fbpx

استهداف القصة الصحافية … من غزة إلى بغداد

الإصرار على استهداف البرج نابع من رغبة في منع الإعلام من كشف هول الغارات، ومن الوصول إلى وجوه الضحايا خلف مشهد الدخان الكثيف. هو ليس استهداف لحماس، بل استهداف للقصة الإنسانية التي يغلفها الدخان المنبعث من البيوت المدمرة في القطاع.
برج الجلاء لحظة استهدافه

 هل يعيدنا استهداف الغارات الإسرائيلية لبرج الجلاء الذي يضم مكاتب الصحافيين في مدينة غزة، إلى الحملة التي تستهدف الصحافيين في العراق هذه الأيام؟ أم إلى استهداف القوات الأميركية في العام 2003 فندق فلسطين حيث كانت مكاتب معظم وسائل الإعلام التي تولت تغطية الاجتياح الأميركي للعراق؟ الأمر سيان طالما أن المستهدف واحد، وطالما أن الرغبة بحجب الصورة ودفن الحقيقة وراء كل هذه الأفعال. وهنا ليس مهماً أن يتشابه المرتكبون، طالما أن المهمة واحدة، وهي منع القصة الصحافية من أن تنعقد على قرينة المشاهدة والمعاينة والتصوير.

الجميع يعرف برج الجلاء جيداً. لا قيمة عسكرية له ولا دور له في هذه الحرب سوى استضافته مكاتب الصحافيين. هو موقع مدني يقع في شارع لا وجود فيه لحركة حماس. كما أن القول بأن قصفه فعلاً عقابياً لأهل غزة لا يكفي لتفسير الفعل، ذاك أن الجيش الإسرائيلي يعرف تماماً أن استهدافه سيستدرج رد فعل دولي سببه وجود مكاتب صحافية على رأسها مؤسسة أميركية هي “اسوشيتد برس”.

المفاوضات مع صاحب البرج التي سبقت تدميره، كشفت حجم التصميم على التدمير، والقول إن حماس تستخدمه لاستطلاع المواقع الإسرائيلية مثير للسخرية. ذاك أن هذا الادعاء ينطوي على اعتقاد بأن حماس تستطلع تحت أنظار الصحافيين، لا بل تحت أنظار الـ”اسوشيتد برس”. 

الإصرار على استهداف البرج نابع من رغبة في منع الإعلام من كشف هول الغارات، ومن الوصول إلى وجوه الضحايا خلف مشهد الدخان الكثيف. هو ليس استهداف لحماس، بل استهداف للقصة الإنسانية التي يغلفها الدخان المنبعث من البيوت المدمرة في القطاع.

لا شيء يفسر وظيفة الاستهداف، والإصرار عليه رغم التفاوض الذي سبقه سوى أن إسرائيل لا ترغب بتغطية الصحافيين حربها على غزة. فالعداء بين الغزاة والصحافة مأثرة نعرفها وسبق أن اختبرناها. في كل غزوة تكون الصحافة على رأس بنك الأهداف. في بغداد أثناء الغزو الأميركي العام 2003 وفي لبنان عندما غزا حزب الله بيروت في العام في العام 2008 واليوم في غزة. ويستوي في الاستهداف من يمكن أن يُحاسب ومن لا يحاسب، ذاك أن الجيوش الغازية على استعداد لاستعمال أي شيئ في سياق حملتها، وضرورة حجب الصورة هي المهمة الأسهل. فما كُشف مؤخراً عن توظيف الجيش الإسرائيلي للإعلام في مهام تضليلية ميدانية كان أشد فظاعة على هذا الصعيد، ذاك أن قيادة الأركان الاسرائيلية سربت لوسائل إعلام غربية أنها بصدد هجوم بري على غزة. وظيفة هذا التسريب كانت دفع مقاتلي حماس إلى الخنادق للتصدي لهذا الهجوم، ومن ثم الإغارة على هذه الخنادق. وبهذا المعنى لم يتردد الجيش الإسرائيلي في تضليل الإعلام، وبالتالي توظيفه في حربه على غزة.

في كل غزوة تكون الصحافة على رأس بنك الأهداف. في بغداد أثناء الغزو الأميركي العام 2003 وفي لبنان عندما غزا حزب الله بيروت في العام في العام 2008 واليوم في غزة. ويستوي في الاستهداف من يمكن أن يُحاسب ومن لا يحاسب، ذاك أن الجيوش الغازية على استعداد لاستعمال أي شيئ في سياق حملتها، وضرورة حجب الصورة هي المهمة الأسهل.

يشبه انهيار برج الجلاء لحظة استهدافه الانهيار الذي أصاب أشقاءه من الأبراج الغزاوية التي جرى تدميرها في نفس اليوم، وهي بدورها أهداف مدنية وسكنية. لكن البحث في أنقاض مبنى الجلاء في أعقاب تفجيره كشف عن معدات التصوير المخبأة في علبها المعدنية، والتي تم نقلها إلى مكاتب وكالة الصحافة الفرنسية التي قررت استضافة فرق الصحافيين ممن دمرت مكاتبهم. أما الأبراج الأخرى فليس لأهلها من يأويهم، ثم أن أثاثات منازلهم لم تكن موضبة في علب معدنية تحميها من هول الانهيار الذي أعقب الانفجار. واذا كان للصحافة من يدين استهدافها ويتصل بنتانياهو محذراً من التعرض لها، فليس لسكان الأبراج غير الصحافية على شاطئ غزة سوى خيماً تنضم إلى شقيقاتها التي نصبت في أعقاب الاجتياحات التي تعاقبت على القطاع منذ عقدين أو أكثر.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
عبدالرحمن الجندي – كاتب مصري
خالط الفرح الريبة والتوجس، أمسى جيلنا يخاف الأمل ويرهبه، توالت على رؤوسنا الخيبات تباعاً حتى خاصمنا الأمل ولم نعد نراه إلا بعين الشك.
Play Video
في عالم تسوده تقنيات حديثة يمكن استهداف أي شخص حتى الملوك والرؤساء والزعماء. محاولات الاختراق حصلت عبر برنامج مجموعة NSO الاسرائيلية ولكن لصالح حكومات اشترت هذه الخدمة بملايين الدولارات. الأرقام شملت هواتف رؤساء دول وملوك وزعماء ورؤساء حكومات. الأرقام المستهدفة تشمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي كان ضمن نحو 10 آلاف هدف تقف المغرب وراء محاولة اختراقها.

4:30

Play Video
تثير شركة NSO الاسرائيلية منذ تأسيسها الكثير من الجدل. الفريد في حالة NSO هو العلاقة الوثيقة والصريحة بأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. عدد كبير من موظفي الشركة هم ضباط متقاعدون في جهازي “الشين بيت” و”الموساد”

5:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني