fbpx

محاكمة “كوبلنز”: الشهادة الزائفة والتلفيق وحكائيّة “الحقيقة”

تظهر الإشكاليات حول التلفيق حين يتعلق الأمر بالأحداث الكبرى، أو الأحداث الاستثنائية التي تمسّ الجميع (حرب أهلية، إبادة، ثورة...)، هذه الأحداث التي يهيمن فيها الخطر على كل الموجودين، ويقسمون بسببه إلى أطراف تصل حدّ العداوة...

فتحت محكمة “كوبلنز” في ألمانيا الباب أمام السوريين، الذين هجّروا وتعرضوا للعنف المباشر، كي يقدموا شهاداتهم ضمن فضاء تحقيق العدالة.

الحكايات والنصوص التي شهدتها المحكمة وهي لا تساهم في إدانة النظام السوري دولياً و ملاحقة مرتكبي الجرائم، وحسب، بل أيضاً في تكوين جسد من الشهادات والحكايات يمتلك شرعيّة الإدانة، وتوجيه الاتهام، والأهم، تشريح بنية النظام السوري الداخليّة، وماكينة الموت التي يديرها، خصوصاً حين نتحدث عن شهادات الناجين. في هذا السياق، أكسبت الشهادة صاحبها شهرة ومكانة من نوع ما، وحتى قبل المحاكمة، أن يكون الواحد شاهداً وناجياً يعني حكايةً تستحق الوقوف عندها، مهما كان الشكل الذي ظهرت فيه، نص، فيلم، رواية. 

غواية الشهادة ولو كان في الكلمة مبالغة، والرغبة بالانتماء إلى جسد الحكايات السابق، أشعلتا مخيّلة كثيرين، وظهرت شهادات أثيرت حولها شكوك كثيرة.

قبل سنوات انشغل سوريون بما فعله السوري محمد بيازيد الذي رتب محاولة اغتيال وهمية لأجل نيل الشهرة. وفي الفرة الأخيرة، وفي السياق ذاته، لاحقت الاتهامات أيضاً فراس فياض، المخرج المعارض المعروف الذي شهد ضد أنور رسلان أحد المتهمين الأساسيين في محكمة كوبلنز بارتكاب جرائم حرب.

ظهرت مقاربات لشخصيات حقوقية وازنة تتهم فياض بالكذب والتزوير، أي أن شهادته وما يدّعيه من حقائق حول اعتقاله وحياته الشخصية مجرد تلفيقات لنيل الشهرة. 

هناك أيضاً “شهادات” هامشيّة، أعني تلك التي لا يُقدمها أشخاص ينتمون للفضاء العام، نصوص وحكايات ممن اختبروا الحدث الاستثنائيّ، والتي تشكل في مجموعها “الحقائق الكبرى”، ونستخدم صيغة الجمع للإشارة إلى الحقيقة هنا، لأننا أمام مجموعات من الحكايات قد تختلف وتتناقض بصورة جذرية، ولكل واحدة منها مكوناتها من خبرة شخصية ووقائع تاريخيّة، كما في حكايات الثورة في سوريا، وحكايات الحرب الأهلية في لبنان وغيرها من النصوص التي تدور حول الحدث الاستثنائي. 

ضمن النصوص/ الحكايات السابقة تظهر الشهادات الزائفة تلك التي يقدمها أفراد يحاولون الانتماء إلى الحدث الجلل وخلق سيرة لأنفسهم ضمنه، أو إنتاج سيرة مغايرة لما شهده من كان حولهم أو من يدركون الوقائع وحيثيات هذا الحدث، ولا نحاول هنا أن نقارن بين الضحية والجلاد، أو بين القاتل والناجي، بل نناقش النوع الحكائي نفسه، الشهادة الوهميّة، وادعاء الحقيقة الصادر عن الشخص الذي  يقول إنه “رأى”  الحدث و”اختبره”، وقدم لاحقاً ما يراه “حقيقة”، كما لا نسعى إلى مواجهة “التلفيق” بـ”الوقائع”، أو كشف الزيف والكذب، بل فهم هذا النوع من النصوص وحركتها. 

تتحرك الشهادات الزائفة بين الشخصي والعموميّ، وتدور حول الحدث الجلل الذي قسّم الناس، لتأتي الشهادة لترسيخ هذا التقسيم ورسم دور الفرد ضمنه. هي أسلوب يختزن الأيديولوجيا والمعرفة، كما أنها تداعب الضمير وتمهد الطريق نحو الخلاص الفردي، ما يعني أن هذه الشهادة ليست للتاريخ فقط، أو محاولة لتحديد الحقيقة الصرفة، أو العارية، بل تساهم في رسم وضعية الفرد كـ”ناج، ضحيّة، جلاد، قاتل متستّر، باحث عن الشهرة…”، كلها تعريفات تساهم “الشهادة” في نفيها أو تثبيتها. 

غواية الحكاية ولا نهائية الاستثناء 

تظهر الإشكاليات حول التلفيق حين يتعلق الأمر بالأحداث الكبرى، أو الأحداث الاستثنائية التي تمسّ الجميع (حرب أهلية، إبادة، ثورة…)، هذه الأحداث التي يهيمن فيها الخطر على كل الموجودين، ويقسمون بسببه إلى أطراف تصل حدّ العداوة، ولكل حكايته في علاقته مع هذا الحدث،  والمسافة التي يأخذها منه، نستخدم لفظ الأحداث الاستثنائيّة، كوننا أمام “حكايات” متعددة تنشأ بسبب غياب الإجماع حول ما حدث وأسبابه، لكن “الكل” ممسوس من قبله، كحالة الهولوكوست والثورة في سوريا والمجازر في لبنان. وكل فريق سواء كان مكّذباً أو مصدقاً على مسافة من الحدث الاستثنائي بصورة ما، هذه المسافة  تحدد تعريفه العلنيّ أمام الآخرين وأحياناً أمام السلطة، التي يصل بها الأمر حداً مأساوياً وساخراً حين تجبر البعض على تقديم شهادات تناقض ما حصل، وبثها على التلفزيون الوطنيّ بوصفها شهادة فرديّة رسميّة تنافي ما قاموا به أو ما قالوه سابقاً. 

يظهر هنا الابتداع أو تلفيق حكاية شخصية ضمن الوقائع الكبرى، كجهد حكائي بامتياز، وهذا ما يشير إليه ميشيل أجير في كتابه “تعريف اللاجئين”. ففي سياق حديثه عن حكايات اللجوء، بصورة أدق، الحكاية التي يقدمها كل طالب لجوء إلى الدولة، على الفرد تقديم شهادة ذاتيّة، يوضح فيها الخطر الذي وقع أو سيقع عليه شخصياً دون أي شخص آخر، حتى لو كان يقف بجانبه، وهنا تظهر تقنيات السرد، كيف يثبت الفرد أن حياته في خطر مباشر يمسّه هو شخصياً فقط إلى حد يدفعه إلى مغادرة بلده؟ 

تتطلب هذه “الحكاية” التي تدّعي الحقيقة خلق سياق شخصي يظهر فيه الخطر العام كأمر آني وطارئ ومهمين ولا يمكن تفاديه، وهنا لا يمكن رصد الحقيقة من الوهم بدقة، ولا نحاول هنا التكذيب، لكن اللبس بين “الوقائع” و”الأوهام” واسع في بعض الحالات، وأحياناً لا يمكن التأكد منه، لأنه يرتبط بجسد الشخص وما رآه، وحسب، والأهم هو معيار مدى تطابقه مع “الحقائق” واختلافه معها. هذا اللبس يتحرك بين “التلفيق” و”خيانة الشاهد”، أي تلك اللحظات التي لا يمكن للشخص أن يتأكد منها، أو لم يشهدها بدقة، تلك الفجوات في الحكاية التي تخون فيها الحواس الفرد، ويقف محتاراً، هل فعلاً شهد لحظة القتل أو لا، هل كان متيقناً أن ذاك هو نفسه الذي عذبه أم لا؟

هنا تتفعل غواية الحكاية ضمن الشهادة، تلك التي تكسبها شكلاً وأسلوباً يجعلانها تنتمي إلى “الحقيقة”، وتظهر التقنيات السردية هنا بوضوح مع المحافظة على مركزية الحدث الاستثنائي وأسلوب تقديمه، كأن تملأ الفراغات في الشهادة بتفاصيل متعددة، وأن يقاس الزمن بأحداث شخصية ذات علاقة مع العمومي، لا عبر تدفقه اللانهائي الذي لا يمكن رصده أو ضبطه. 

إقرأوا أيضاً:

النذل البراغماتي 

تفترض الشهادات الزائفة منفعةً ما، سواء كانت ذاتية، كتطهير الضمير أو الكسب المادي، أو الدخول ضمن تعريف مؤسساتي “لجوء، حماية… إلخ”، أو منفعة عامة، كتحقيق العدالة، أو كشف الحقيقة، وفي الحالتين يعاد رسم الصورة العلنيّة عن الشخص والمساهمة في إنشاء الحقيقة الجمعيّة، وهنا يظهر مفهوم براغماتية الحكاية، أي تصميم النص وما فيه من عناصر شخصية وعلنية لتتوافق مع الهدف، مع من يقرأ الشهادة، “محكمة، مؤسسة مسؤولة عن اللجوء، صحافي…”. 

 هذا الأثر الواقعي هو ما يبيح اتهام صاحب الشهادة الزائفة بالنذالة، لا بسبب المنفعة التي سينالها وحسب، بل أيضاً بسبب التلاعب بالحكاية الكبرى، تلك التي يفرض الشخص ذاته ضمنها تلفيقاً، عبر ابتداع أحداث تنافي الحقيقة أو لا يمكن إثباتها، كما يحصل حين يدعي البعض أن النظام السوري اعتقله، في بعض الأحيان لا يمكن التحقق من هذا الادعاء، اختفاء أحدهم لا يعني اعتقاله والعكس صحيح، ويمكن إحكام حكاية ما لإظهار هذا الحدث كحقيقة لا يمكن الجدل بها، إلا ضمن الاتهام بالكذب من دون أي دليل. 

الإشكاليّة أن صيغة الشهادة في هذه الحالة تفترض الحقيقة التي لا جدل فيها، لكنها أيضاً نداء، يُلبى إما بالتصديق أو التكذيب، وكل واحدة من هذه الجهود الحكائيّة تقدم حقائقها، لكن مع الإتقان (أو الحماقة) تختفي الحقيقة على حساب السرد، وهذا ما يتضح في الجدل حول المخرج السوري فراس فياض و”حقيقة” شهادته ضد أنور رسلان في المحكمة في كوبلنز. 

القراءة المؤسساتيّة: الحقيقة كمنتج حكائي 

تتعاظم الحكايات والشهادات حتى تكوَن الحقيقة، كحالة الهولوكست، هناك تواطؤ على “الحكاية” أنتج حقيقةً تاريخيّةً، يقاس عبره العالم لاحقاً ويقسم إثرها الأفراد،  ويتكرر الأمر الآن، “الحقائق” التي أنتجت من شهادات السوريين وشكلت حكاية الثورة، تنسحب خارج المحاكم وبعيداً مفاهيم العقاب والمحاسبة، نحو وضعية هؤلاء الناجين، حكاياتهم وتراكمها تشكل المعايير التي يعرفون ضمنها في البلد المضيف، أي أن تعاضد الحكايات المخابراتية وحكايات اللاجئين، يتحول إلى معيار لاحقاً لقياس مدى “حقيقة” الشهادة، وإن كانت وهمية أو لا. وهذا أيضاً ما يشير إليه أجير في الكتاب سابق الذكر، إذ يتحدث عن “اللاجئ الكاذب” أو “اللاجئ المزيف”، ذاك الذي قدم حكاية لا تتوافق مع “الحقيقة” أو تمتلك كل خصائص الحقيقة، لكن هناك شكّ حولها، يناقش أجير هذا المفهوم، كونه يهدد لاحقاً أعداد اللاجئين الذين يتم قبولهم، والاختلاف بين من ينال حماية أو لجوء سياسياً. 

هنا يظهر أثر تراكم الحكايات وسياسيّة العلاقة بين “التلفيق” وبين “الحقيقة”، ليتحول إنتاج الشهادة إلى جهد سرديّ، يتطلب فهم الحقائق المتداولة وإنتاج “الأنا” ضمنها، تلك الأنا، التي لا تواجه/ واجهت الخطر وحسب، بل أيضاً تقف على مسافة من الحقيقة الجمعية، بل تلك المتداولة والمعترف بها، وهنا يمكن القول، إن الإتقان السرديّ عامل جوهري في إنتاج الشهادة كي تكون ذات أثر، إذ لا تكفي كلمات: “تم اعتقاليّ وتعذيبي وأريد طلب اللجوء”، هذه الجملة لا تعني شيئاً، (باستثناء الأقليات في حالة فرنسا). 

المؤسسات التي تقرأ الشهادات تكوّن آراء قد تصل إلى حد قرار سياسيّ، وهنا نعود إلى ادعاء الصدق الذي لا يكفي في هذه الحالات، بل يجب أن تنتمي الحكاية إلى معايير الجماعة وما اتفقت على صدقه وتتبنى تقنيات سرديّة محددة، والزيف هنا يظهر كخيانة بمعناها المجازي، كونه يؤخذ في الاعتبار وتتحول الأرقام والإحصاءات التي تشير إلى الزائف إلى قرار سياسي، وتصريحات تتهم اللاجئين بـ”الكذب” وتدعو إلى إصلاح مؤسسة اللجوء كونها تمنح هذا الحق لمن لا يستحقه، العبارات التي يتغنّى بها اليمين المتطرف ويهدد بها الأجانب على أرضه. 

نحن أمام صراع حكايات تكتسب أهميتها من تراكمها وتشابهها لا من فرادتها، خصوصاً أنها شهادات غير مصحوبة بأدلة دامغة في أحيان كثيرة.

المثير للاهتمام أن “الشكل” هو المهيمن، وعناصر السرد هي التي تكسب الحقيقة سطوتها، وهنا تظهر سذاجة بعض الملفقين، وأحياناً احترافهم، وهذا ما نراه في الجهد الذي يبذله بعضهم لإعادة النظر في تاريخهم الشخصيّ والعلنيّ، لضبط الوقائع وترتيبها ضمن الشكل الحكائي. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
طوال نحو عام، اعتاد المحتجون، الذين اعتصموا بالآلاف في ساحة التحرير أو كانوا يتجمعون في محيطها، على مشاهد الموت وسقوط رفاقهم بالرصاص الحي وقنابل الغاز وبأسلحة القنص، حتى تجاوز عدد القتلى 560 والجرحى العشرين الفاً.
Play Video
حملة ترحيب رافقت تولي نفتالي بينيت رئاسة الحكومة في إسرائيل خلفاً لبينيامن نتنياهو على اعتبار أنها حكومة مركز ويسار! إلا أن اليسار الإسرائيلي أصلاً صار الحلقة الأضعف بالمشهد السياسي الإسرائيلي… حازم الأمين يُناقش.

03:44

Play Video
بعد أن دُقّ “جرس الانذار” مهدداً بغياب الانترنت، ازدادت مخاوف اللبنانيين من الانقطاع عن العالم الخارجي… فكيف سيبدو المشهد في لبنان بلا انترنت؟

2:08

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني