fbpx

اغتيالان في كربلاء والنجف: تكميم غضب “تشرين” قبيل الانتخابات

قتل وزني في مكان يفترض أنه "الأكثر أمناً" في كربلاء، لقربه الشديد من العتبات المقدّسة حيث الإجراءات الأمنية المشددة ونقاط التفتيش وكاميرات المراقبة. ومع ذلك يبدو أن القتلة لا يأبهون لكل هذه الإجراءات. نفذوا جريمتهم بدم بارد، وفرّوا من دون أن يتعرضوا لأي خطر أو ملاحقة.

تكهّن إيهاب الوزني بمقتله، أكثر من مرّة، عقب تصاعد الاحتجاجات التشرينية عام 2019 والتي كانت منعطفاً مهماً في المسيرة السياسية للشعب العراقي، فالتهديدات بالتصفية الجسدية التي تعرض لها المتظاهر والناشط السياسي جواد وزني، كثيرة بحسب صديقه المقرب أحمد العيساوي، حتى أنهت حياته رصاصات انطلقت من سلاح كاتم للصوت الأحد 10 أيار/ مايو، على يد ملثمين اثنين كانا يستقلان دراجة نارية قرب منزله في كربلاء.

الناشط والمتظاهر في ساحات الاحتجاج إيهاب جواد الوزني بزغ نجمه باكراً في تظاهرات ساحة التحرير 25 شباط/ فبراير 2011 وسط العاصمة بغداد والتي طالبت بالقضاء على الفساد ومحاسبة الفاسدين، لتبدأ رحلته الجديدة في تنسيقيات التظاهر في كربلاء وتمتد الى تظاهرات عام 2015 المطالبة بإنهاء ملف رواتب التقاعد لكبار المسؤولين في الدولة، وصولاً إلى دوره القيادي والأساسي في حراك تشرين الأول/ أكتوبر 2019. 

الناشط إيهاب الوزني

كان وزني ناشطاً “له وزنه”، بحسب صديقه العيساوي، الذي شاركه في تظاهرات وتحركات كثيرة، كان آخرها تظاهرة شارك وزني في تنظيمها قبل مقتله بأسبوع واحد، إذ تجمع مع عشرات المتظاهرين قرب مشروع المستشفى الذي أنشأته شركة تركية في كربلاء، وافتتحه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي منذ عام تقريباً، إلا أن المشروع لم يدخل الخدمة لأسباب غير معروفة بحسب العيساوي، وكانت التظاهرة للمطالبة بكشف ملفات الفساد التي تحول دون عمل المستشفى. 

وزني، البالغ من العمر 45 سنة، لم يرغب بالزواج نهائياً، بحسب أصدقائه، كما لو كان لديه استشراف لمستقبل حياته، اذ كان يقول لأصدقائه عندما يُسأل عن سبب عزوفه عن الزواج، بأنه سيقتل، “فلمَ الزواج وترميل زوجته وتيتيم أطفاله؟”.

ليلة حادثة الاغتيال غادر وزني ساحة الاحتجاج في كربلاء عند الساعة 11:30 متجهاً الى منزله، بحسب أصدقائه، وما ان وصل ليركن سيارته قرب المنزل حتى قتله ملثمان يستقلان دراجة نارية بسلاح كاتم، وهو الأسلوب نفسه الذي نُفّذت به عملية اغتيال الناشط فاهم الطائي في كانون الأول/ ديسمبر 2019. وبهذا يصبح عدد النشطاء الذين تعرضوا لعمليات تصفية على يد الميليشيات في كربلاء إلى 3 منذ اندلاع حراك تشرين.  

قتل وزني في مكان يفترض أنه “الأكثر أمناً” في كربلاء، لقربه الشديد من العتبات المقدّسة حيث الإجراءات الأمنية المشددة ونقاط التفتيش وكاميرات المراقبة. ومع ذلك يبدو أن القتلة لا يأبهون لكل هذه الإجراءات. نفذوا جريمتهم بدم بارد، وفرّوا من دون أن يتعرضوا لأي خطر أو ملاحقة.

حادثة الاغتيال هذه ألهبت ساحات الاحتجاج في كربلاء، واتسعت معها رقعة التظاهرات في شوارع المدينة وأزقّتها، إذ عمد المحتجون إلى قطع الطرق بالإطارات المشتعلة وشل الحركة في معظم مناطق المحافظة، وصولاً إلى التجمهر أمام القنصلية الإيرانية والاشتباك مع قوات الأمن التي تحرسها، في حركة احتجاجية تتهم إيران بالوقوف وراء الميليشيات التي ترتكب عمليات التصفية والاغتيال.  

“المفوضية العليا المستقلة لحقوق الانسان في العراق” وجهت انتقادها المباشر للأجهزة الأمنية لضعفها في حماية النشطاء، ما دفع كثيرين إلى خارج العراق، فيما بات الآخرون  فريسة لعمليات تصفية ممنهجة، معتبرة اغتيال الوزني استكمالاً لمسلسل الاغتيالات التي طاولت أصحاب الكلمة الحرة.

هذه الحادثة أثارت ردود فعل كبيرة على المستويات السياسية والدولية، إذ اعتبرتها السفارة الأميركية في العراق انتهاجاً للعنف وطريقة لتكميم الأفواه، مؤكدة أن الولايات المتحدة الاميركية “تقف مع من يسعى الى عراق سلمي مزدهر”. كما أدان السفير البريطاني في العراق ستيفن هوك الحادثة وربطها بالانتخابات، داعياً إلى ضرورة محاسبة الجناة وحماية العراقيين مع قرب الانتخابات معتبراً أن زيادة حوادث القتل هي نتيجة “الإفلات من العقاب”.

من اللافت للنظر في هذه الحادثة أن الاستنكارات صدرت عن زعماء لأحزاب سياسية حاكمة في العراق تمتلك مجموعات مسلحة لعبت دوراً في قتل المتظاهرين وترويعهم، إذ قال رئيس “تيار الحكمة الوطني” عمار الحكيم إن ما “يتعرض له بعض النشطاء والإعلاميين من حالات تضييق من جهات مجهولة يضع الحكومة وأجهزتها الأمنية أمام مسؤولية المتابعة الحثيثة لهذا الملف وضرورة كشف الجهات التي تقف وراء هذه الجرائم”، فيما وصف زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، “صاحب” ميليشيات “سرايا السلام”، في تغريدة له حوادث الاغتيالات بأنها “أسلوب الجبناء” وأن قوى الشر بحسب وصفه “تتكالب مع اقتراب العملية الديموقراطية”، في إشارة إلى الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها، مبكراً، في تشرين الأول المقبل.

الأحزاب والحركات التشرينية والمدنية في العراق، بتشكيلاتها المختلفة، أعلنت تعليقها التعامل مع النظام السياسي الحالي ومقاطعة الانتخابات، بسبب سطوة السلاح على العملية الانتخابية.

“حزب البيت الوطني”، وهو من أبرز حركات تشرين السياسية التي تشكلت حديثاً، أعلن في بيان انه “سينتهج سبلاً جديدة وآليات مغايرة لإعادة الضغط الجماهيري بطرق قانونية ومشروعة”، داعياً بعثة الأمم المتحدة في العراق إلى “تحمل المسؤولية تجاه ما يحدث وأن لا تسلك أسلوب البيانات والأرقام”.

السياسي فائق الشيخ علي، الذي كان يعتزم الترشح للانتخابات، أعلن بشكل واضح انسحابه من الانتخابات النيابية المقبلة والتهيؤ الى ما سماه “إكمال مسيرة الثورة ضد إيران وميليشياتها”.

رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، كلّف وزير الداخلية التحقيق في ملف مقتل الوزني والكشف عن ملابسات الحادث، إلا أن التوجيه الحكومي هذا واجه انتقاداً واسعاً من قبل عشرات المتظاهرين، فهم يرون أن لجان التحقيق المشكلة من الحكومات الحالية والسابقة، لم تفعل سوى تدوين المحاضر، من دون الوصول إلى نتائج ملموسة، إذ لم تصل التحقيقات الى الكشف عن ملابسات مقتل أكثر من 800 متظاهر وناشط وصحافي منذ تشرين الأول  2019. 

ولم تكد دماء وزني تبرد على أرض كربلاء، حتى سال دم الإعلامي أحمد حسن في النجف، بعد تعرضه لإطلاق نار مشابه من قبل مسلحين أمام منزله، أصابوه برصاصتين في الرأس، لينقل بعدها بحال حرجة إلى أحد مستشفيات بغداد، حيث يصارع الموت، بعد تدخل جراحي لمحاولة إنقاذ حياته. ويأتي هذان الاستهدافان بعد مرور أيام على اليوم العالمي لحرية الصحافة، وكان العراق احتل المرتبة 163 في مؤشر حرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومات، بحسب “المرصد العراقي للحريات الصحافية”. ويرى الناشط المدني محمد ياسر أن هاتين العمليتين تأتيان في سياق خلق فوضى، تناسب أولئك الذين لا يروق لهم استقرار البلد، فضلاً عن عملهم على ترهيب النشطاء وتكميم الأفواه المنادية بالحقوق المسلوبة، متوقعاً أن تتكرر هذه المآسي، متهماً الحكومة بالتواطؤ، لأنها لم تكشف القتلة ولم تحاسب الميليشيات والذين يقفون وراءها.

موقف ياسر الممتعض ينسحب على معظم شباب مدينة كربلاء من المنتفضين على الفساد وسلطة الميليشيات، إذ يتحدث الناشط علي الخيال عن نفوذ كبير للإيرانيين داخل المدينة، وقدرة كبيرة على التحكم بمفاصل الدولة. فيما يرى المتظاهر حسن العراقي أن اغتيال وزني محاولة لإنهاء حراك تشرين عبر ترهيب النشطاء والمتظاهرين، لكن الرياح التشرينية تأتي دائماً بعكس ما تشتهي سفن قراصنة الميليشيات، التي تعجز عن السيطرة على هياج بحر الناس الغاضبين.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
طوال نحو عام، اعتاد المحتجون، الذين اعتصموا بالآلاف في ساحة التحرير أو كانوا يتجمعون في محيطها، على مشاهد الموت وسقوط رفاقهم بالرصاص الحي وقنابل الغاز وبأسلحة القنص، حتى تجاوز عدد القتلى 560 والجرحى العشرين الفاً.
Play Video
حملة ترحيب رافقت تولي نفتالي بينيت رئاسة الحكومة في إسرائيل خلفاً لبينيامن نتنياهو على اعتبار أنها حكومة مركز ويسار! إلا أن اليسار الإسرائيلي أصلاً صار الحلقة الأضعف بالمشهد السياسي الإسرائيلي… حازم الأمين يُناقش.

03:44

Play Video
بعد أن دُقّ “جرس الانذار” مهدداً بغياب الانترنت، ازدادت مخاوف اللبنانيين من الانقطاع عن العالم الخارجي… فكيف سيبدو المشهد في لبنان بلا انترنت؟

2:08

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني