من غزة إلى اللدّ:
الحقّ الفلسطيني تطوقه العنصرية والصواريخ والأجندات القاتلة

كل مظاهر الشرور في الأيام الأخيرة بين غزة واللدّ والقدس هو انفجار حتمي لاحتلال مستمر لأكثر من 70 عاماً. لا طريقة لتجميل الأمر أو القفز عن هذه الحقيقة التي غذتها ونمّتها عقود من الفصل العنصري والتمييز وتصاعد اليمين الفاشي.

كأوراق اللعب تساقطت أبراج سكنية في غزة.

هناك في القطاع المحاصر منذ نحو 14 عاماً، دخلت الأرواح في مرحلة التعداد الرقمي البارد الذي يُجرّد كل ضحية من خصوصية مأساتها. فلا وقت لكفكفة دمع صبي يصرخ “مع السلامة يابا” بعد مقتل أبيه بالقصف الاسرائيلي، أو لتهدئة روع اطفال غزيين تحاول أمهم أن تقنعهم أن دويّ غارات الطيران سيذهب سريعاً وسيعودون إلى نومهم. كيف لها أن تفعل وهي ترتعش من احتمال أن يحولهم الطيران الإسرائيلي إلى أشلاء كما يفعل بمن حولهم. 

التقط اليمين في إسرائيل والعالم المشهد بوصفه حرباً تشنها “حماس” لتتكرر محنة الغزيين مرة جديدة، إذ لا تُقارب غزة أبداً على حقيقتها، كمكان يسكنه شعب، كسجن هائل مُروِّع، كموقع غني بالتجربة الإنسانية. إسرائيليون كثر – كرئيس وزرائهم تماماً – لم يتحدثوا مع أحدٍ من غزة إطلاقاً، ولا يعرفون سوى أن قطاع غزة مأوى لـ”الإرهابيين”، لهذا فإن من المقبول لديهم حصارهم وإطلاق النيران عليهم. 

المشهد معقد ومركب، فليس بعيداً من غزة التي تستعيد في كل جولة مشهد الدمار والموت هناك الداخل الإسرائيلي حيث فيديوات تنقل هجمات مستوطنين على منازل عرب، ومحاولات طرد وقتل وصدامات عربية- يهودية انفجرت كما لم يحصل من قبل في اللدّ والقدس. وجبهة الصدام العربي- اليهودي من منزل إلى منزل ومن شارع إلى آخر، لا تقل اشتعالاً عن الغارات التي تفتك بغزة وأهلها ولا الصواريخ التي تطلقها “حماس” عشوائياً.

في جميع الصراعات يتقدم الخيار العسكري بوصفه الخيار الأسهل، لأنه الأسرع والأعلى ضجيجاً والأعمق تأثيراً في العواطف المشتعلة والغرائز المستنفرة. إنه الخيار الذي نحيطه بالقداسة على شاكلة شعار “زحفاً زحفاً نحو القدس”. من يطرح خياراً غير السلاح يُرفع في وجهه شعار المقدس للتشكيك بجدوى اللاعنف واعتباره تخاذلاً وجبناً.

كل مظاهر الشرور في الأيام الأخيرة بين غزة واللدّ والقدس هو انفجار حتمي لاحتلال مستمر لأكثر من 70 عاماً. لا طريقة لتجميل الأمر أو القفز عن هذه الحقيقة التي غذتها ونمّتها عقود من الفصل العنصري والتمييز وتصاعد اليمين الفاشي.

في الجانب الإسرائيلي، لا تتمثل المشكلة في سياسي قميء اسمه بنيامين نتانياهو وحكومته فحسب، صحيح أن الحملة المناهضة لنتانياهو مهمة، لكنها قطعاً ليست مصيرية. يُقِر منتقدو نتانياهو داخل إسرائيل بأنه يعرف كيف يتلاعب برغبات الإسرائيليين، فهو يعي أن هناك مزاجاً متقبلاً لفكرة التطهير العرقي كما حصل في القدس في حي الشيخ جراح، وكما تفعل كل المستوطنات المنتشرة كالسرطان في المناطق الفلسطينية، وهو لن يوفر جهوداً في استثمار الدم والخوف والكراهية بالانتخابات . 

لكن المعركة الحقيقية أكثر “استقتالاً”، ونطاقها أوسع بكثير، فهي حول “الدولة” وحدودها والشعب وهويته، وما لم يحصل الفلسطينيون على حقوقهم في الهوية والأرض والكرامة ستبقى مشاهد الموت الأخيرة جولة في سياق جولات.

إقرأوا أيضاً:

العرب وفلسطين … و”حماس”

المحنة الفلسطينية لا يكفي أن ينظر إليها من الزاوية الإسرائيلية وحدها مهما كانت هذه الزاوية، هي جذر الظلامة وعاملها المؤسس والأضخم. 

فالصمت العربي حيال ما يحصل مدوّ إلى حدّ يصمّ الآذان ويغشي البصر، والصمت لا يعني التحشرج وابتلاع الكلام وحسب، فالامتناع عن اتخاذ موقف عملي هو تماماً ما يزيد من حصانة الارتكابات الإسرائيلية، فاتفاقات “أبراهام” كان يفترض أنها وضعت شرط وقف زحف الاستيطان في مقابل الاعتراف بإسرائيل ومباشرة علاقات ديبلوماسية معها! 

تم الاعتراف بإسرائيل وبوشرت علاقات معها على ما شهدنا خلال الأشهر الماضية من زيارات متبادلة إماراتية- إسرائيلية واحتفاء بـ”السلام” عبر أغنيات وعبارات فارغة جعلت من السلام فكرة مبتذلة. لكن مسارعة دول مثل الإمارات والبحرين إلى الاحتفاء باسرائيل، كان سبق تثبيت الحق الفلسطيني بل هو لم يكترث به حقاً، وهو ما انعكس في مواجهات الأيام الأخيرة حيث ساد الارتباك والتجاهل القاتل لما يحل بالفلسطينيين، ما كرس الضيم والاعتداء على حقوقهم. 

وفي ذروة المشهد المقدسي، كان قد شرع الفلسطينيون بمواجهة غير مسبوقة لجهة صراحة المعتدي والمعتدى عليه وكان العالم قد بدأ يشهد انقلاباً حقيقياً في الموقف من اسرائيل بعد تقرير بالغ الأهمية لـ”هيومان رايتس ووتش وبعد سلسلة مواقف صريحة من داخل اسرائيل ومن خارجها من شخصيات سياسية ومؤثرة وزانة، تصف الحقيقة العنصرية والعنفية للدولة المحتلة.

طرح البديل ليس سهلاً، خصوصاً أن إسرائيل قد تنجح في احتواء صواريخ “حماس” وتطويق المنتفضين بالقوة فتنهي جولة جديدة باستئناف التعسف ضد الفلسطينيين. لكن في خضم النقاش حول كيف على الفلسطينيين الرد واستعادة الحق يبقى التفوق الأخلاقي عنصراً حاسماً لأي خطوة. هذا تماماً ما فعله أهل الشيخ جراح والقدس وهذا ما تهدد صواريخ “حماس” بتبديده.

وسط هذا المشهد، باشرت حركة “حماس” المدعومة من إيران المواجهة بمعركة الصواريخ وسريعاً ما سلخ المشهد من صورة انتفاضة مدنية بوجه احتلال جائر إلى معركة صواريخ. إسرائيل رحبت بهذه الخطوة، ذاك أنها قدمت لها فرصة للتخفف من أعباء المقدسيين، وأتاحت لها إشاحة الأنظار عن موبقات المستوطنين الذين أذهلت وقاحتهم وجشعهم العالم، وتحويلها إلى المواجهة الصاروخية التي اشتعلت في القطاع.

المقارنة لن تكون عادلة حتماً فإسرائيل وخلال ساعات اسقطت أبراجاً سكنية ودمرت أحياء ومنازل وقتلت وجرحت عشرات الفلسطينيين. صواريخ “حماس” العشوائية كانت مزلزلة أيضاً وهي قتلت واصابت وأودت بإسرائيليين، لكن من الصعب مقارنة حجم العملين ونتائجهما العسكرية المباشرة.

في جميع الصراعات يتقدم الخيار العسكري بوصفه الخيار الأسهل، لأنه الأسرع والأعلى ضجيجاً والأعمق تأثيراً في العواطف المشتعلة والغرائز المستنفرة. إنه الخيار الذي نحيطه بالقداسة على شاكلة شعار “زحفاً زحفاً نحو القدس”. من يطرح خياراً غير السلاح يُرفع في وجهه شعار المقدس للتشكيك بجدوى اللاعنف واعتباره تخاذلاً وجبناً.

إقرأوا أيضاً:

اللحظة التي يعيشها الفلسطينيون قد تكون الأخطر منذ عقود، لكن هل يكفي النظر إليها من زاوية صواريخ “حماس” بوصفها “تشفي الغليل”؟

القضية الفلسطينية هي بالدرجة الأولى قضية أخلاقية وقضية عدالة، ومهما بدت وقاحة المستوطنين وعنفهم ومهما استعرت محاولات توظيف فريق الممانعة إيرانياً وإسلاميا وعربياً للصواريخ الحمساوية، وحدهم الفلسطينيون من يدفع ثمن كل هذا.

أي عمل يجابه الصلافة الاسرائيلية لا يأخذ في اعتباره مسؤولية الأرواح والدماء هو عمل لا يعول عليه بل هو عمل أخرق غير مسؤول، يبني صواريخه ورصاصه وسكاكينه على رهانات وحسابات ضيقة لا يمكن وضعها تحت خانة المصلحة الفلسطينية العامة.

طرح البديل ليس سهلاً، خصوصاً أن إسرائيل قد تنجح في احتواء صواريخ “حماس” وتطويق المنتفضين بالقوة فتنهي جولة جديدة باستئناف التعسف ضد الفلسطينيين. لكن في خضم النقاش حول كيف على الفلسطينيين الرد واستعادة الحق يبقى التفوق الأخلاقي عنصراً حاسماً لأي خطوة. هذا تماماً ما فعله أهل الشيخ جراح والقدس وهذا ما تهدد صواريخ “حماس” بتبديده.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
إيمان عادل- صحافية مصرية
لا نعلم أي إنسانية يحاول أبو تريكة حمايتها، وهو يعيش الآن خارج حدود بلاده ويعاني انتهاكاً ضارياً بعدما واجه الإقصاء والتحريض، فلماذا لا يشعر بمن تم اعتقالهم في مصر من المثليين جنسياً وتعرضوا للتعذيب والتهجير؟
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني