عن الكورد والفلسطينيين: مع الفراشة وضدّ الديناصور

وحدة الحال التي تجمع الشعبين الكوردي والفلسطيني، ممهورة ليس بقائمة طويلة من المشتركات وحسب، بل أيضاً بالدم. وربّما من الخصال التي تجمع هذين الشعبين هو اليتم السياسي العالمي الذين يعيشانه.

قضايا الشعوب العادلة تبدو كامتحان للمبادئ والقيم والأخلاق التي لدى المثقف، قبل السياسي. ومع ذلك، للمثقف سقطاته، ما خفي منها، وما ظهر. السنوات العشر الأخيرة، كشفت، بل فضحت كثيرين، وما كان مخفيّاً في بطاناتهم، ومتوارياً تحت جلد كلامهم اللذيذ والبرّاق والغزير عن الحداثة، والمبادئ والقيم التي لا تتجزّأً. وبان أن الأخلاق والمبادئ، تتجزّأ، طبقاً للميل الطائفي، القومي، الحزبي أو الشخصي. ولا يتسع هذا المقال، لتعداد لائحة الأسماء الأمثلة الطويلة جدّاً. ذلك أن النفاق والدجل، ولعبة الأقنعة التي بات يحترفها ويتقنها الكثير من الأدباء والمثقفين، أظهرتهم أقرب إلى المهرّجين، يرقصون على حِبال كثيرة، في سيرك المصالح والمنافع، والإذعان للشعبويّات، والارتداد للهويّات الضيّقة، على حساب المبادئ العابرة لتلك الهويّات، التي لطالما نادوا بها، وقدّموا أنفسهم على أنهم دعاتها ورعاتها الأعلون، لا زيد أو عمرو.

ذلك النفاق، لفرط غزارته وتكراره، على وشك أن يتحوّل إلى الحقّ، و”عين العقل” والصواب، والعقلانيّة، وزبدة المهارات التي يفترض أن يتحلّى بها المبدع والمثقف في عالمنا. ومن يقف على الضفّة الأخرى من هذا النفاق، هو الباطل بعينه، والهذر والمذر، والإسفاف، والفشل والإفلاس الثقافي والإبداعي! وعليه، لم يعد من الغريب أن يفاجَأ المرء بضبط المثقف والأديب، مدعي التنوير والتسامح وتجاوز الهويّات، متلبّساً بالجرم المشهود، يتمرّغ في الشعبويّة والازدواجيّة، ومحاباة الكلام الذي تهفو إليه أفئدة الحشود وعقولها. ذلك أن حالة الزعم والادعاء والنفاق في الأوساط الثقافيّة، وصلت إلى مستويات، لم تعد تطاق.

من طبائع الأمور وجود الاختلاف والانقسام بين أبناء الشعب الواحد ونخبه، حيال قضايا داخليّة تتعلّق بالشعب نفسه، وحيال قضايا تتعلّق بالشعوب الأخرى. ربّما يتحوّل ذلك الانقسام الطبيعي، إلى انقسام عشوائي، سرطاني، حين يحاول البعض سحب صفة العدالة من قضية عادلة ما، أو إلقاء الشبهة عليها والتشكيك بها، تحت ضغط الزعبرات والشعارات والمبررات التافهة، وانجرار المثقفين والأدباء إلى ذلك الانقسام السرطاني، وإذكائه، وإنتاج مؤنته من المبررات التافهة، أو تمويله بسرديّات تعزز استهداف عدالة تلك القضيّة، أو أقلّه تضع تلك القضيّة على طاولة التضامن المشروط، أو التضامن المشفوع بالتمنن (من المنّة)، والأفضليّة الذاتيّة، من قبيل: “على رغم أنكم كذا وكذا، ووقفتهم مع قتلتنا، إلاّ أننا نتضامن معكم”! بهكذا طريقة استعراضيّة سخيفة، لا يخجل المثقف، ومن دون أن يرفّ له جفن، من عرض تضامنه المشفوع بالمشروط (أو المنّيّة) مع قضايا الشعوب المظلومة التي تشبه شعبه. وحين يردّ عليه مثقفو ذلك الشعب؛ الصفاقة بمثلها أو أضعافها، تثور الحميّات والعصبيّات بين المظلومين من هذا الشعب أو ذاك، وتبدأ حفلات التراشق، والمزايدات، وينشغل الجميع بالجميع، وتشتغل آلات صناعة التفاهة التي يديرها المثقفون والأدباء والكتّاب، ويحيد الجميع عن كارثة وجود سكين الجلاّد على منحر الضحيّة!

في كل أزمة تعصف بالكورد أو الفلسطينيين، نرى ذلك الانقسام يطلّ برؤوسه الخبيثة، في الجانبين. فنرى مِن الكورد مَن يتضامن، ومَن يعترض على التضامن، بل يستهجنه. ذلك التضامن مِنه، ما هو مشروط، ومِنه ما هو غير مشروط، أو مشفوع بالمنّة والأفضليّة والأسبقيّة الذاتيّة، ومِنه ما يكون خالصاً، نابعاً من المبدأ، تابعاً لعدالة القضيّة الفلسطينيّة. وهذان الشكلان من التضامن، ليسا بحاجة للشروح أكثر. لكن رفض التضامن، ينطوي على كميّة مهولة من الغرابة والتجنّي أيضاً.

يأخذ بعض الكورد الرافضين للتضامن مع القضية الفلسطينيّة، علاقة بعض الفصائل الفلسطينية مع صدام حسين أو رجب طيب أردوغان، حجّة على الكورد المتضامين مع القضيّة الفلسطينيّة؟ وينسى هؤلاء الكورد، علاقات زعامات كورديّة معتبرة مع صدّام أو أردوغان ونظام الأسد. على سبيل الذكر لا الحصر: عبدالرحمن قاسلمو، جلال طالباني، وعلاقتهما بصدّام. كما ينسى هؤلاء أن البيمشركة الكورديّة العراقيّة قاتلت البيشمركة الكورديّة الإيرانيّة، تحت أمرة زعامات كورديّة قويّة ومعتبرة. ينسى هؤلاء قتال بيشمركة كوردية عراقيّة إلى جانب الجيش التركي، ضد “العمال الكوردستاني”! وينسون قتال بعض المرتزقة الكوردية العراقية إلى جانب الجيش العراقي الثوّار الكورد، وقتال بعض المرتزقة الكورد في تركيا إلى جانب الجيش التركي ضد المقاتلين الكورد! يتناسى هؤلاء وجود عبدالله أوجلان وحزبه في حضن نظام الطاغية حافظ الأسد لمدّة 20 سنة تقريباً، وعلاقات جلال طالباني ومسعود بارزاني بنظام الأسد الأب والابن! يعني، إذا كانت علاقة عرفات أو فتح أو منظمة التحرير مع نظام بغداد هي صفحة سوداء بالنسبة إلى الكورد، وهي كذلك، تقابلها عشرات الصفحات السود في التاريخ السياسي الكوردي القريب، مع تلك الأنظمة الفاشية التي قمعت الكورد واضطهدتهم. وعليه، حجج أولئك المناهضين للتضامن مع الفلسطينيين، فضلاً عن كونها سخيفة وتفاهة، فهي ترتدّ على أصحابها.

إقرأوا أيضاً:

ملك بني إسرائيل؟

من الحجج التي يأخذها بعض الرافضين تشكيكهم في الوجود التاريخي للشعب الفلسطيني على أرضه، وأن فلسطين، في الأصل هي ملك بني إسرائيل، طبقاً لما هو منصوص عليه في القرآن (“يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم، ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين” المائدة: 21). اللافت أن من يبرز تلك الحجّة – القرينة، هم كورد علمانيون، ودائمو الانتقاد للإسلام والمسلمين. لكن، في ما يتعلّق بنفي الوجود العربي الفلسطيني عن تلك الأرض، ونقل ملكيتها إلى قبيلة بني إسرائيل، بصكّ إلهي، يتحوّل الإسلام ونصوصه المقدّسة محلّ تقدير واستشهاد ودليل إثبات عند العلمانيين الكورد!؟ لكأنَّ لسان حال هؤلاء يقول: إن الإسرائيليين هم المعتدى عليهم وإن الفلسطينيين هم قوّة احتلال؟! يتجاهل هؤلاء أن من يحكم إسرائيل أو يحتلّ فلسطين حاليّاً، ليس قبيلة بني إسرائيل المذكورة في القرآن! كما أن من يحكم السعوديّة (الحجار) الآن، ليس قبيلة قريش، أو أحفادها! ومن يحكم العراق ليسوا المناذرة ولا العباسيين، ومن يحكم الشام ليسوا الغساسنة أو الأمويون أو أحفادهم! ومن يحكم مصر ليسوا الفراعنة أو البطالمة أو الفاطميون أو المماليك! يعني، أن بنيامين نتانياهو ليس حفيد قبيلة بني إسرائيل، ولم يأتِ فلسطين وارثاً ما ترك له أجداده هناك! 

على الطرف المقابل، يمكن تفهّم الظرف السياسي الحرج، الذي جعل ياسر عرفات على علاقة مع صدام حسين. بدليل أن متحف الزعيم الفلسطيني، الذي زرته، لم أجد فيه صورة واحدة، تجمعه مع صدام. على رغم أن وجود الصورة أمرٌ طبيعي، لجهة التوثيق. ما يعني، أن القيادة الفلسطينية، لم تكن تنظر إلى العلاقة مع النظام العراقي، إلا في إطار كونها علاقة تكتيكيّة عابرة. في حين أن جلال طالباني وعبدالله أوجلان، بقيا يمدحان نظام حافظ الأسد، حتّى بعد موت الأخير، وزوال دوره وتأثيره ودعمه لحزبي الزعيمين الكرديين! وعليه، إذا كانت علاقة عرفات والقيادة الفلسطينيّة مع نظام صدام تستحق النقد، قراطاً، فإن علاقة طالباني وأوجلان بالخميني وحافظ الأسد، وعلاقة قاسملو مع صدام، تستحقان النقد 24 قراطاً! مع الإشارة إلى أن صدام، وفّر فرص عمل لحوالى 500 ألف فلسطيني، وقدّم السلاح والمال للحركة الفلسطينيّة لقتال إسرائيل، وأطلق صواريخ “فاشوش” على إسرائيل عام 1991، ولم يقتل الفلسطينيين، ومن الطبيعي أن يظهر بمظهر البطل في المخيّلة السياسيّة والشعبيّة الفلسطينيّة. بينما الخميني وحافظ الأسد، ماذا فعلا لكورد تركيا والعراق وإيران، حتّى يمدحهما طالباني وأوجلان؟!

ربّما يقول قائل: لم تكن هناك علاقات تكتيكيّة للكورد مع إسرائيل؟ والجواب: بلى. كانت هناك علاقات تكتيكيّة. والملا مصطفى بارزاني، زار تل أبيب. والعلاقات الكورديّة– الإسرائيليّة موثقّة من الجانبين. لكن، الملا مصطفى، ضحّى بتلك العلاقات، وتعامل بشكل أخلاقي، ولم يهاجم النظام العراقي، حين كان العرب مشغولين بحرب 1973. والمرجع الشيعي محسن الحكيم، له بيان أو رسالة توثّق ذلك، في حينه. واعتقد أن هذا كان سبب قطع تل أبيب علاقتها مع الثورة الكورديّة، ودفع الشاه للتفاوض مع بغداد، وقطع الإمداد عن كورد العراق.

زدْ على هذا وذاك، وجود حفنة فلسطينيين مرتزقة مع الجماعات الإسلاميّة الإرهابيّة التي تحتل عفرين، إلى جانب الجيش التركي، ليس قرينة ضدّ، يمكن استخدامها لعرقلة التضامن الكوردي مع الشعب الفلسطيني. ذلك أن وجود مرتزقة كورد (حماة القرى) في تركيا، ووجود “الجحوش” المرتزقة الكورد، الذين قاتلوا البيشمركة، ووجود مرتزقة كورد مع نظامي دمشق وطهران، لا يلغي عدالة القضيّة الكورديّة في سوريا، تركيا، العراق وإيران. فمن يبرز صور المرتزقة في عفرين، ويركّز على علاقة حركة “حماس” مع نظام أردوغان، كمَن يتعامى عن المرتزقة الكورد المذكورين آنفاً. ويتعامى عن علاقة إقليم كردستان مع طهران وأنقرة.

علاوة على ذلك، كل شعب مظلوم ومضطهد، يواجه بينه بعض حثالات المرتزقة. بدليل، حين هاجم جيش الأسد الابن مخيمي اليرموك وفلسطين في دمشق، عاونه في ذلك، مرتزقة فلسطينيون من جماعة أحمد جبريل، وغيره.
لا يفوتني القول: إن الزعيم الكوردي، والرئيس العراقي السابق جلال طالباني، كان عضواً في الجبهة الشعبية، وعمل في مجلة “الهدف” مع غسان كنفاني (راجع مذكرات جلال طالباني). وكان يتحرّك بوثائق فلسطينيّة. كذلك عبدالله أوجلان، حين أتى إلى سوريا ولبنان، هو ورفاقه كانوا يتدرّبون عند الفصائل الفلسطينيّة. المعسكر الكوردستاني في سهل البقاع اللبناني في الثمانينات وحتّى مطلع التسعينات، كان لإحدى الفصائل الفلسطينيّة، استولى عليه حزب PKK بوضع اليد، عقب غزو إسرائيل لبنان سنة 1982. أمّا علاقة مسعود بارزاني بالفصائل الفلسطينيّة فلم تكن أقلّ عن علاقة طالباني وأوجلان بها. ومع ذلك، لنفترض أن الحركة الفلسطينيّة والشعب الفلسطيني لم يقدّموا أيّ شيء للكورد والقضيّة الكورديّة، فماذا قدّمت إسرائيل للكورد غير الكلام الفارغ، والأكاذيب والألاعيب والدسائس والمؤامرات ودعم الدولة التركية ضد الكورد، حتّى يحاول بعضهم التماس الأعذار لتل أبيب، وفق منطق النكاية في بعض العرب الموالين لصدام وأردوغان؟ فإذا كانوا لا يريدون لأنفسهم التضامن مع محنة الشعب الفلسطيني، هذا حقهم، لم يسلبهم إيّاه أحد. لكن، أقله ألاّ يلتمس هؤلاء الأعذار والمبررات للفاشيّة الإسرائيليّة، ولا يطعنوا ويشككوا في موقف الكورد المتضامنين مع المظلومية الفلسطينية، ويلقوا عليها الشبهات.

إقرأوا أيضاً:

إنه دمٌ واحد!

بعض كوردنا الأفاضل الذين شككوا في تضامن كاتب هذه الأسطر مع المظلوميّة الفلسطينيّة، ذكروا أن التضامن نابع من علاقات ومصالح شخصيّة وصداقات مع الفلسطينيين! والحقّ أنه لو كان الأمر هكذا؛ علاقات شخصية، لوجب عليَّ التبرير لإسرائيل، والتطبيع مع هذا النظام؟ ذلك أن المصالح الشخصية مع إسرائيل والأنظمة المطبّعة معها، وليست مع الشعب الفلسطيني المعتر المظلوم والمشتت، المحاصر، والمطحون. كل الفلسطينيين الذين أعرفهم وافتخر بصداقتهم هم مع حقوق الكورد. 

وحدة الحال التي تجمع الشعبين الكوردي والفلسطيني، ممهورة ليس بقائمة طويلة من المشتركات وحسب، بل أيضاً بالدم. وربّما من الخصال التي تجمع هذين الشعبين هو اليتم السياسي العالمي الذين يعيشانه منذ مطلع القرن المنصرم. ذلك اليتم، أباح لكثيرين احتلالَ كوردستان وفلسطين (صليبيين، عثمانيين، إنكليز، وفرنسيين…). وعليه، وحدة المظلوميّة المشتركة تلك، يحاول البعض، من الجانبين تسميمها، وتحويلها إلى صراع بين “الأيتام” البؤساء المحاصرين في ملجأ شبّت فيه النيران، وحرف أنظارهم عن المشتركات والظلم المشترك اللاحق بهم، والتركيز على الاختلافات والخلافات. ولو كانت إسرائيل نفعت الكورد في شيء، لقنا: أن تطاول بعض الكرد على المعاناة الفلسطينيّة، وتطاول بعض الفلسطينيين على الكورد، لهما ما يبررهما. على العكس تماماً، إسرائيل لم تبع الكورد شيئاً غير الشعارات والتفاهات والتواطؤات. والمساعدة التي قدّمتها لثورة أيلول/ سبتمبر 1965، قطعتها، كما أسلفنا. يعني بيعُ إسرائيل الهواءَ الملوّن للكورد في زجاجات، هو نفسه السلوك الذي انتهجته الأنظمة العربيّة وإيران الخمينيّة مع الفلسطينيين، عبر استثمارها محنتهم وقضيتهم. واتضح في ما بعد، أن ذلك الهواء العطر الملوّن، كان فاسداً مفسداً. 

حاصل القول: نظام فاشي يمتلك 200 رأس نووي قادر على تدمير الأرض والمجموعة الشمسيّة، ويتحكّم بالاقتصاد العالمي، في مواجهة شعب مظلوم، مقموع، مقهور، فقير، محاصر ومنكوب. 

حالة تشبه الصراع بين ديناصور وفراشة. البعض يستكثر علي التضامن مع الفراشة في مواجهة الديناصور. بل تذهب الوقاحة بهم إلى التبرير للديناصور! بالنسبة إلي، فلسطين جزء من كوردستان، على مستوى القضية والمظلوميّة. وكوردستان جزء من فلسطين، للسبب ذاته. و”يلي مش عاجبو، يشرب من البحر الميّت” على حدّ تعبير الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
أحمد عاشور – صحافي مصري
تكشف “وثائق باندورا” عن استمرار شركات رجل الأعمال سمير حسن في جزر العذراء البريطانية، على رغم العقوبات التي طاولته منذ بداية الثورة السورية، بل إنه أسس شركة جديدة عام 2015، متخصصة في العقارات، أحد مجالات عمله في سوريا.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني