fbpx

النيابة العامَّة اللبنانيَّة تحظر متابعيها على “تويتر”… هل هذا دستوري؟

الانتقاد اللاذع للنيابة العامَّة اللبنانيَّة، حتَّى ولو تضمَّن شيئاً من القدح والذم، يبقى ضمن حدود الحق في حريَّة الرأي والتعبير ولا يُمكن اعتباره جرماً...

أثارت التغريدة التي نشرها الحساب الرسمي للنيابة العامَّة اللبنانيَّة على “تويتر” والتي نصَّت على “شكراً لكل من يغرد بذوق ويعلق بأدب ويناقش باحترام دون استهزاء أو سخرية”، الاستهجان الذي وصل إلى حد السخرية من تغريدة كهذه صادرة عن جهة محدَّدة مهمتها السهر على ضمان مصالح اللبنانيين واللبنانيات. وهي، أي التغريدة، وإن كانت لا تتعارض مع القوانين المرعيَّة الإجراء، إلَّا أنَّها ليست نصاً قانونياً لا تمكن مخالفته.

الاستهجان والسخرية من هذه التغريدة دفعا بالقيميين على الحساب إلى حظر عدد من مستخدمي “تويتر” ومتابعي الحساب نفسه من القدرة على ممارسة حقهم/ن في الوصول إلى المعلومات التي تنشرها النيابة العامَّة؛ علماً أنَّ الأخيرة ملزمة بنشر نوع محدَّد من المعلومات بموجب الفصل الثاني “موجب النشر حكماً” من القانون رقم 28/2017 قانون الحق في الوصول إلى المعلومات.

وفي تبرير هذا الحظر، غرَّد حساب النيابة العامَّة بالقول “الحساب الرسمي للنيابة العامة يحظر جميع المغردين الذين يخالفون قواعد التغريد على صفحة النيابة العامة سنداً لقواعد استعمال وسائل التواصل الاجتماعي من قبل القضاة الموضوعة من قبل الامم المتحدة”.

إنَّ أي شخص يتعاطى في الحد الأدنى مع وثائق الأمم المتحدة المتعلِّقة بحقوق الإنسان يُصاب بالذهول لما ورد في هذه التغريدة بحيث يُصبح أمام حلين، إمَّا التشكيك بالذات وبالمعلومات التي يملكها هذا الشخص حول الحق في حريَّة الرأي والتعبير وحدوده واستثناءاته، أو بالاستنتاج أنَّ الأمم المتحدة تخلَّت عن كل ما عملت من أجله خلال السنوات الـ75 الماضية من إقرار للإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة، لا سيَّما المادَّة 19 منهما، إضافة إلى التعليقات العامَّة التي تصدر عن لجنة حقوق الإنسان في جينيف؛ فمن غير المألوف للأمم المتحدة أن تتبنَّى أي إجراءات تنتهك حقاً أساسياً من حقوق الإنسان.

وبالفعل، فإنَّهُ بعد الاطلاع على “الارشادات التوجيهيَّة غير الملزمة بشأن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من قبل القضاة“، التي تمَّ وضعها في اجتماع فريق الخبراء الذي عُقد في مقر الأمم المتحدة في فيينا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018 وبعد الغوص في مقدِّمة الوثيقة وديباجتها والإرشادات الستة التي تحتويها يُمكن استخلاص أمرين. أولاً، إنَّ الإرشادات موجهة إلى القضاة كأفراد حول كيفيَّة استخدامهم/ن لمواقع التواصل الاجتماعي، وفي بعض المواضع فقط توجَّهت إلى الأجهزة القضائيَّة، إلَّا أنَّ ذلك اقتصر على دعوتها إلى تدريب القضاة على الالتزام بالإرشادات. ثانياً، لا يُمكن إيجاد أي نص يتعلَّق بحظر مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الذين يتفاعلون مع القضاة، لا بل على العكس من ذلك، فإنَّ الإرشاد الثالث “المضمون والسلوك على مواقع التواصل الاجتماعي”، الفقرة 22 منه، تنصُّ على أنَّهُ “إذا تعرَّض القاضي للإهانة أو الإساءة عبر الإنترنت، فيجب عليه/ عليها طلب المشورة من كبار الزملاء القضائيين أو عبر الآليَّات الأخرى القائمة في السلطة القضائيَّة ولكن ينبغي عليه الامتناع عن الردّ بشكل مباشر…”.

وبالتالي، فإنَّ ما ورد ضمن تغريدة النيابة العامَّة اللبنانيَّة لجهة الاستناد إلى الإرشادات يتنافى وهذه الإرشادات، اللهم إلَّا إذا كانت هنالك وثيقة أخرى مخفيَّة لا يُمكن الاطلاع عليها.

اجتهدت المحاكم اللبنانيَّة بشكل مكثَّف للوقوف سدَّاً منيعاً في وجه تعسُّف النيابات العامَّة في ملاحقة أصحاب الرأي في الكثير من الأحكام.

ماذا عن حرية التعبير؟

هذا في الشكل، أمَّا في المضمون، فهل يجوز للحساب الرسمي للنيابة العامَّة حظر المستخدمين دستوريَّاً و/أو قانونيَّاً؟! ألا يتعارض ذلك مع الحق في حريَّة التعبير؟!

أول ما يجب الالتفات إليه عند الحديث عن الحق في حريَّة التعبير في لبنان هو الدستور، ففي مقدِّمته، التي هي جزء لا يتجزأ منه ولها القيمة الدستوريَّة بحسب المجلس الدستوري، يضمن الدستور اللبناني الحق في حريَّة التعبير من خلال إلزام الدولة اللبنانيَّة بكامل سلطاتها بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يضمن هذا الحق، إضافة إلى أنَّ طبيعة النظام اللبناني الـ”جمهوريَّة ديمقراطيَّة برلمانيَّة”، تكفل هذا الحق أيضاً وهو ما استقر عليه الاجتهاد الدولي والأجنبي. كما أنَّ المادَّة ٧ من الدستور تحدِّد بأنَّ اللبنانيين واللبنانيات يتمتعون بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة، بالإضافة إلى المادَّة 13 التي تكفل حريَّة إبداء الرأي.

أمَّا على صعيد الاتفاقيَّات، فالدولة اللبنانيَّة كانت قد صادقت على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة عام 1972 الذي يكفل في المادَّة 19 منه الحق في حريَّة الرأي والتعبير، وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى المادَّة الثانية من قانون أصول المحاكمات المدنيَّة اللبناني تقدِّم الاتفاقيَّات الدوليَّة على القوانين اللبنانيَّة في التطبيق عند تعارضها.

وفي تطبيق هذه النصوص اجتهدت المحاكم اللبنانيَّة بشكل مكثَّف للوقوف سدَّاً منيعاً في وجه تعسُّف النيابات العامَّة في ملاحقة أصحاب الرأي في الكثير من الأحكام، نذكر منها حكمين، الأول لتبيان مدى حدود الحق في حريَّة التعبير، والثاني لتبيان عدم قدرة الإدارة العامَّة؛ بحسب مفهوم المادَّة الثانية من قانون الحق في الوصول إلى المعلومات، في التعسف في استخدام سلطتها في وجه المواطنين والمواطنات.

أولاً:

 الحكم الصادر من محكمة المطبوعات لمصلحة جريدة “نداء الوطن” ضد النيابة العامة عندما ادعت الأخيرة على الجريدة بمناسبة افتتاحيتها بتاريخ 12/9/2019، تحت عنوان “سفراء جدد في بعبدا… أهلاً بكم في جمهورية خامنئي”.

فقد قضت المحكمة بأنَّهُ لـ”حرية الصحافة والتعبير قيمة عالمية لا بل قيمة دستورية لا يمكن للمشرع ان يقوّضها إلا بقدر ما يحتاج إليه النظام الاجتماعي من حماية وكرامة الإنسان واعتباره من احترام”، وذلك تأسيساً على التزامات الدولة اللبنانيَّة الدوليَّة إن كان لجهة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة، إلى جانب أخذها، استئناساً، بالمادة 11 من إعلان الثورة الفرنسيَّة لحقوق الإنسان والمواطن، والمادة العاشرة من الاتفاقيَّة الأوروبيَّة لحقوق الإنسان.

وأضافت المحكمة أنَّهُ “انطلاقاً مما تقدم لا يكون مبدأ حرية الصحافة والتعبير المكرس دستورياً على إطلاقه، بل يبقى مقيداً ضمن نطاق القوانين العامة وضمن أطر الاحترام وعدم المس بكرامة الأخرين وعدم ذمهم وتحقيرهم أو تناولهم بما يخدش اعتبارهم الاجتماعي والخاص، مما يوجب التوفيق بين حرية التعبير واحترام كرامة الإنسان وبين حرية الصحافة واحترام الحياة الخاصة، وبين حق النقد المعطى للصحافيين وحق الإنسان في معرفة الحقيقة وبين حماية الحريات الفردية، وفي هذا السياق تعتبر الحريات هذه أساسية ولا غنى عنها من أجل الأداء الطبيعي لمجتمع ديمقراطي، وتتطلب حماية هذه الحريات والحقوق البحث الدائم عن توازن لا غنى عنه ودقيق في تحديده”.

وقد أضافت المحكمة أنَّ المادَّة 23 المدعى بها، من قانون المطبوعات، التي تمنع التعرض بالذم والقدح والتحقير لرئيس الجمهوريَّة وهي موازية للمادَّة 26، من قانون حريَّة الإعلام الفرنسي، والتي كان قد تم إلغاؤها تماشياً مع المنحى الذي انتهجته المحكمة الأوروبيَّة لحقوق الإنسان في القضايا التي تدور حول تعرض العامَّة والصحافة لرؤساء الجمهوريَّة.

إقرأوا أيضاً:

وقد تخطَّت المحكمة ذلك الحق لتقول إن “هذا الامتياز الخارق للقانون الوضعي الممنوح لرئيس الجمهورية (Un statut exorbitant du droit commun) بسبب وظيفته ليس من شأنه أن يحدّ الصحافة من توجيه نقد سياسي له باعتباره رجل الدولة الأول ورمز وحدة الوطن. ويعود له رسم السياسة التوجيهية للبلاد بما يضمن وحدتها، فدور الصحافة هنا أساسي لبناء دولة القانون حيث توفر حرية الصحافة للرأي العام وللمواطنين طريقة من أنجع الطرق لمعرفة أفكار ومواقف قادتهم والحكم عليها، وتتيح للسياسيين على وجه الخصوص فرصة للتفكير والتعليق على مخاوف الرأي العام وتسمح للجميع بالمشاركة الحرة في الجدل السياسي الذي يقع في صميم فكرة المجتمع الديمقراطي”.

لم تكتف المحكمة بذلك فقد استندت أيضاً إلى الفقرة (ب) من مقدمة الدستور اللبناني والمادة 13 منه، وقد ذهبت أبعد من ذلك تماشياً مع الاجتهاد الدولي وتعليقات لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، للقول بأنَّه “بات من المكرس في الاجتهاد الدولي أنه في مجال الخطاب السياسي لا يترك مساحة تذكر لفرض قيود على حرية التعبير وأن حدود النقد المسموح به تضحي أوسع في المسائل التي تهمّ الشأن العام أو القضايا المتعلقة بمواقف رجال السياسة وأشخاص القانون العام”.

تكمن أهمية هذا الحكم بأن المحكمة أخذت بالتفسير الواسع والمعتمد دولياً للحق في حرية الرأي والتعبير واستندت في ذلك إلى الدستور اللبناني والقانون الدولي وذلك ما يتماشى مع المادة الثانية من قانون أصول المحاكمات المدنية التي تقدم تطبيق القانون الدولي على القانون الوطني في النظام القانوني اللبناني عند التعارض.  كما أنَّ المحكمة حدَّدت بأنَّ أي شخص عام، حتى ولو كان رئيس الجمهورية، خاضع للنقد السياسي ولا يتمتع بحصانة مطلقة تمنع عنه الانتقاد.

قياساً على ذلك، فإنَّ الانتقاد اللاذع للنيابة العامَّة اللبنانيَّة، حتَّى ولو تضمَّن شيئاً من القدح والذم، يبقى ضمن حدود الحق في حريَّة الرأي والتعبير ولا يُمكن اعتباره جرماً. علماً أنَّ القيمة الدستوريَّة لموقع رئاسة الجمهوريَّة أكبر من تلك الخاصَّة بإدارة كالنيابة العامَّة.

لعلَّه من الأفضل للنيابة العامَّة التركيز على ملفَّات الفساد الملحَّة والإخبارات التي تقدَّم إليها بشكل شبه يومي حول جرائم واقعة على المال العام وبحق الإدارة العامَّة وذلك بدل حفظها.

ثانياً:

الحكم الصادر من القاضي المنفرد المدني في بيروت الناظر في قضايا الأمور المستعجلة لمصلحة “شركة مر تلفزيون ش.م.ل. (MTV)” ضد الدولة اللبنانيَّة – المديريَّة العامَّة لرئاسة الجمهوريَّة، على إثر منع الأخيرة فريق عمل MTV من دخول القصر الجمهوري.

فقد قضت المحكمة بكسر قرار المديريَّة العامَّة لرئاسة الجمهوريَّة في منع فريق عمل MTV من دخول القصر الجمهوري وذلك على إثر استناد وكيل MTV على الحق في حريَّة الرأي والتعبير المكرَّس في الدستور اللبناني وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وقد كان هذا الحكم متماشياً مع الاجتهاد الدولي والأجنبي لجهة حق المواطنين والمواطنات في الاطلاع والوصول إلى المعلومات التي بحوزة الإدارة العامَّة بأي وسيلة قانونيَّة أو حق المواطنين والمواطنات في المشاركة ضمن النقاشات التي تدخل الحيِّز العام. وليس ببعيد قرار محكمة الاستئناف في الولايات المتحدة الأمريكيَّة للدائرة الثانية الذي قضى بأنَّ حظر الرئيس ترامب عدداً من المتابعين لحسابه الشخصي هو انتهاك للتعديل الأول للدستور الفيدرالي الأمريكي الذي يضمن الحق في حريَّة التعبير إلى جانب حقوق أخرى متصلة، وذلك لكون الرئيس ترامب كان يستخدم حسابه الشخصي في نشاطات رسميَّة وبالتالي يحق لجميع المواطنين والمواطنات الأميركيين الاطلاع على محتوى هذا الحساب لتمكينهم/ن من المشاركة في النقاشات التي تدخل الحيِّز العام.

تكمن أهميَّة هذا الحكم في أنَّهُ منع الإدارة من التعسُّف في استعمال سلطتها للحد من، وتقييد الحق في حريَّة الرأي والتعبير. إذ إنَّ ما يُعطيه القانون من صلاحيَّات لجهة رسميَّة معيَّنة يكون بهدف تحقيق مصالح المواطنين والمواطنات لا بهدف تقويض حقوق هؤلاء.

إنَّ هذا العرض الموجز لحدود حريَّة الرأي التعبير بحق أشخاص القانون العام، يُبيِّن انعدام قدرة هؤلاء الأشخاص على حرمان المواطنين والمواطنات من المشاركة في النقاشات التي تدخل الحيز العام، وإلَّا اعتبر ذلك تعسّفاً في استخدام السلطة. ويُبيِّن أيضاً ضرورة احترام الحق في الوصول إلى المعلومات الذي هو حق أساسي من حقوق الإنسان متفرِّع عن الحق في حريَّة الرأي والتعبير.

كل ذلك، يجب أن يكون الموجِّه الأول لعمل النيابة العامَّة اللبنانيَّة. فبدل التلهي في ملاحقة أصحاب الرأي والعمل على إسكاتهم/ن بشتَّى الوسائل القانونيَّة وغير القانونيَّة وغير الدستوريَّة حتَّى. لعلَّه من الأفضل للنيابة العامَّة التركيز على ملفَّات الفساد الملحَّة والإخبارات التي تقدَّم إليها بشكل شبه يومي حول جرائم واقعة على المال العام وبحق الإدارة العامَّة وذلك بدل حفظها، للتفرّغ لأصحاب الرأي الذين يُعبِّرون عن آرائهم/ن ضمن الحدود التي كفلها لهم/ن الدستور وما أكَّده اجتهاد المحاكم اللبنانيَّة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي نور الدين – صحافي لبناني
ثمّة ما يكفي من أسباب للقلق من دخول “مجموعة أم 1” المملوكة من آل ميقاتي إلى ميانمار كبديل عن شركة “تيلينور” النرويجيّة، خصوصاً أن علاقة العائلة مع الأنظمة المستبدة والأسواق غير الشفافة لم تقتصر على الربح السريع الناتج عن انعدام المنافسة والشروط المجحفة بحق المستخدمين…
Play Video
روان مستو، شابة سورية كانت تعمل نادلة في مقهى في الجميزة يوم 4 آب. قتلت خلال عملها هناك وفُرضت على مأساة مقتلها بالانفجار تعقيدات وأثماناً مضاعفة، سواء لصعوبة دفنها بداية ولاحقاً العجز عن تحقيق مسار محاسبة حقيقي.

3:15

Play Video
تحاول السلطة في لبنان النجاة مرة ثانية من جريمة انفجار مرفأ بيروت، فحتى الآن لم تتقدم الدولة اللبنانية خطوة في مسار التحقيقات، ولم يحال أي مسؤول الى المحاسبة. الهجرة بالنسبة لـ “ميراي خوري” هي محاولة للنجاة بعدما خسرت ابنها الياس الذي لم يكن تجاوز السادسة عشرة لحظة الانفجار.

4:000

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني