أطباء غزيّون يروون : هكذا تعيش مستشفيات القطاع أصعب أيامها

حالة استنفار كبيرة تعمل بها الكوادر الطبية، وخصوصاً متخصصي الجراحات والأوعية الدموية والأعصاب، للتعامل مع حالات جرحى الحروب، في الوقت الذي يتطلب نحو 20 بالمائة من المصابين للمكوث في المستشفيات لتلقي العلاج ومتابعة رعايتهم الصحية من خلال إجراء العمليات...

يعمل النظام الصحي في غزة تحت ضغط شديد بسبب آثار الاحتلال، والحصار، والنمو السكاني السريع، وانعدام الموارد المالية الكافية والنقص في الإمدادات الأساسية.

كما أفضت أعوام من استفحال الانقسام السياسي الداخلي الفلسطيني وأزمة الطاقة المزمنة إلى تدهور خطير في توفّر الخدمات الصحية في قطاع غزة وفي نوعيتها، يُضاف إلى ذلك، أزمة تفشي وباء كورونا في القطاع، التي أنهكت القطاع الصحي، وأخيراً العدوان الإسرائيلي المستمر منذ العاشر من الشهر الجاري مايو/ أيار، والذي مسّ بشكل مباشر بالنظام الصحي في غزة، من خلال استهداف الكوادر الطبية وتدمير الطرق المؤدية للمستشفيات، ما يسبب عجزاً في التعامل مع سيل الضحايا والجرحى، الناتج عن عمليات القصف، الذي خلّف نحو 240 ضحية وأكثر من 1500 جريحاً، عدا عن تشريد نحو 100 ألف غزّي.

الطبيب “أ. ف”، (فضّل عدم ذكر اسمه)، أحد العاملين في قسم استقبال الطوارئ في إحدى مستشفيات قطاع غزة، والتي يبلغ عددها الإجمالي ثماني مستشفيات، يتحدث لـ “درج”، حول طبيعة العمل في هذه الأيام القاسية: “مع بداية العدوان الأخير، تحول دوامنا لنظام 24 ساعة وانقسم أطباء الطوارئ إلى ثلاثة فرق، كل عدد من الأطباء منوط به مسؤولية معينة، فمنهم من يستقبل حالات الباطنة ومنهم من يفرز الحالات القادمة ومنهم من يستقبل حالات الجراحة”. 

ويضيف “أ. ف”: “عدد الأطباء في هذه المرحلة لا يتجاوز عن ثماني أطباء، وإذا حصل عجز في مكان ما، يتدخل طبيب من الأقسام الأخرى ليعوض العجز في حال كثرت الإصابات القادمة إلى المستشفى مثلاً، هناك دائماً عجز في الأدوات الطبية وأعداد الأسرة، ففي وقت ما من هذا العدوان كان قسم الطوارئ يوجد به قسم مختص لاستقبال حالات الاشتباه بفيروس كوفيد 19 ولكن مع بداية العدوان فتح القسم على مصراعيه، وما نحتاجه في المستشفى هو كوادر طبية مدربة للتعامل مع الحالات القادمة وعدة طبية كافية لأنه منذ بداية الحصار على غزة بات هناك عجز مطرد في المستلزمات الطبية”. 

وعند سؤاله حول جهوزية القسم لاستقبال أفواج المصابين عقب عمليات القصف الإسرائيلي، قال: “بطبيعة الحال، عندما نستقبل المصابين نكون على أتم الاستعداد، وأحيانًا يتم تبليغنا بأنه سيصل حالات جراء قصف ما في المنطقة، معظم الحالات يرافقها جلبة كبيرة وصراخ وعويل وتدخلات رجال الأمن الذين يحاولون ابعاد الناس لكي يستطيع الطاقم الطبي التعامل مع الحالة. نحاول قدر الامكان أن نتعامل باحترافية شديدة مع الحالات، رغم الجو المشحون في المستشفى، الذي يملؤه القلق والتوتر وصراخ الناس”. 

يقول الطبيب “أ. ف”: “لقد عملت في مستشفى أبو يوسف النجار لفترة قصيرة، وأعرف جيدًا ماذا سيحصل لو حصل وأن تضاعف القصف في رفح وازدادت الحالات القادمة للمستشفى التي هي أشبه بعيادة صغيرة. أسرة قليلة وكوادر غير مدربة. وهذا ما لا أريد أن أتخيله، أن يتكرر سيناريو الجمعة السوداء، ستنهار المستشفى تماماً وسيقف الطاقم الطبي عاجزًا أمام هول الحدث”، ويتابع: “بالكاد أستطيع أخذ استراحة قصيرة من الدوام، كل ما أفعله هو ان أحظى بكوب من القهوة وقطعاً من كعك العيد الذي أعدته أمي في رمضان. ولكن طوال الوقت نتابع الأخبار بقلوب وجلة وهذا هو حال أغلب الطاقم الطبي، بعضنا يهرع لمشاهدة السماء وهي تعج بالصواريخ، وكلّنا ندعو للمقاومة ونحلم بانتصارات صغيرة”.

وقائع مريرة

رئيس قسم الجراحة في مستشفى الشفاء بغزة مروان أبو سعدة، وهو المستشفى الأكبر بالقطاع، يقول لـ “درج” إن إدارة المستشفى اضطررت لتحويل غرف العناية المركزة الخاصة بالمرضى المصابين بفيروس كورونا لخدمة المصابين والجرحى نتيجة القصف الإسرائيلي على القطاع، مؤكداً في ذات السياق على أن عدد المصابين الذي يتطلب استشفائهم المكوث في المستشفى يفوق طاقة المستشفى لاستيعاب تلك الحالات.  

ورغم أن أزمة تفشي وباء كورونا شهدت انحساراً قُبيل بدء العدوان على غزة، إلا أن هروب نحو 100 ألف شخص من القصف وتدمير منازلهم، نزح منهم نحو 55 ألف في مدارس تابعة لوكالة الغوث، يُنذر بخطر قادم بإعادة تفشي الوباء على مستوى كبير في أوساطهم، وذلك بسبب الظروف الوبائية غير الصحية التي يعيشونها داخل غرف تلك المراكز، وزيادة احتمالات انتقال العدوى بالفيروس، بحسب أبو سعدة. 

المتحدث باسم وزارة الصحة بغزة أشرف القدرة، صرّح بأن استهداف مستشفى بيت حانون ومحيط المستشفى الإندونيسي يوم الأربعاء في 12 مايو/ أيار، ساهم في إخافة الغزيين، وبالتالي لم يعودوا يتوجهون إلى المستشفيات لإجراء فحوصات كورونا، علماً أن البعض يعاني بسبب تفاقم أوضاعه الصحية، كما أن بعض المرضى يعانون أمراضاً مزمنة ويحتاجون إلى متابعة صحية مستمرة.

وقبل أيام، أعاقت الأضرار الناتجة عن قصف إسرائيلي لمبنى مجاور لمقر المختبر المركزي لدى الوزارة بغزة، عمل المختبر، ما أدى لتوقفه عن إجراء فحوصات خاصة بفيروس كورونا، ما يضع مزيد من العراقيل أمام مهمة الوزارة بمحاصرة تفشي الوباء. 

بالعودة إلى الآثار المباشرة للعدوان الإسرائيلي على القطاع الصحي، والتحديات الجسام التي تواجهها الطواقم الطبية، فإن حالة استنفار كبيرة تعمل بها الكوادر الطبية، وخصوصاً متخصصي الجراحات والأوعية الدموية والأعصاب، للتعامل مع حالات جرحى الحروب، في الوقت الذي يتطلب نحو 20 بالمائة من المصابين للمكوث في المستشفيات لتلقي العلاج ومتابعة رعايتهم الصحية من خلال إجراء العمليات، وذلك بحسب أبو سعدة، في غرف عمليات جراحية متهالكة، تعاني نقصاً بالمستهلكات الطبية. 

الحاجة إلى كوادر طبية متخصصة بإصابات الحروب والجراحات الدقيقة، ونقص الأجهزة الطبية اللازمة لغرف العمليات والعناية المركزة، بالإضافة للحاجة الماسة لسيارات الإسعاف لإجلاء المصابين من أماكن القصف، وانقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة الذي أدى لنفاذ الوقود لدى المولدات الكهربائية البديلة، تلك أبرز العقبات التي تواجهها الطواقم الطبية العاملة في غزة.

وزارة الصحة بغزة تقول إن العجز الشديد بمقدراتها، كان يتسبب في حرمان نصف مرضى قطاع غزة من حقهم في العلاج، ومع بدء العدوان، تم تفعيل خطّة الطوارئ للتعامل مع الحالات الصحية ضمن الإمكانات المحدودة نتيجة عدم وجود خطة موازية لدعم وزارة الصحة.

وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 على الحق في الصحة بما في ذلك إمكانية توافر الرعاية الصحية والتمتع بظروف حياة صحية وحق الأفراد في اتخاذ القرارات الخاصة برعايتهم الصحية، وهذا ما يفتقده الغزيون طيلة عقود مستمرة.

وفي وقتٍ سابق على الهجوم الاسرائيلي الأخير، ذكرت الوزارة بأن النقص فـي الاحتياجـات الدوائيـة والمستهلكات الطبيـة والأدوية بلغ درجة حادة في مستشفيات القطاع، بنسبة حوالي 45 بالمائة، حيث شكل النقص المزمن في الأدوية والمستهلكات الأساسيـة تهديـداً خطيـراً علـى المرضـى والنتـائج العلاجية، والذي قد يدفع نحو إلغاء العديد من العمليات الجراحية الاختيارية، زيادة فترة الانتظار للعيادات، بالإضافة زيادة إحالات المرضى للعلاج في الخارج، عدا عن العبء الاقتصادي الإضافي على المرضى وأسرهم من خلال شراء الإمدادات اللازمة من الصيدليات.

منظمة الصحة العالمية، أفادت بتقرير صدر عنها بأن 254 صنفاً أو 49 بالمائة من الأدوية الأساسية و225 صنفاً أو 26 بالمائة من المستهلكات الطبية في مستودع الأدوية المركزي في غزة كانت تكفي لتأمين الإمدادات اللازمة لمدة تقل عن شهر واحد.

الهدف من وراء لجوء إدارة المستشفيات بغزة إلى نظام العمل بمناوبات تصل مدتها لـ 24 ساعة، يوضّح أبو سعدة، أن ضرورة التنقل والحركة من وإلى المستشفى، في ظل القصف المتواصل تضع الطواقم الطبية، ولا سيما سيارات الإسعاف ووزارة الصحة، في مرمى نيران الاحتلال، ما يعرض حياة الطواقم والعاملين للخطر. 

تعقّب رئيسة بعثة منظمة أطباء بلا حدود في فلسطين هيلين أوتينس باترسون، في هذا السياق، بأن “القصف الإسرائيلي كثيف بشكل لا يصدق وأقوى مما كان عليه في الحملات العسكرية السابقة. فلقد دمر القصف المتواصل العديد من المنازل والمباني من حولنا. وإنه بات من غير الآمن الذهاب خارجاً ولا حتى البقاء بالداخل، وعليه فإن الناس محاصرون. كما يتعرض العاملون في مجال الرعاية الصحية أثناء حدوث الطوارئ لمخاطر لا تصدق عند تنقلهم في الحالات الضرورية”.

حاجة ماسة للتطوير والتدريب…

أخصائي الجراحات التجميلية والترميمية أحمد المغربي، يشرح لـ”درج”، ماذا يعني “العمل بحالة استنفار” و”نقص الكادر البشري”، حيث الضغط على المتخصصين بـجراحات التجميل والحروق الناتج عن الانفجارات التي تخلفها الغارات الإسرائيلية، وتكدس الحالات داخل المستشفيات الموزعة في أنحاء قطاع غزة، حيث إن أقسام الجراحة التجميلية تستقبل أكثر بعدة أضعاف من طاقتها الاستيعابية. 

ويقول المغربي، إن الفريق المتخصص ضمن الطاقم الطبي لوزارة الصحة بغزة، يعمل 24 ساعة في اليوم، في محاولة للسيطرة على نزيف الحالات التي تنتظر العمليات الجراحية، حيث توزع الفريق إلى مجموعات تغطي العجز في محافظات قطاع غزة، وللتعامل مع إصابات حرجة متنوعة في الأطراف السفلية ومنطقة الحوض والوجه، عدا عن حالات التمزق الناتجة عن الشظايا المتطايرة من القصف.

يؤكد المغربي أن تخصص جراحة التجميل، هو الأهم من بين مختلف تخصصات الطب العاملة في غزة، نظراً لأهميتها في مداواة ومحو آثار الإصابات الناتجة عن الحروب، ويؤكد أن الخبرات في هذا التخصص تواجه عجزاً بالعدد، حيث أنه يمكن عدها على أصابع اليد الكفاءات التي بإمكانها تلبية مثل هذا الدور والاحتياج، مشيراً إلى أن حالات فردية قليلة يحدث أن تأتي لقطاع غزة من أطباء عرب وأجانب في أوقات العدوان، كان من بينهم طبيب جراحات التجميل غسان أبو ستة، والذي عمل رئيساً لقسم التجميل في الجامعة الأمريكية ببيروت. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
تستعدّ البلاد لتحديات أكثر صعوبة، في ظل استمرار مسار الفساد وغياب الإصلاحات الحقيقية.
Play Video
بعد جريمة تكساس التي وقع ضحيتها 21 شخصاً بينهم 19 طفلاً، أُعيد النقاش حول آفة السلاح في أميركا. بعد عشرات جرائم القتل الجماعي، لا تزال السلطات الأميركية عاجزة عن اتخاذ قرارات تضبط انتشار السلاح.

2:29

Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني