنعم مدبولي، وحضر  شعراوي في ليلة العرض الأولى وأجاز عرضه. 

ما ضاعف من رهاب سمير غانم من تقديم مضمون سياسي، تعرضه في مسرحية “جحا يحكم المدينة” تأليف السيناريست وحيد حامد (آخر أعماله المسرحية)، لرقابة حادة، اذ لم يخل المسرح في أي ليلة من الرقيب، أو بديل عنه. تناقش المسرحية الفساد والانتهازية والرشوة في تلك الفترة 1985.  يروي غانم في لقاء تلفزيوني :” كان الرقيب يحضر وفي يده إسكريبت المسرحية، يدقق في كل كلمة، ما دعاني للخروج عن النص، وأبلغته أنه لا فائدة مما يفعله، خاصة وأن الجمهور يضحك، كان يقيدني، لكن خروجي عن النص المكتوب، ضاعف حيرته”. وزاد حرصه، بالتدخل بإزالة أي عبارة أو جملة. 

يؤكد الناقد الفني، طارق الشناوي، لـ”درج”، أن سمير غانم اختلف جذريًا عن أقرب منافسيه،  الفنانين محمد صبحي وعادل إمام، بابتعاده عن السياسة والسلطة تمامًا، في الوقت الذي تقرب فيه “الزعيم” من جميع الأنظمة (العسكر، الإخوان)، لاعتقاده بأنه يحمي موهبته بهذا التودد، وخوفًا من أن تطيح به، وهو ما اتبعه صبحي بدوره إذ دأب على النفاق للرئيس حسني مبارك.   

 الثلاثي المشاغب  ومتعة الخروج عن النص

كان والد سمير غانم يعمل ضابطًا في الشرطة، وهو ما منحه الأفضلية في التقديم للالتحاق بكلية الشرطة، واجتاز اختباراتها، لكن بعد رسوبه لعاميين متتالين في مادة “الشريعة”، رُفد، والتحق بالدارسة في كلية الزراعة، جامعة الإسكندرية، ليلتقي بالفنانين، الضيف أحمد، جورج سيدهم، عبر أنشطة “أسابيع شباب الجامعات”، ويؤسسوا معاً فرقة “ثلاثي أضواء المسرح”. 

قدم الثلاثي مونولوجات، و اسكتشات فنية، على مسارح الجامعات، في حفلات السهر والأفراح، إلى أن علموا ببرنامج “مع الناس”  للمخرج محمد سالم، الذي كان قد أنهى دراسته في أمريكا،  وعرضوا أمامه اسكتشات “دكتور ألحقني”، “سلامات حول العالم”، ولم يلتفت إليهم. لكنهم تقدموا مرة ثانية لبرنامج “أضواء المسرح” ليفاجئهم سالم بتقديم “اسكتش” دكتور ألحقني”. وقتها تطورت الفرقة لتقديم أعمال مسرحية وعروض استعراضية موسيقية.

يرجع الكاتب محمود السعدني نجاح “الثلاثي” اللافت لإعادتهم “جوق الشارع” للحياة بشكل متطور. ورغم أنه اتخذ في البداية موقفًا سلبيًا من سمير غانم، إذ يصفه بـ”كداب الزفة” الذي لا يلعب دوره مع الممثلين، سوى التدخل في العرض بـ”هبالة”، عبر التدخل بصفعة على قفاه فيضحك الجمهور”، لكنه تراجع عن رأيه، واعتذر في لقاء تلفزيوني واعترف بموهبة غانم الكوميدية. وكان للضيف أحمد دور في تعزيز ثقة سمير غانم التائه بنفسه، اذ عمل على اقناعه بأن “الزمن قادر على اثبات براعتك”، وهو ما حدث فعلاً.

إثر رحيل الضيف أحمد “عقل الفرقة”، تعاون غانم وسيدهم مع المخرج المسرحي جلال الشرقاوي، ليسدا هذا الفراغ، وقدما بمسرحية “أنت اللي قتلت عليوة” وحسبما يسرد الشرقاوي في مذكراته “حياتي في المسرح” ، فإنه أراد كبح خروجهم على النص المسرحي، لكنه اصطدم بتشبثهم بمبدئهما، ودخلا معه في خلافات حادة”. 

تعاونا لاحقا مع الكاتب فيصل ندا وقدموا مسرحيتيّ “المتزوجون” التي لاقت نجاحاً جماهيرياً كبيراً، و”من أجل حفنة نساء” ناقشوا فيها تبعات الانفتاح الاستهلاكي للعصر “الساداتي”، وعرضت لمدة عامين متواصلين. 

لكن هذا التعاون ايضاً وصل إلى طريق مسدود. يكشف فيصل ندا لـ”درج”، أنه انفصل عن غانم وسيدهم لإنكارهما حقوقه في نسبة الأرباح من إيرادات “المتزوجون”، فاضطر لرفع دعوى يطالبهما فيها بحق الأداء العلني، لكن انتهت الأزمة بتدخل كمال الملاخ، الذي وفّق بينهم. 

ظهور أخير 

اختار سمير غانم في سنواته الأخيرة التعاون مع أحمد الإبياري، طمعًا في مواكبة الأجيال الجديدة، في التكنولوجيا، الشكل التقني والاستعراضي الحديث للمسرح، وقدم معه، “دو ري مي فاصوليا” وعُرضت لمدة أربع سنوات، داخل وخارج مصر، “أنا ومراتي ومونيكا”، “المحظوظ وأنا”، “مراتي زعيمة عصابة”. لم تخرج غالبيتها عن سياق الكوميديا التي يفضلها، إذ دارت حول الزواج، وعلاقات الحب. 

اكتفى في سنواته الأخيرة، بالظهور الخافت، إلى جانب الفنانين الشباب، وشارك مع الفنان عادل إمام في مسلسل “عوالم خفية”، كضيف شرف، بالإضافة إلى ظهوره في بعض الإعلانات التجارية كان أخرها إعلان شركة “وي” للاتصالات رفقة ابنته “إيمي”. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
إيمان عادل- صحافية مصرية
“نزعت الحجاب وتركت شعري يتنفس، كانت لدي قوة هائلة، لم أشعر بالخوف، لأنني لا أؤذي أحداً”… عدد من رجال القرية ضربوا رانيا وتحرشوا بها لأنها قررت خلع حجابها.
Play Video
بعد أن دُقّ “جرس الانذار” مهدداً بغياب الانترنت، ازدادت مخاوف اللبنانيين من الانقطاع عن العالم الخارجي… فكيف سيبدو المشهد في لبنان بلا انترنت؟

2:08

Play Video
تحظى الرياضة النسائية بـ4% من التغطية الإعلامية المخصصة للرياضة في جميع أنحاء العالم، ما يساهم في تهميش الرياضيات، اللواتي يُنظر إليهن في المقام الأول على أنهن نساء ويُختصرن بمظهرهن أو عمرهن أو حياتهن الشخصية. ما الأسباب الكامنة وراء هذه المعاملة غير المتكافئة الملحوظة؟ وكيف يمكن أن تحرك وسائل الإعلام الخطوط وكيف تروج للرياضة كمحرك للتحرر للرجال والنساء؟

55:50

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني