fbpx

كنت المسعف الأول في بيروت المدمّرة… لكنني غادرت الآن

عزيزي لبنان، إني مُرسل لك رسالة لكي أخبرك أنني أحبك وأكرهك. وأنني سأظل إلى الأبد جزءاً منك، وأنت ستبقى جزءاً مني. لقد خلفت فيّ أثراً لا يُمحى، عليّ أن أتعايش معه لبقية حياتي

اعتدتُ أنا وكثرٌ من أصدقائي الذهاب إلى منزل صديقنا رونالد، الذي نناديه ناندو، في حي الكرنتينا، شرق المرفأ مباشرةً. لم يكن يوم 4 آب/ أغسطس 2020 يوماً مختلفاً عن بقية الأيام بالنسبة إلينا، لكن ما حدث كان استثنائياً بالفعل… بصورة مؤلمة ومفجعة.

كنت أقود سيارتي في أرجاء بيروت لإنجاز بعض الأعمال، وكالمعتاد، وجدت نفسي أتجه إلى منزل ناندو للترويح عن نفسي قليلاً. كنا في زمن “كورونا”، لذا كان ناندو يعمل من المنزل. 

استأجر ناندو هذه الشقة القديمة منذ ما يربو على 10 سنوات. قمنا بطلاء جدرانها معاً عندما انتقل إليها. ونام كثير منا في تلك الشقة، في حالة سُكرٍ، بعد الرجوع من إحدى الحفلات. كانت مكاناً للمرح والشرب والاحتفال ولعب الورق وتناول الطعام ومشاهدة التلفاز. مكان كنتُ آتي إليه برفقة من أواعد. مكان يحبنا جيرانه ونحبهم. مكان يعبق بالذكريات والضحكات وأيضاً الدمعات.

كانت تلك الشقة تجمع عادة من 5 إلى 10 أصدقاء، لكننا كنا محظوظين في  ذلك اليوم، إذ كنا ثلاثة فقط: رونالد (ناندو)، وأنطوني (كوكو)، وأنا أسود، مثلما يناديني أصدقائي. 

ناندو هو الصديق الذي نتمنى جميعاً أن يكون في حياتنا شخص مثله. شخص معطاء بحقٍ وحاضر دائماً من أجل الجميع. أمّا كوكو فهو الصديق التهكمي الساخر الذي يضفي أجواءً من الحماسة على الجلسة. يلعب كوكو دور الرجل القوي، لكن مشاعره فياضة للغاية في المقابل.  

أما في ما يخصني، فأنا الشخص الهادئ الذي يجلس بعيداً محاولاً إيجاد موقع له في هذا العالم، ذاك الشخص الذي يهتم بعلاقاته مع الآخرين، ويحاول فعل الخير في هذا العالم. فقد كنت مسعفاً متطوعاً لدى الصليب الأحمر، وستظل غريزة المساعدة هذه باقية في داخلي إلى الأبد. 

مضى الوقت سريعاً وصارت عقارب الساعة تشير إلى الرابعة عصراً. كان يفترض أن أذهب لتناول الغداء مع والديّ، لكنني كالمعتاد أرجأت عودتي إلى المنزل بسبب الزحام المروري في ذلك الوقت، أو ربما لأنني كنت أشعر بالتكاسل فحسب. 

كانت الساعة نحو الخامسة مساءً عندما أصر كوكو على بقائي لشرب البيرة معه قبل ذهابي. لم يكن هذا مناسباً، إذ كان عليه هو أيضاً العودة إلى منزله لتبديل ملابسه ومقابلة بعض أصدقائه لاحتساء مشروب في مكان ما في مار مخايل. كان يفترض أن يقيم صديقه حفل خطبته في ذلك اليوم.

لم تكن لدي رغبة في شرب البيرة أو تناول طعام جاهز، بل كنت أتطلع لتناول وجبة غداء مطبوخة في البيت. لذا نهضتُ من على الأريكة وركبتُ سيارة أختي عائداً إلى المنزل. كنت أخبرت كوكو أنني سأعود بعد قليل، بعد تناول الغداء والاستحمام في المنزل، كما هو معتاد دائماً في أيّ يومٍ آخر. 

“لقد تعرضنا لقصفٍ. الحرب اندلعت مرةً أخرى”

دخلت إلى المنزل وسلَّمت على عائلتي وسخّنت طعامي. وأثناء جلوسي إلى الطاولة، كان ناندو يُراسلني على “واتساب”:

“وقع حريق وانفجارات صغيرة في المرفأ. ثمّة طائرات تُحلق فوقنا، وهي ليست طائرات تجارية. يبدو كما لو أن الحريق ناتج عن انفجار أسلحة. لقد تعرضنا للقصف! لقد نالوا منّا”!

بدا وكأن حرب 2006 اندلعت مرةً أخرى. وكأننا عدنا إلى تلك الحلقة اللعينة. تملكني إحساس غريب لكنه مألوف بالنسبة إلى من نجوا من الحروب المتكررة في لبنان. أقصد أنني بالطبع شعرت بالقلق وبدأت في الرد على رسالته النصية، لكن في أعماقي كنت أشعر بالاشمئزاز من الوضع برمّته، من معايشة هذا الواقع ثانيةً ومعاودة كتابة تلك الرسائل مجدداً: قنابل. حرائق. أسلحة. انفجارات.

لم أرغب في الإقرار بذلك أو تصديقه. وعزفت عن إبداء أيّ رد فعل، على رغم قلقي. كل ما أردته هو تناول طعامي والتظاهر بأن الحياة رائعة وأن لا شيء على الإطلاق يحدث من حولي.

لكن أبواب الجحيم فُتحت عن آخرها بعد دقائق. سمعنا كلنا الانفجار وشعرنا به. اهتز البيت بعنف. واهتزت الأرض من تحتنا بصورة أكثر عنفاً. أُصبنا كلنا بصدمة.

ما زلت أحاول، لكنني لا أستطيع مطلقاً حمل نفسي على وصف ما حدث: الصوت والاهتزاز الشديد والإحساس الذي تملكني والقشعريرة التي انتابتني، وتلك اللحظة التي توقف عندها الزمن لما بدا وكأنه الدهر. اللحظة التي ظننت فيها أنني فقدت أصدقائي. ما زلت أبكي وأرتجف كلمّا حاولت التعبير عن أفكاري وأحاسيسي بالكلمات. 

شرد عقلي دقيقةً، بل ربما جزءاً من الثانية أو طرفة عين…  لكنها بدت لحظة لا نهائية. لم يستطع عقلي وقلبي وروحي وكياني كله استيعاب ما يحدث. كان الجيران يتطلعون صوب بيروت… صوب المرفأ. نظرتُ إلى أعلى ورأيتُ سحابةً وردية ضخمة ترتفع فوق المدينة وفوق المرفأ وفوق أصدقائي وفوقنا جميعاً.

بدأت أمي تصرخ بهستيريا: “لقد تعرضنا لقصفٍ. إنها إسرائيل. الحرب اندلعت مجدداً”.

استيقظ أبي من قيلولته وبدا شاحباً تماماً. اكتسى وجه أمي بالخوف، وكانت أختي وزوجها يرتجفان. ستظل النظرة التي اعتلت وجوههم عالقة في ذاكرتي إلى الأبد!

إقرأوا أيضاً:

“فقط ركضت” وكنت أول مسعف يصل المكان

بعد شهرين، عندما كنت أستعد للسفر إلى كندا، أخبرتني أمي أن كل ما فعلته هو الاتصال بأصدقائي ناندو وكوكو وشِروك، ثمّ ركضت إلى غرفتي لإحضار حقيبة الإسعافات الأولية وزي الصليب الأحمر وخرجت مُسرعاً من البيت. لم أنطق بكلمة. فقط ركضت. فقط قُدت سيارتي. وذهبت إلى هناك، من دون أن أدري هل لا يزال أصدقائي هناك؟ هل المكان نفسه لا يزال هناك؟

هذا الجزء من الأحداث ضبابي في ذاكرتي. الجزء الذي خرجت فيه من منزل والديّ وركضت مُسرعاً إلى مكان الانفجار. واصلت الاتصال بناندو من دون توقف، لكنه لم يجب. قُطعت خطوط الاتصال. 

لحسن الحظ، كانت خدمة “واتساب” لا تزال تعمل. اتصلت بشِروك لكن أحداً لم يرد، وهو ما زاد من رعبي. إذ دائماً ما يجيب شِروك على الهاتف في مثل تلك المواقف.

“شِروك أو تشي أو أويكس، كلها أسماء نُنادي بها صديقنا جوني. وهو متطوع في الصليب الأحمر منذ ما يزيد على 12 سنة. في كل كانون الأول/ ديسمبر يصبغ تشي شعره باللون الأبيض مُحولاً نفسه إلى “سانتا كلوز” حقيقي لنشر أجواء من المرح والضحك والدفء. وهذا وحده كفيل بإخبارك عن شخصيته. 

في منتصف الطريق إلى الكرنتينا، ردت خطيبة شِروك أخيراً على هاتفه، كانت تتحدث بصوتٍ مرتعش، وقد اختلطت كلماتها بالصراخ والصياح والبكاء، وصوت ضجيج عال في الخلفية لدرجة أنني كنت بالكاد أسمعها.

لكن، مجرد ردها كان كافياً. فتلك إشارة إلى الحياة! لقد كانوا على قيد الحياة، هي وشِروك، لكن حتى تلك اللحظة لم أتلق أيّ ردٍ من ناندو أو كوكو. 

وصلت إلى الكرنتينا، وهرعت إلى ساحة انتظار السيارات ورأيتهم للمرة الأولى مذ غادرت المنطقة وكانوا على قيد الحياة. ها هم، ناندو وشِروك وخطيبته ثلاثتهم، يغطيهم الغبار والدماء والدموع. لكنني لم أر كوكو، ولم تكن سيارته موجودة أيضاً.

ظل هاتفي يرن بلا توقف. كان الجميع يطمئنون على ناندو وكوكو وشِروك… لكن كان عليّ الذهاب إلى مكان آخر. لذا أعطيت هاتفي ومفاتيح سيارتي لناندو، وارتديتُ زي الصليب الأحمر، وفي تلك اللحظة شعرت وكأنني مغناطيس ينجذب البشر إليه، أو ربما منارة أمل للناس الذين كانوا يصرخون أو يصيحون أو ينزفون أو يتقيأون أو يفقدون الوعي أو المشوشون بسبب الانفجار وغيرهم الكثير والكثير.

أدركت حينئذ أنني كنت أول “مسعف” يصل إلى مكان الانفجار. لم يكن هناك وقت لإهداره. كان عليّ التصرف، والتصرف سريعاً.

عودة إلى كوكو…

لم تكن لدينا فكرة عن مكان كوكو. توجه ناندو وكوكو إلى المرفأ عندما نشب الحريق، لكنهما سارا مبتعدين قبل دقائق من وقوع الانفجار.

بينما كانا عائدين من المرفأ، ترك كوكو ناندو، وقاد سيارته متجهاً إلى منزله سالكاً الطريق المعتاد المحاذي للمرفأ. الطريق الذي نستخدمه جميعاً عدة مرات في اليوم. لا يعرف أحد أين كان أو ما الذي حدث له. ولم يكن يجيب على هاتفه. 

خفنا من حدوث الأسوأ خاصةً عندما شاهد بعض الأصدقاء، الذين كانوا في منازلهم، سيارته في كافة نشرات الأخبار. بدت السيارة محطمة بالكامل، فقد كانت أكياس الهواء مفتوحة مع تكسر زجاجها وانبعاج هيكلها المعدني، وكانت تغطيها الدماء. صورت كاميرات الأخبار سيارته على الطريق السريع القريب من المرفأ، على بعد نحو 400 متر من مكان الانفجار من دون وجود ما يحجز بينهما، باستثناء بعض المستودعات والحاويات. 

بالطبع ارتعدنا خوفاً وبدأنا نبكي!

ما زال الندم يعتصرني إلى اليوم. هل كان ينبغي لي اللحاق به؟ هل كان هذا سيغير أيّ شيء؟ هل كان عليّ الذهاب للبحث عنه في الشوارع؟ هل تصرفت بشكل خاطئ؟ هل كان في وسعي مساعدته على نحوٍ أفضل؟ لِما يخالجني شعور بأنني خذلته؟

عُثر على كوكو بعد أربع ساعات.

نجا كوكو. كان لا يزال على قيد الحياة. لا يزال يتنفس. كان يتلقى العلاج في أحد المستشفيات. تمكن من إخراج نفسه من سيارته بمساعدة شخص غريب. كان ينزف من رأسه إلى أخمص قدميه. أخبرنا أنه كان بالكاد يرى أيّ شيء، وأنه خلع قميصه وربط به رأسه النازف وتوجه إلى أقرب مستشفى يعرفه، مستشفى القديس جاورجيوس الجامعي (مستشفى الروم)، من دون أن يدري أنه تضرر بشدة جراء الانفجار. 

عندما وصل إلى المستشفى، التقى بصديق آخر، جاكز، الذي كان مصاباً بجرح قطعي كبير في رأسه. وقد لف هو الآخر قميصاً حول رأسه وأتى إلى المستشفى طلباً للمساعدة. تمكن الاثنان من الوصول إلى مستشفى أخرى قريبة بعدما نقلوا على دراجات نارية. 

نجا كوكو بينما لم يحالف الحظ كثيرين كانوا في السيارات خلفه. لكنه فقد عينه اليمنى بسبب الزجاج والشظايا التي تطايرت عندما انفجر المرفأ. لحسن الحظ لا يزال كوكو على قيد الحياة، لا يزال حياً ليشهد يوم آخر، لكن بعينٍ واحدة. وبعد ستة أشهر من الانفجار ما زال يشعر بوخز الزجاج في جلده، وفي جسده كله. 

سقطت واجهة إحدى البنايات بأكملها، وسقط معها السكان. كان الناس في كل بقعة حولي مضطربين ومشوشين، كانوا ينزفون ويتألمون ويبكون ويصرخون…  

اضطراب ما بعد الصدمة

إلى الآن، يعيش كوكو في خوف، شأنه شأن كثر منا. إذ يتملكنا الخوف في كل مرة يُصفع فيها باب أو نافذة، أو عندما تمر طائرة قريبة من فوقنا، أو عند حدوث حادث سيارة، أو بسبب أيّ ضوضاء.

أفكر إذا كنا مصابين بصدمات نفسية، هل نعاني من اضطراب ما بعد الصدمة؟ هل تضررت نفسيتنا لدرجة يتعذر معها العلاج؟ هل أصبحنا هكذا بلا رجعة؟ هل هكذا يتجاوز المرء ويكمل طريقه؟ أن نظل منفعلين وقلقين ويثير فزعنا أيّ شيء وكل شيء؟ لا أستطيع التوقف عن التفكير في كوكو، وعن مدى قدرته على النجاة والتعايش والشجاعة الكبيرة التي أبداها في التعامل مع فقدان عينه، وعما أظهره لي من قوة وحب وأمل وامتنان. 

لنعد إلى ساحة انتظار السيارات التي كنت موجوداً فيها.

نظرت حولي وكل ما رأيته كان مشهد الدمار الشامل: دخان ودم وزجاج وحطام وقطع معدنية وخشبية متناثرة في كل مكان وسيارات محطمة ومبان تتداعى. رأيت أطفالاً فقدوا آباءهم أو آباءً فقدوا أبناءهم. رأيت أشخاصاً محاصرين في شققهم بعدما انهارت سلالم بناياتهم. 

سقطت واجهة إحدى البنايات بأكملها، وسقط معها السكان. كان الناس في كل بقعة حولي مضطربين ومشوشين، كانوا ينزفون ويتألمون ويبكون ويصرخون…  

وها أنا برداء الصليب الأحمر وحقيبة الإسعافات الأولية في يدي. توافد الناس إليّ طلباً للمساعدة، واحداً تلو الآخر، وأحياناً في مجموعات. حاولت مساعدتهم بأيّ طريقة ممكنة… ضمدت هذا الجرح. أوقفت ذاك النزيف. ربطت تلك الذراع المكسورة. حملت ذاك الشخص بعدما فقد الوعي. تحققت من تنفس آخر ونبض ثالث وحاولت إنعاش رابع…

أدركت حينئذ أن الانفجار كان ضخماً للغاية لدرجة أن بيروت كلها تضررت وباتت تحتاج للمساعدة. كل ما أمكنني سماعه هو أصوات الصراخ والصياح والبكاء والتأوهات التي امتزجت بصوت بيروت المكسورة وصافرات الإنذار والإسعاف التي تضج دون توقف في كل الأماكن حولى.

بعد فترة وجيزة، تعاونت مع مسعف آخر في الصليب الأحمر اسمه “بول”. نقلنا الجرحى ليكونوا بالقرب من الطريق السريع لأن سيارات الإسعاف لم تتمكن من دخول المنطقة، نظراً إلى حجم الأنقاض والحطام الذي يسد الطريق. كنا نوقف أيّ سيارة إسعاف تمر بجوارنا، نملأها بالجرحى ونأخذ ما نستطيعه من مستلزمات طبية، ثم نعود مجدداً إلى الكرنتينا، إلى مشهد الدمار الشامل.

ساعدنا هذا وأوقفنا نزيف ذاك وحملنا ذلك الجريح، من دون توقف وفي حلقة دائمة مستمرة… لكن بدا وكأن عدد الجرحى لا نهائي، هناك دائماً المزيد من الأشخاص، والمزيد من الجرحى، والمزيد من الموتى.

إقرأوا أيضاً:

تَلوتُ دُعاءً

ركضت مجموعة من الناس نحونا وهم يصيحون “إنها على قيد الحياة، إنها على قيد الحياة”. كانوا يحملون امرأة شابة مُلتحفة في قطعة من القماش البلاستيكي. وحين وضعوها أمامي، حبست أنفاسي، وحاولت تمالك نفسي. فقد زاد توتري وأجبرتُ نفسي على التحقق من نبضها على رغم يقيني أنها فارقت الحياة بالفعل. وعلى رغم رغبتي في الصراخ من أعماقي لأنها كانت ميتة. وعلى رغم إدراكي أنني لا أستطيع فعل أي شيء حيال ذلك، وأنني لا أعرف من هي ولماذا تحتم عليها أن تموت في ذلك اليوم.

تَلوتُ بعض الدعاء لها وضغطت على نفسي لكي أتابع ما كنت أقوم به، وقاومتُ الدموع وأخفيت مشاعري. على بعد أمتار كان هناك أب يجثو على الأرض، وكان محطماً نفسياً، يجهش بالبكاء وهو ينظر بلا حول ولا قوة إلى المنزل المنهار حيث كانت تعيش أسرته؛ لا يدري ما إذا كان قد فَقدَ زوجته وأطفالِه الثلاثة.

بعد ساعات، تمكنوا من إنقاذ إحدى بناته، بينما تُوفي الآخرون تحت أنقاض المبنى المنهار.

لم أجرؤ على المغادرة إلا في وقت متأخر من الليل عندما نُقل معظم المصابين. بحلول ذلك الوقت لم نتمكن من رؤية بعضنا بعضاً بسبب انقطاع الكهرباء. حتى ذلك الحين، أردت البقاء لتقديم المساعدة وإنقاذ الناس. حينها فقط ألقيت نظرة فاحصة إلى المكان من حولي.

وللمرة الأولى مذ وصلت إلى هناك، بدأت أبكي. بكيت بلا توقف بينما كنت متجهاً إلى سيارتي. بكيت بينما كنت أجيب على هاتفي لأتحدث مع قريبي الذي اتصل من الخارج للاطمئنان عليّ. بكيت وأردت أن أصرخ وأصرخ وأن أحطم أيّ شيء… فقد شعرت بالغضب والاختناق من كل شيء حولي. وحين نظرت إلى انعكاس صورتي في مرآة السيارة، رأيت وجهي ملطخاً بالدموع والدماء والأوساخ وشظايا الزجاج.

في خضم الاندفاع والفوضى التي عمت، سقطت جارتنا إيزابيل التي تبلغ من العمر 96 سنة تحت أكوام من الحطام، وتوفيت في تلك الليلة. وعلى رغم أنني حاولت مساعدتها، لم أستطع. ولم أجد سيارة إسعاف لنقلها. أما أختها رينيه صاحبة العقار والتي تبلغ من العمر 90 سنة، فلا تزال تتعافى من كسر في الفخذ أصيبت به عندما عصف بها الانفجار على الدرج.

كانت رينيه تقف بجوار ناندو في الشارع يتحدثان عن الحريق الذي شب في الميناء قبل ثوانٍ من الانفجار. وسقطت حولهما كتل ضخمة من الصخور والحطام، إلا أنهما نجيا بأعجوبة مع إصابات طفيفة وأطراف مكسورة.

في منزل ناندو، اعتدت دائماً أن أجلس على الأريكة المواجهة لباب الشرفة. في ذلك اليوم، كانت الأريكة ممزقة ومملوءة بحطام الزجاج. وقد علقت قطع ضخمة من الزجاج في الإطارات الخشبية. تحول الزجاج إلى شظايا. وكانت هناك قطعة كبيرة من المعدن أحدثت ثقباً ضخماً في خزانة الأدراج بجانب الأريكة، على الارتفاع الذي قد تكون عليه رأسي لو كنت جالساً هناك.

لا يزال ناندو ينتقل من منزل إلى آخر في انتظار اللحظة التي يستطيع فيها العودة إلى الكرنتينا، وإلى حالة من الاستقرار، وإلى منزله الذي لطالما شعر فيه بالراحة والأمان.

8 أشهر مرت…

عزيزي لبنان، إني مُرسل لك رسالة لكي أخبرك أنني أحبك وأكرهك. وأنني سأظل إلى الأبد جزءاً منك، وأنت ستبقى جزءاً مني. لقد خلفت فيّ أثراً لا يُمحى، عليّ أن أتعايش معه لبقية حياتي.

الأثر الذي خلفه الانفجار الهائل الذي هزّ أرجاء عاصمتنا بيروت وغيّر معالمها، هو ذاته الذي خلفه في نفسي. لا نتشارك سوى جزء صغير من التاريخ، فقط 35 عاماً من وجودي في هذا العالم، وقد بات من الصعب التعايش مع ذلك التاريخ.

ولذا بدأت كتابة هذه المقالة كوسيلة للتنفيس عن أفكاري وآلامي على الورق، على أمل أن تساعدني هذه الكلمات والأفكار على نسيان بعض كراهيتي تجاهك. أردت أن أتجاوز استيائي وغضبي وخوفي وكل ما أحدثه انفجار الرابع من آب في أعماق نفسي. في البداية كتبت فقرتين ثم منعت نفسي من مجرد النظر إلى ما كتبته.

وبعد أشهر، استطعت أن أستجمع قواي وها أنا أكتب إليك من كندا. إذ لم أستطع تحمل الأمر أكثر من ذلك. ولم أستطع تحمل العيش في هذا الخوف بعد الآن. الخوف على نفسي وعائلتي وأصدقائي. فقد أصبحت علاقتنا خَطِرة مُدمرة، ليس بسببك بل بسبب الأشخاص المسؤولين عن الاعتناء بك وبنا، نحن اللبنانيين.

عندما وصلت إلى مونتريال، توجب عليّ أن أبقى في الحجر الصحي لمدة أسبوعين. حينها فقط شعرت بالرغبة في العودة إلى الكتابة. وحينها فقط أدركت أن عليّ مواجهة كل شيء، صور بيروت والناس والأنقاض والمصابين والموتى والمعاناة والصرخات والدماء والدموع. لأجلك يا لبنان، كان عليّ أن أواجه كل ما يؤثر في حالتي النفسية، وكل ذكرياتي، ومخاوفي، ودموعي، وكل ما أحدثته بداخلي.

8 أشهر مرت. ولا يزال هذا الحدث الرئيسي الذي نتحدث عنه: الانفجار، واليوم الذي لقي فيه أكثر من 200 شخص مصرعهم، وأصيب آلاف الأشخاص ودمرت مئات الآلاف من المنازل.

8 أشهر مرت. وانتهى الانفجار ولكن آثاره لا تزال موجودة، يتجرع مرارتها من بقي على قيد الحياة.

8 أشهر مرت. وما زلنا ننعي موتنا، ونحاول عبثاً أن ننسى.

8 أشهر مرت. ولا يزال لم يخضع أحد للمساءلة.

8 أشهر مرت.

لا يزال شِروك يعمل بجد، ويعيش بعيداً من الحي الذي نشأ فيه. وما زال يتفقد أعمال الترميم والإصلاح التي تمت على بيته في الكرنتينا. وكثيراً ما يصطحب والدته إلى هناك، حتى تظل على تواصل مع الأصدقاء والجيران.

أما كوكو، فهو يستأجر مكاناً في الجبال يعيش فيه بعيداً من الميناء، وبعيداً من عائلته. ويحاول أن يُبقي نفسه مشغولاً بالتعلم. لقد تأقلم إلى حد ما مع العمل بعينٍ واحدة. وما زال يتملكه الخوف في كل مرة يسمع فيها صوت طائرة أو يُصفع فيها باب.

لا يزال ناندو ينتقل من منزل إلى آخر في انتظار اللحظة التي يستطيع فيها العودة إلى الكرنتينا، وإلى حالة من الاستقرار، وإلى منزله الذي لطالما شعر فيه بالراحة والأمان. إنه يدخر لكي يتمكن من إصلاح الأشياء التي دمرها الانفجار. فقد بدا منزله غريباً، ليس المنزل الذي اعتاد أن يعيش فيه. فقد بات بلا حياة، وبلا روح.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
آمال شحادة – صحافية فلسطينية
اللد، البلدة الفلسطينية التي تواجه منذ سنوات سياسة تمييز وقهر ، شهدت هبة غضب كبيرة لم تقتصر على الاحتجاج على غزة والاقصى او الشيخ جراح، بل اشتعلت في وجه سياسة اليمين الإسرائيلي ضد المجتمع الفلسطيني.
Play Video
معطى جديد دخل على التطورات الفلسطينية مع تحرّك فلسطينيي الداخل في مدينتي اللدّ ويافا، فكيف تُقرأ هذه التصعيدات وهل ستتحدث تغييراً على المستوى السياسي الفلسطيني؟ الكاتب الفلسطيني مصطفى إبراهيم يُجيب.

5:16

Play Video
مشهدية هجوم مستوطنين على منازل فلسطينيين والاعتداء عليهم في مخطط لإجلائهم وتغيير وجه القدس الديمغرافي، جعلت شخصيات عامة داخل إسرائيل وخارجها تنتقد إسرائيل علناً…

1:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني