fbpx

تغير المناخ مشكلة وجودية… هل حان وقت الاستماع للعلم؟

يتمثل التحدي الرئيسي أمام القرارات "الواعدة" في مساعدة الدول الفقيرة من ناحية الموارد الطبيعية المتجددة من جانب والموارد المالية والتكنولوجيا الحديثة من جانب آخر، علاوة على المناطق التي تفتقد للاستقرار السياسي والأمني مثل الشرق الأوسط...

بعد سنوات من إعلاء شأن الخرافة والمعلومات المضللة خلال عهد دونالد ترامب، هل حان وقت الاستماع للعلم؟

ففي خطوة، تعد غير مسبوقة، تعهد الرئيس الأميركي جو بايدن في مؤتمر القمة العالمية حول المناخ، بتخفيض حاد للغازات الدفيئة الناتجة عن قطاعات الصناعة والنقل والطاقة والممارسات الزراعية. وأعلن الرئيس الـ46 للولايات المتحدة الأميركية عن قطع 50 إلى 52 في المئة من غازات الاحتباس الحراري بحلول 2030 على المستوى الوطني، داعياً الاقتصاديات الكبرى حول العالم لتحذو الحذو ذاته. “لقد حانت ساعة الاستماع للعلم”، افتتح بايدن بهذه الجملة قمة قادة العالم لمواجهة تغير المناخ، واضعاً بذلك رؤية علماء أميركا والعالم فوق منصة قيادة العالم. وفي إشارة إلى الفيضانات، الجفاف، حرائق الغابات، موجات الحر، الأعاصير وآثارها على الصحة العام، أضاف الرئيس الديموقراطي، “لا يمكن إنكار العلامات، لا يمكن انكار العلم”. 

وعلى رغم الإعلان الأميركي التاريخي لخفض الغازات الدفيئة، تبقى تعهدات دول الاتحاد الأوروبي طموحة أكثر من ذلك، إذ ينوي أعضاء الاتحاد خفض الكاربون بمقدار 55 في المئة في الفترة ذاتها، وقال رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي بهذا الخصوص “علينا التحرك الآن وليس الندم في ما بعد”. وجاء القرار الأكثر طموحاً من قبل الحكومة البريطانية، إذ أعلن رئيس وزرائها بوريس جونسون في المؤتمر عن قطع 78 في المئة من الكاربون بحلول عام 2035، أي أن المملكة المتحدة مؤهلة للتخلص من الكاربون واعتماد الطاقة النظيفة حتى قبل دول الاتحاد الأوروبي. وكان اللافت في المؤتمر إعلان المملكة السعودية عن خفض الكاربون بنسبة 50 في المئة خلال العقد المقبل، بخاصة أنها دولة نفطية بامتياز.

ولكن ماذا يعني ذلك؟ وكيف تتم ترجمة القرارات المتخذة “الواعدة” على أرض الواقع، وما هي القطاعات التي تشملها؟ وهل يضمن خفض الكاربون إبقاء درجات الحرارة تحت 2.0 درجة مئوية، والأمثل في تخوم 1.5 درجة مئوية؟  وكيف تتأثر السياسات المناخية بالتباينات الدولية، ليس بسبب الصراعات والمصالح فحسب، بل حتى بسبب التفاوت في توليد الكاربون ونسبة الخفض، ناهيك بقدرة الدول الفقيرة والتحديات التي تواجهها من الناحية التكنولوجية والمالية والأمنية – والإرهاب بطبيعة الحال- في مواجهة تغير المناخ. بحسب التقارير العلمية الصادرة عن هيئات دولية مثل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ وهيئة الأرصاد الجوية العالمية، حتى لو تم تخفيض الكاربون إلى الصفر الآن، ستلامس درجات الحرارة 1.5 في العقود الآتية، ذلك أن الكميات الهائلة من الغازات الدفيئة التي تم اطلاقها إلى الجو جراء العمليات الصناعية والنشاط البشري من منذ الثورة الصناعية (نهاية القرن الثامن عشر) ستبقى فعالة على النظام الطبيعي. لذلك، تتركز الجهود اليوم على منع وصول الاحترار إلى 2.0 درجة مئوية. وقد لا يبدو ارتفاع درجة الحرارة بنصف درجة أمراً كبيراً في نظرة الناس، لكنه يجعل عشرات الملايين في جميع أنحاء العالم عرضة لموجات الحرارة التي تهدد الحياة، وتتسبب بنقص المياه وازدياد الفيضانات الساحلية. تالياً، نصف درجة حرارية، يعني الفرق بين عالم لم يخلُ بعد من الشعاب المرجانية والأنهار الجليدية في القطب الشمالي صيفاً، وبين عالم يخلو منهما تماماً. في ظل 1.5 درجة حرارية يشهد النظام البيئي فقدان 6 في المئة من الحشرات، فيما ترتفع النسبة إلى 18 في المئة، إذا وصلت الحرارة إلى 2.0، الأمر الذي يهدد الحياة على الأرض، ذلك أن الحشرات الملقحة هي التي تتعرض للانقراض، لا الحشرات الضارة والطفيلية التي تتأقلم مع التغيرات المناخية على حساب الأنواع الأخرى. 

وفي حال تُرجمت القرارات المتعلقة بخفض الغازات الدفيئة خلال هذا العقد، والوصول الى الصفر كاربون، في تخوم 2050، سيتجنب العالم الأسوأ، وهو الحرارة العالية، موجات جفاف قاسية، نشوب الحرائق، الزوابع والأعاصير، وأخيراً تفشي الأوبئة والأمراض. ولكل هذه الأسباب يعد تغير المناخ مسألة وجودية تعرض الكائنات إلى الإفناء، إن لم يوضع حد له. 

كما تمت الإشارة، فإن نطاق خفض الكاربون يشمل الطاقة بالدرجة الأساسية، ذاك أنها مسؤولة عن 73 في المئة من توليد الغازات الدفيئة، تحديداً في وسائل النقل، الكهرباء، المباني، التدفئة، البناء، التصنيع، الانبعاثات المتسربة وغيرها، التي تعتمد على احتراق الوقود. وهذا لا يعني بطبيعة الحال نسيان الممارسات الزراعية والحراجة، النفايات ومياه الصرف الصحي، ذلك أنها مسؤولة، ليست عن توليد الغازات الدفيئة فحسب، بل عن تدهور الأنظمة الأيكولوجية أيضاً. لقد نشبت غالبية الحرائق في غابات الأمازون وأستراليا وأميركا جراء الممارسات الزراعية والحراجة والنشاط البشري. 

يتمثل التحدي الرئيسي أمام القرارات “الواعدة” في مساعدة الدول الفقيرة من ناحية الموارد الطبيعية المتجددة من جانب والموارد المالية والتكنولوجيا الحديثة من جانب آخر، علاوة على المناطق التي تفتقد للاستقرار السياسي والأمني مثل الشرق الأوسط، شمال أفريقيا وبلدان الساحل الأفريقي أيضاً. وفي الأساس، يعود جزء كبير من أسباب الصراعات في هذه المناطق إلى قضايا متعلقة بالمناخ والصراع على الموارد؛ مالي، دارفور، العراق وتشاد على سبيل المثال. وتحتل مساعدة البلدان غير القادرة على مواجهة التغيرات المناخية منذ اتفاقية باريس حول المناخ عام 2015، مساحة كبيرة في النقاشات الدولية، بخاصة أنها تدفع أثمان الغازات الدفيئة في الجو من دون أن تكون مسؤولة عن توليدها. وقد تحتل المسألة ذاتها مساحة أوسع في قمة غلاسكو المناخية في تشرين الثاني/ نوفمبر القادم. 

قصارى الكلام، أن تكاليف التقاعس عن الحركة في مواجهة احترار الكون، ستكلف العالم أضراراً هائلة، فضلاً عن أخطار أمنية ستترتب عن موجات لجوء غير معهودة لسكان المناطق المتضررة، بحثاً عن مصادر العيش والأمان. وقد يندلع اللهيب من شرارة المناخ من تلك المناطق، إن لم يحرك العالم ساكناً. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
عمر الخطيب – عبد الله سكر
“لم تكن ثمة وسيلة لإيقاف التسرب… لقد سمحوا للفيول بالوصول إلى البحر بدلاً من إغراق المحطة”… مثل هذه الحوادث تعرضت لها دول عدة وكانت شفافة في التصريح عن السبب والكميات المتسربة ومعالجة الآثار، ولكن السلطات السورية أصرت على الإنكار بل لجأت إلى مروياتها عن المؤامرات والمكائد.
Play Video

2:46

Play Video

2:12

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني