غزة : إسرائيل تبيد عوائل كاملة عمدًا

مايو 21, 2021
في القصف الكثيف الذي طال 3 بنايات سكنية في شارع الوحدة بغزة، قبل فجر الأحد، قُتلت عائلات أبو العوف والكولك واشكنتنا. وعلى أرض الواقع، عندما يكون عدد الوفيات في عائلة واحدة كبيراً، يصعب العثور على أحياء منهم وتشجيعهم على الحديث عن كل فرد في العائلة، وعن آخر أيامه.

فقدت خمس عشرة عائلة من العوائل الفلسطينية الممتدة والأسر المصغرة، ما لا يقل عن ثلاثة من أفرادها، بل وأكثر بشكل عام، في القصف الإسرائيلي على قطاع غزة خلال الأسبوع الماضي بدءاً من 10 مايو/أيار حتى مساء الاثنين. آباء وأبناء، رضع وأجداد، إخوة وبنات و أبناء إخوة ماتوا معاً بعدما قصفت إسرائيل منازلهم التي انهارت فوق رؤوسهم بدون تحذير مسبق يسمح لهم بإخلاء المنازل المستهدفة، وفقًا لرواية الضحايا حتى الآن.

سرد المتحدث باسم وزارة الصحة الفلسطينية يوم السبت 15 مايو/أيار قائمة بأسماء اثنتي عشرة عائلة قتلوا، كلٌ في منزله وفي قصف مختلف. منذ ذلك الحين، وقبل شروق شمس الأحد 16 مايو/أيار، قُتلت ثلاث عوائل عدد أفرادها 38 شخصاً في غارة جوية استمرت لسبعين دقيقة واستهدفت ثلاثة منازل في شارع الوحدة بحي الرمال بغزة. وجدت بعض جثث الضحايا في صباح يوم الأحد، فيما استطاعت فرق الإنقاذ الفلسطينية انتشال بقية الجثث من تحت الأنقاض بحلول مساء الأحد.

إبادة عوائل كاملة بفعل الغارات الإسرائيلية كانت واحدة من سمات الحرب في 2014. خلال هذه الحرب، التي استمرت نحو 50 يوماً، مُحيت 142 عائلة فلسطينية من الوجود (742 شخصاً في المجمل) وفقاً لأرقام الأمم المتحدة. تؤكد العديد من الشواهد اليوم، وآنذاك، أن هذه الإبادات لم تكن بالصدفة، وأن تفجير منزل وكل ساكنيه بداخله هو قرار من سلطات عليا، مدروس ومدعوم بموافقة خبراء عسكريين.

ركز التقرير الصادر عن منظمة “بتسليم” لحقوق الإنسان على 70 عائلة أبيدت في عام 2014، وقدم ثلاثة تفسيرات لمقتل العديد من الأسر المصغرة والعوائل الممتدة دفعة واحدة أثناء الغارات الإسرائيلية التي استهدفت منزل كل عائلة منهم على حدة. واحد من هذه التفسيرات يقول إن الجيش الإسرائيلي لم يحذر أصحاب تلك المنازل أو مستأجريها بشكل مسبق، أو إن التحذير لم يصل للعنوان الصحيح في غارة معينة أو كل مرة تم فيها القصف.  

 على أية حال، ما يستوقفنا هو الفرق بين مصير المباني التي قُصفت على رؤوس ساكنيها، وبين الأبراج السكنية العالية التي تُقصف صباحا أو مساء منذ اليوم الثاني من هذا النزاع.

بحسب التقارير، فإن ملاك أو حراس الأبراج السكنية تلقوا تحذيراً بالإخلاء قبل القصف بساعة على الأكثر، عادة عن طريق مكالمة هاتفية من الجيش أو جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، وبالصواريخ التحذيرية التي تطلقها الطائرات المسيرة. ثم يكون على ملاك الأبراج السكنية أو حراسها إبلاغ بقية سكان البرج في الوقت القصير المتبقي. 

لم يستهدف القصف الأبراج السكنية العالية فقط. ففي مساء الخميس 13 مايو/أيار، قُصف منزل عمر الشُربجي غرب خان يونس ودمرت غرفة في المبنى المكون من طابقين وتشكلت حفرة في الشارع. تعيش في هذا المبنى أسرتان من سبعة أشخاص معاً.

اتصل الجيش بخالد الشُربجي قبل الانفجار بـ 20 دقيقة وطلبوا منه أن يخبر عمه عمر بإخلاء المنزل، وذلك بحسب تقرير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان. ليس من المعروف إن كان عمر موجوداً أم لا، لكن قاطني المنزل سارعوا بالخروج منه ولهذا لم يكن هناك ضحايا.

حقيقة أن الجيش الإسرائيلي والشاباك كلف نفسه بالاتصال وطلب الإخلاء، تؤكد أن السلطات الإسرائيلية تملك أرقام هواتف ساكني كل البنايات المقرر تدميرها. كما يملكون معلومات الاتصال بأقارب المعروفين أو المشتبه بهم أنهم من حماس أو الجهاد الإسلامي.

إقرأوا أيضاً:

وذلك لأن وزارة الداخلية الإسرائيلية مطلعة على السجل المدني الفلسطيني، بما في ذلك غزة، الذي يشمل تفاصيل عديدة كالأسماء والأعمار والأقارب والعناوين.

تقتضي اتفاقية أوسلو أن تنقل وزارة الداخلية الفلسطينية، بواسطة وزارة الشئون المدنية، البيانات بشكل دوري إلى الجانب الإسرائيلي خاصة البيانات المتعلقة بالمواليد الجدد والأطفال الرضع. ويجب أن تصدق السلطات الإسرائيلية على البيانات المسجلة لكل شخص، إذ بدونها لا يمكن للفلسطينيين استصدار بطاقة هوية في الوقت المناسب، وفي حالة القُصّر فلا يمكنهم السفر وحدهم أو مع ذويهم عبر المعابر التي تتحكم فيها إسرائيل. 

يتضح إذاً أن الجيش يعلم عدد وأسماء الأطفال والنساء والمسنين الذين يعيشون في كل بناية سكنية يقصفها لأي سبب.

كان التفسير الثاني لمنظمة بتسليم لأسباب محو عائلات بأكملها في 2014، أن تعريف الجيش لـ “الهدف العسكري” المعرض للهجوم كان فضفاضاً، وتضمن كثيراً من منازل حماس وحركة الجهاد الإسلامي. وُصفت هذه المنازل بأنها بنية تحتية عملياتية، أو بنية تحكُّم وقيادة للمنظمة أو بنية تحتية إرهابية، حتى إذا كان كل ما تحتويه هو هاتف، أو إذا كانت استضافت اجتماعاً فحسب.

أما التفسير الثالث في تحليل منظمة بتسليم من عام 2014، فكان أن تفسير الجيش لـ “الأضرار الجانبية” كان مرناً وفضفاضاً. ادّعى الجيش، وما يزال، أنه يتحرك وفقاً لمبدأ “التناسب” بين إلحاق الضرر بالمدنيين غير المتورطين وإنجاز الهدف العسكري الشرعي [المرجو]، بعبارة أخرى، يجري قياس  “الأضرار الجانبية” المُلحقة بالفلسطينيين في كل حادث، ووصعها في الاعتبار.

ولكن بمجرد أن يُنظر إلى أحد أعضاء حماس باعتباره ذي “أهمية” كبيرة ويُحدَّد مقر إقامته بأنه هدف شرعي للقصف، فإن الأضرار الجانبية “المسموح بها” -بعبارة أخرى، عدد القتلى من الأشخاص غير المتورطين بما فيهم الأطفال والرضع- تمسي فضفاضة.

في القصف الكثيف الذي طال 3 بنايات سكنية في شارع الوحدة بغزة، قبل فجر الأحد، قُتلت عائلات أبو العوف والكولك واشكنتنا. وعلى أرض الواقع، عندما يكون عدد الوفيات في عائلة واحدة كبيراً، يصعب العثور على أحياء منهم وتشجيعهم على الحديث عن كل فرد في العائلة، وعن آخر أيامه.

تقتضي اتفاقية أوسلو أن تنقل وزارة الداخلية الفلسطينية، بواسطة وزارة الشئون المدنية، البيانات بشكل دوري إلى الجانب الإسرائيلي خاصة البيانات المتعلقة بالمواليد الجدد والأطفال الرضع.

لذا يتوجب على المرء أن يتدبر أمره عن طريق أسمائهم وأعمارهم، التي تُذكر في التقارير اليومية لمنظمات حقوق الإنسان التي تجمع المعلومات، بل وتذكر -عندما تعرف- إذا كان أي من أفراد العائلة منتمٍ إلى أي منظمة عسكرية. حتى الآن، ليس معروفاً ما إذا كان هناك بين سكان بنايات شارع الوحدة هدفاً مهماً أو من هو هذا الهدف، ما “أذِن” بإبادة عائلات بأكملها.

أفراد عائلة أبو العوف الذين قُتلوا هم: الأب أيمن، طبيب باطنة في مستشفى الشفاء، وابنه توفيق، 17 عاماً، وابنته تالا، 13 عاماً. وقُتلت كذلك قريبتان له، وهما ريم، 41 عاماً، وروان، 19 عاما. عُثر على جثث خمستهم بعد وقت قصير من القصف. واستُعيدت جثث 8 أشخاص آخرين من أبناء عائلة أبو العوف مساءً من تحت الأنقاض، وهم: صبيحة، 73 عاماً، وأمين، 90 عاماً، وتوفيق، 80 عاماً، وزوجته مجدية، 82 عاماً، وقريبتهم رجاء (متزوجة من رجل من أبناء عائلة الإفرنجي) وأطفالها الثلاثة: ميرا، 12 عاماً، ويزن، 13 عاماً، وأمير، 9 أعوام.

خلال الغارات الجوية على هذه البنايات، قُتلت عبير اشكنتنا، 30 عاماً، وأطفالها الثلاثة: يحيى، 5 أعوام، ودانا، 9 أعوام، وزين، عامين. وفي المساء، عُثر على جثتي فتاتين أخريين: رولا، 6 أعوام، ولانا، 10 أعوام. ولم يذكر المركز الفلسطيني ما إذا كانت عبير أماً لهاتين الطفلتين أم أنهما من عائلة أخرى.

في البنايتين المتجاورتين، قُتل 19 فرداً من أبناء عائلة الكولك: فواز، 63 عاماً، وأبنائه الأربعة: عبد الحميد، 23 عاماً، وريهام، 33 عاماً، وبهاء 49 عاماً، وسامح، 28 عاماً، وزوجته آيات 19 عاماً. وقتل كذلك طفلهما قصي، 6 أشهر. وتوفيت امرأة أخرى من العائلة الممتدة، وهي أمل الكولك، 42 عاماً، التي قُتلت هي وثلاثة من أبنائها: طاهر، 23 عاماً، وأحمد، 16 عاماً، وهناء، 15 عاماً. قُتل كذلك الأخوين محمد الكولك، 42 عاماً، وعزت، 44 عاماً، إضافة إلى أطفال عزت: زياد، 8 أعوام، وآدم، ثلاثة أعوام. قُتل كذلك من نساء العائلة دعاء الكولك، 39 عاماً، وسعدية الكولك، 83 عاماً. وفي المساء، استعيدت من تحت الأنقاض جثث حلا الكولك، 13 عاماً، وأختها يارا، 10 أعوام. ولم يذكر تقرير المركز الفلسطيني هوية والديّ الطفلتين، وما إذا كانا قُتلا كذلك أثناء القصف.

عميرة هاس

هذا المقال مترجم عن haaretz.com ولقراءة الموضوع الاصلي زوروا  الرابط التالي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني