إضراب 18 أيار يحيي فلسطين التاريخية من جديد

"مشاركة بالإضراب لأن الوقت حان لنقول لدولة الاحتلال أن الظلم الذي عمره 73 سنة غير مقبول. الإضراب يثبت أننا يد واحدة، وكلما زاد عددنا، ارتفعت صرختنا أكثر."

“مشارك في الإضراب لأن كل شعبي مشارك، وهذه وسيلة من وسائل الدعم والصمود والمواجهة في هذه الهبة الفلسطينية التي تعم كل فلسطين. توحد الشعب الفلسطيني في رسالة واحدة مفادها أنه يستطيع التظاهر والتعبير في حيفا ورام الله والناصرة والضفة والقدس وكل فلسطين. وهذه رسالة للفلسطينيين في أراضي 48 أنهم يستطيعون التأثير من خلال إضرابهم في الاقتصاد الإسرائيلي”، يقول ربيع عيد من حيفا، تعليقاً على إضراب فلسطين 18 أيار/ مايو العظيم، كما تمت تسميته. 

هذا اليوم وحد صفوف الفلسطينيين في أنحاء البلاد، إذ انطلقت المسيرات، والهتافات وهزت الأرجاء منادية بتحرير الأقصى والجليل الأعلى. دعا المحتجون إلى الثورة في أم الفحم وغزة “اهتزي يا أرضي اهتزي من أم الفحم لغزة”. مشهد سيذكره التاريخ، شباب هذه الأرض انتفضوا بعد 73 عاماً من احتلال شتت الجميع.

أطلق نشطاء وحركات شبابية دعوات إلى إضراب عام وشامل لجميع مناحي الحياة يوم الثلاثاء 18 أيّار، في كل فلسطين تحت شعار من النهر إلى البحر، ودعوا إلى المواجهات على نقاط التماس مع الاحتلال، نصرة للقدس ودعماً لقطاع غزة، وانتشروا في كل المناطق للمشاركة الفاعلة في هذا الإضراب وتنظيم فعاليات وطنية مقاومة في المدن والبلدات والقرى والمخيمات. 

لماذا الإضراب مهم؟

جاء إضراب 18 أيار رداً على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، والقدس والمسجد الأقصى وحي الشيخ جراح. وللضغط على الحكومة الإسرائيلية لسحب مستوطنيها وقوات القمع من جميع المدن والقرى بما فيها مدن الساحل الفلسطيني في أراضي الـ48، وإطلاق سراح المعتقلين في السجون الإسرائيلية، ووقف المحاكمات التعسفية ضد أبناء هذا الشعب.

أبناء الداخل الفلسطيني المحتل بادروا في الإضراب الشامل في فلسطين، ولهم النصيب الأكبر في هذه الثورة، كمرحلة جديدة ستغير معالم قضيتهم. أن تنطلق هذه الخطوة منهم، فهذا إثبات لفلسطينيتهم وعدم سكوتهم على الظلم فهم أصحاب الحق والبلاد. إنها ثورة غضب حقيقية، ليستطيعوا رفع العلم الفلسطيني على شبابيك بيوتهم، بعدما منعوا من رفعه منذ نصف قرن مضى، وضرب للصورة النمطية عن ديموقراطية إسرائيل، فمشاركة فلسطينيي الداخل ما هي إلا رسالة إلى العالم أن هذا النظام هو نظام احتلال واضطهاد وفصل عنصري.

ابن الضفة والقدس والداخل، المسلم والمسيحي والدرزي والسامري، وحاملو الهوية الخضراء والزرقاء جميعهم شاركوا في الأحداث الأخيرة التي أعادت نقاط القوة الحقيقية والحاجة إلى قيادة حقيقية، تكون من الشعب. فشكل إضراب 18 أيار ساحة للوحدة الوطنية والحلم الفلسطيني بمختلف فئاته وطوائفه.

وسيلة لشل اقتصاد إسرائيل

يوم واحد من الإضراب هو يوم مؤثر على مستوى إظهار القوة الاقتصادية المشتركة والمتداخلة في قطاعات حيوية عدة مع الاحتلال. الالتزام بالإضراب، كافٍ لإظهار قدرة المجتمع الفلسطيني في الضفة والداخل على إيقاف الكثير من القطاعات الحيوية. فهو رسالة واضحة، تأتي على شكل  تأثير اقتصادي والالتزام به ليوم واحد على الأقل سيساهم في ضرب قوة الاقتصاد الإسرائيلي.

تقول حنان نفار من اللد، “مشاركة بالإضراب لأن الوقت حان لنقول لدولة الاحتلال أن الظلم الذي عمره  73 سنة غير مقبول. الإضراب يثبت أننا يد واحدة، وكلما زاد عددنا، ارتفعت صرختنا أكثر. أنا مع الإضراب من أجل الضحايا ومن أجل الأطفال وتنديداً بالقصف والاعتداءات على غزة وسواها طيلة سنوات. نريد أن نصرخ ونؤكد أنه لا يمكن تشتيتنا”.

يتداخل اقتصاد الضفة الغربية مع إسرائيل وفي الكثير من القطاعات المؤثرة كالقطاع الطبي وقطاع البناء،  فتمركز الإضراب في هذه القطاعات يشكل ضربة قاسية في الاقتصاد الإسرائيلي. مثلاً نسبة الأطباء العرب الفلسطينيين في الداخل هي 21 في المئة، ما يقارب 8140 طبيباً/ة، و24 في المئة من ممرضين وممرضات، أي ما يقارب 13000 ممرض/ة، و50 في المئة صيادلة أي 1 من كل 2 صيادلة.  في حين يُشكل عمال البناء العرب الفلسطينيون 50 في المئة من عمال البناء في إسرائيل. وهناك شرائح عمالية، تشكل ثقلاً في قطاعات اقتصادية إسرائيلية (خدمات ومنتجات زراعية وحيوانية)، والتوقف عن العمل في الكثير من هذه المفاصل المهمة سيكون تأثيره كبيراً. 

مشاركات ومبادرات شبابية

الشباب الفلسطيني حضروا بقوة في إضراب 18 أيار، في حيفا واللد وعكا وفي رام الله والخليل يحملون القضية على أكتافهم، ويدحضون نبوءة بن غوريون عندما قال: “الكبار سيموتون والصغار سينسون”، لم ينس الصغار وها هم اليوم يثأرون لأجدادهم. 

طارق الشريف من رام الله يشير لـ”درج” إلى أنه “شارك بالإضراب لأنه بعبر عن الغضب وعن رفض العدوان على قطاع غزة، وعن رفض الاستهداف في الاقصى والشيخ جراح، ورفض سياسة التمييز العنصري من  الحكومة الإسرائيلية ضد فلسطينيي الداخل المحتل. الإضراب مهم لأنه جاء بقرار من الشعب الفلسطيني، مش تابع لأي جهة، بوحد الشعب الفلسطيني في كل أماكن، وحالة الوحدة الشعبية التي نعيشها حالياً أعادت الأمل بأن الحرية آتية لا محالة وقريبة، الإضراب أسس لمرحلة جديدة في تاريخ القضية الفلسطينية وصراعنا مع المحتل الاسرائيلي. الشعب هو من تحرك وواجه وقاوم بقرار ذاتي باستثناء المقاومة في غزة. وتوجت هذه الحالة بالإضراب في كل الأرض الفلسطينية للمرة الأولى منذ عام 1936”.

أما عبد الحافظ الشرباتي من الخليل فيرى أن “الإضراب وسيلة للتعبير عن العصيان ورفض سياسات الاحتلال كما أنه وسيلة يعلن فيها الشعب الفلسطيني الحداد على الذين سقطوا، وهو وسيلة نضالية استخدمها شعبنا الفلسطيني أكثر من مرة في تاريخ صراعه مع المستعمر الصهيوني، أبرزها كان  في اضراب عام 1936، والذي استمر 6 أشهر، إضافة إلى أنه يعتبر من  الطرق السلمية للنضال والاحتجاج وإيصال رسالة الشعوب”. ويلفت إلى أن “أهمية هذا  الإضراب تكمن في كونه جاء بقرار من الشعب الفلسطيني  في الأراضي الفلسطينية من البحر إلى النهر”.

في السياق ذاته يرى باسم زيداني من القدس أن “الإضراب أعاد للناس مفهوم التكاتف والوحدة من أجل تحقيق المطالب الإنسانية والوجودية على هذه الأرض.  هو استمرار لحالة فلسطين التاريخية الي بدأت بمواجهات مع الاحتلال في كل بقاع الأرض من القدس واللد وعكا وحيفا والرملة وهو دليل واضح على فشل كل الجهود الإسرائيلية لمحاولة سلخ الفلسطيني عن واقعه وكيانه”.

الإضراب أسلوب قديم

ليست هذه المرة الأولى التي يلجأ فيها الفلسطينيون إلى الإضراب كأسلوب نضال، إذ سبق أن اعتمدوه للاحتجاج على سياسات الانتداب البريطاني عام 1936، وهو الأطول في تاريخ النضال الفلسطيني الذي استمر 6 أشهر. 

في الانتفاضة الأولى عام 1987، تم اعتماده أيضاً وترافق مع تعطيل شامل لمناحي الحياة، وحشد الجماهير. حتى إنه  أتبع في انتفاضة الأقصى عام 2000، أي بعد توقيع اتفاقية أوسلو وتفرق الداخل والضفة والقطاع، إلا أن الإضراب وحد الصفوف فكانت ترافق بعض الأحداث إضرابات شاملة في المدن المحتلة.

والآن إذ تعود أجراس الإضراب لتقرع من جديد في وجه الظلم، تقول لمى منصور من طولكرم وهي من المشاركين في الإضراب: “نحن كشباب فلسطيني بالضفة الغربية أعلنا أن يكون الإضراب ليس في الأرض المحتلة 48 وحسب، بل يجب أن يمتد لكل فلسطين من شمالها إلى جنوبها لنكون يداً واحدة لأن المحتل واحد، على رغم المشكلات الداخلية التي نعانيها. وفلسطين التاريخية منذ سنوات طويلة لم تنخرط في إضراب عام وشامل يضم الكل الفلسطينين. الاضراب هو التمرد ووقف عجلة الحياة تعبيراً عن الغضب وعدم الرضا عن الأحداث في فلسطين”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني