الخوارزميات تقيّد الفضاء الرقمي…
حظر حسابات للتعتيم على الشيخ جراح

لنا أن نتخيل حجم التعتيم على الانتهاكات الإسرائيلية، التي تحدث بعيداً من كاميرات الهواتف المحمولة وحسابات المؤثرين التي وفرت منصات للبث الحي. فاليوم أصبحت حساباتهم منصات بديلة عن القنوات المنشغلة بأجندتها السياسية، وأصبحوا نموذجاً للمخاطرة بحساباتهم لأجل قضية عادلة.

على وقع المعارك في حي الشيخ جراح، لجأ كثيرون إلى “فايسبوك” و”إنستاغرام” و”تويتر” لتوثيق شراسة الشرطة الإسرائيلية والمستوطنين اليهود وهجماتهم العنيفة على الفلسطينيين في القدس، إضافة إلى نشر فيديوات للاحتجاجات السلمية التي نفّذها نشطاء، اعتراضاً على التهديد الوشيك بإجلائهم من بيوتهم في حيّ الشيخ جراح. إلا أن مئات المنشورات والحسابات التي توثق هذه الانتهاكات، حُذفت، حتّى بات حجم حالات إزالة المحتوى وتعليق الحسابات التي أبلغ عنها المستخدمون، ووثقتها منظمات حقوقية، دليلاً واضحاً وصريحاً على الاستهداف الممنهج لهذا المحتوى الذي يمثل الرواية الفلسطينية لما يحصل. 

لم تقدم شركتا “فايسبوك” أو “تويتر” أي تفسيرات مقنعة لمستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي حول هذه الممارسات التعسفية وغير الشفافة. بينما حذف “إنستاغرام” مئات القصص المتعلقة بالشيخ جراح، حتى وصل الأمر إلى القصص المؤرشفة. فبحسب تقرير أصدره المركز العربي لتطوير الإعلام الإجتماعي “حملة”، فإن ذلك يشكل انتهاكاً خطيراً لحقوق الفلسطينيين الأساسية، كالحق في التعبير، والحق في حريتي التجمع والتظاهر في الفضاء الرقمي، والتي تعهّد كلّ من “فايسبوك” و”تويتر” باحترامها، تماشياً مع المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان. واليوم في ظل ما يعيشه الأهالي، يشكل حرمانهم التوثيق الإلكتروني عبر مواقع التواصل الاجتماعي، انتهاكاً إضافياً وتهديداً لحياتهم وسلامتهم.

بداية الحكاية… حملة إلكترونية تفاعلية 

في آذار/ مارس، انطلقت حملة إلكترونية اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي لإنقاذ حيّ الشيخ جراح. والهدف الأساسي منها إعطاء الأمل لأهالي الحيّ بأن العالم معهم ويدعمهم ويؤيد قضيتهم، والضغط السياسي الدولي على الاحتلال لعدم تهجيرهم قسراً للمرة الثانية.

الوسم الذي أطلق “#أنقذوا حيّ الشيخ جراح” باللغتين العربية والإنكليزية، تصدر المرتبة الأولى في كل من الأردن وفلسطين، ونُشرت عليه تصاميم مختلفة ومعلومات عن كرم الجاعوني في حي الشيخ جرّاح، والمسار القانوني المتعسر والممتد لسنوات طويلة.

الشابة المقدسية منى الكرد (23 سنة) التي تسكن الحيّ هي إحدى المبادِرات لإطلاق الحملة. لإيصال قضية عائلات الشيخ جراح وتوضيح جريمة تهجير السكان قسراً منه، وتوثيق سياسة الفصل العنصري الذي يعاني منه أهالي القدس. نقلت قضية حيّ الشيخ جراح إلى العالم، فزاد عدد متابعيها من 13 ألفاً إلى أكثر من 300 ألف.

وأنت تتصفح قصص منى على “إنستاغرام” ترى فلسطينيين يغنون ويهتفون رافضين إخلاءهم الإجباري من منازلهم، يهتفون للأقصى، للقدس، للمقاومة والنضال، رافضين سياسات الاحتلال، صامدين أمام بيوتهم ومنازلهم، يفطرون معاً في الحي، بينما المستوطنون يرقصون ويمرحون، ويهجمون على الأهالي ويضربونهم. عبر حساب منى ترى شباباً يقاومون ويبتسمون ويدعمون بعضهم بعضاً ويدافعون عن أرضهم.

خصّصت منى حساباتها لنقل الواقع الفلسطيني، تكتب البيانات وتنشرها وتختار الصورة والشعار والعنوان، فهي الإعلامية الوحيدة في الحيّ وبيتها مهدد بالإخلاء. تحاول منى سرد حكايات الناس ومآسيهم، فيما تتآمر مواقع التواصل الاجتماعي مع الإسرائيليين لحذف منشورات من “إنستاغرام” وتحجب وسوماً من “تويتر” وتغلق حسابات من “فايسبوك”، وكانت منى من الذين تعرضوا لإغلاق حساباتهم على “انستاغرام”، وحذفت قصصها المؤرشفة حول القضية الفلسطينية.

“تويتر” يغلق حسابات نشطاء

لنا أن نتخيل حجم التعتيم على الانتهاكات الإسرائيلية، التي تحدث بعيداً من كاميرات الهواتف المحمولة وحسابات المؤثرين التي وفرت منصات للبث الحي. فاليوم أصبحت حساباتهم منصات بديلة عن القنوات المنشغلة بأجندتها السياسية، وأصبحوا نموذجاً للمخاطرة بحساباتهم لأجل قضية عادلة. 

يمكن وصف المنصات الرقمية “فايسبوك” و”إنستاغرام” و”تويتر”، بـ”الرقابة الأنيقة” فهي ليست حكماً عسكرياً، بل تكتفي من خلال الخوارزميات بحجب “هاشتاغ” حول القدس، أو تقليل الوصول وإغلاق حسابات، وهذا ما فعله “تويتر” بحسابات كثيرين. هشام أبو شقرة، ديالا الريماوي، شذى حمّاد، لارا الخطيب، هلا عساف، راكان دبابسة، آلاء قشوع، أديل عساف، وغيرهم،  جميعهم نشطاء يغردون للمسجد الأقصى والقدس باستخدام حساباتهم ليصل صوت الفلسطينيين إلى العالم، نتيجة ذلك تعرضوا لإغلاق حساباتهم وحذف محتواها عشرات المرات على “تويتر”. 

انتهاكات تويتر للمحتوى الفلسطيني

في 6 أيار/ مايو، كشف مركز “صدى سوشال” المهتم بتوثيق الانتهاكات بحق المحتوى الرقمي الفلسطيني في بيان له أن إدارة “تويتر”، “أغلقت عشرات الحسابات لنشطاء متضامنين ويعملون على تغطية اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي في حي الشيخ جراح، أو تعاطفت مع سكان الحيّ جراء أحداث القمع والاعتقال التي يتعرضون لها منذ أيام”، واصفاً إغلاق هذه الحسابات بأنه عقاب للنشطاء وتواطؤ بين إدارة “تويتر” وأجهزة أمن الاحتلال، وذلك لخفض التفاعل مع قضية الحي.

النساء قائدات المعركة الرقمية

كان لافتاً الحضور النسائي في قيادة المعركة الرقمية بشكل فاعل، من هنا برزت  آلاء حمدان، منى الحوا، اللتان ساهمتا في أن يشهد العالم على مأساة شعب من قرب. وعلى رغم كل القيود الرقمية وحذف الحسابات وتقييدها، إلا أنهن قدن هذه المعركة الرقمية بكل إصرار وصبر.

آلاء ومنى، ناشطتان على “السوشيل ميديا”، بثتا نقلاً مباشراً على “إنستاغرام” لساعات طويلة منذ بدء أحداث حيّ الشيخ جراح واقتحامات المسجد الأقصى، وشاركتا المحتوى مع مشاهير عالميين، أو مؤثرين، لإيضاح الصورة الصحيحة صوتاً وصورة. ونجحتا في ذلك، وبسببهما تصدر هاشتاغ “أنقذوا حيّ الشيخ جراح” تريند جميع الدول العربية، وانطلقت حملات كبيرة تدعم الأحداث بشكل أكبر.

تقول ألاء وهي مخرجة وصانعة أفلام فلسطينية- أردنية، إن الحكاية بدأت بـ”لايف” واحد، رأته مصادفة بين ثلاثة أصدقاء يناقشون قضيّة الحيّ. واتفقت مع زميلتها الصحافية منى حوا على تنفيذ هذه الفكرة وتوسيعها ليكون أثرها أقوى وأوسع. حتى أصبح مشاهير ومؤثرون ينتظرون فتح البث المباشر ليوصلوا رسالة إلى جمهورهم. وذلك بمساعدة شباب الأقصى أمثال عبد العفو بسام، ورمزي عباشي، وآية خلف، وغيرهم من الفلسطينيين المقدسيين الذين ينقلون الصورة والصوت في تغطية مباشرة للأحداث في القدس والمسجد الأقصى. 

أضافت ألاء أيضاً أن المقدسي عبد العفو بسام بعث لها رسالة صوتية يقول فيها: “ألاء أهل الحي الكبار أو اللي ما إلهم عالميديا كتير انصدموا، 20 ألف يشاهدون اللايف”. في مرحلة ما وصل إلى 150 ألفاً خلال 6 ساعات عدد الذين يشاهدون مباشرة ما يحصل في الحيّ، وكأنهم هناك. وتؤكد ألاء أن “هذه الضجة الإعلامية الرقمية تؤثر في الصورة المزيفة التي يحاول الاحتلال تلميعها بملايين الدولارات أمام المجتمع الدولي تحت عنوان “التعايش” ولولا أن النشر مؤثر لما كان فايسبوك وإنستاغرام حظرا موقتاً حسابات متفاعلة وتنشر عن الموضوع”.

منى الحوا تشير إلى أن سبب اختيارهما “إنستاغرام” منصة بث مباشر من القدس وربطها مع أكبر حسابات للمؤثرين العرب، كان استهداف الجيل الجديد. 67 في المئة من الفاعلين في التطبيق أعمارهم بين 18 و24 سنة، أي من الجيل الذي لم يشهد انتفاضة الأقصى ولم يتعرض لحملات منظمة تلمع صورة الاحتلال وتشوّه وعيهم.

وأشارت إلى أن حالة الاستقطاب السياسي التي شهدتها دول المنطقة بعد الثورات العربية وتعززت أكثر مع الأزمة الخليجية، أثرت في سردية القضية، سواء في التغريد أو التلفاز. بل واستخدمت فلسطين كمادة للذباب الإلكتروني ما ترك أثراً عاصفاً على الذاكرة الجمعية، فمن الصعب في ظلّ كل الاستقطابات المريعة أن تحضر فلسطين كموقف جامع. تقول عبر منشور لها في “فايسبوك”: “حاجتنا إلى تغطية ذلك أكثر من حاجة المقدسي لدعمنا، باختصار ما يحدث تطهير من سموم التطبيع”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
كارمن كريم – صحفية سورية
يبدو أن الدول التي دعمت المعارضة بشكل صريح وجدت نفسها أمام حقيقة لم تحسب لها حساب: بقي الأسد في الحكم، وبعد 11 عاماً، لا بدّ من مراجعة الكثير من الحسابات على الساحة السياسية ووضع الجانب الإنساني للأزمة السورية جانباً.
Play Video
“فلقة” جديدة يتلقّاها أطفال سوريين في بلدة غزة البقاعية في لبنان. نشر الصحافي هادي الأمين فيديو يُظهر تعنيف شاويش لأطفال سوريين لأنهم “يقصّرون في عملهم”. وفي كل مخيم للاجئين في لبنان، يتعيّن شاويش سوري ليكون بمثابة مسؤول عن هؤلاء الأطفال. في وقتٍ يتعرض فيه هؤلاء الأطفال لانتهاكات عدة من تسرب تعليمي وعمالة مبكرة و تعنيف لفظي وجسدي، يأتي هذا الفيديو ليؤكّد ذلك. حيث ترتفع وتيرة خطاب رسمي وإعلامي تمييزي تجاه السوريين في لبنان الذين تتراكم حولهم معلومات مغلوطة. فيما هناك حوالى 30 ألف طفل لاجئ يعمل في مهن قاسية الأطفال اللاجئين الذين أقحموا في سوق العمل خصوصاً الزراعة. وبعد انتشار الفيديو ألقت القوى الأمنية، بإشارة من مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات، القبض على الشاويش وأحالته إلى القضاء المختص.

1:23

Play Video
يرصد هذا التحقيق أبرز التعقيدات التي ترافق دفن اللاجئين السوريين في دول الجوار، بدايةً من تعثّر الحصول على قبر لاستقبال الرفات، مروراً باستحالة إعادة الرفات إلى سوريا، وليس نهايةً بظروف الدفن غير الطبيعية، في غياب أفراد من الأسرة أو بعيداً منهم، أو في مقابر “طوارئ” مشيّدة على وجه الأرض، أو في مقابر على سفوح الجبال أو ضمن أراضٍ طينية.

1:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني