fbpx

إعدامات كرداسة و”الاختيار 2″:
الدراما والواقع مأساة واحدة!

مصر ما زالت تحتفظ بعقوبة اﻹعدام في قوانينها وتستمر في تنفيذ أحكام اﻹعدام، وهذا يجعلها بين دول قليلة حول العالم لم تستجب بعد للمطالبات الدولية بإلغاء هذه العقوبة التي تحط من كرامة اﻹنسان.

أتى خبر تنفيذ حكم اﻹعدام بحق 9 من المتهمين في قضية اقتحام مركز شرطة كرداسة في الجيزة عام 2013 ليخلط المشاهد في مصر.

اختلط الواقع بالدراما الرمضانية التي تستحوذ على اهتمامات مصريين كثر. خبر الإعدام أتى مباغتاً وصادماً وكأنه مشهد درامي تكميلي لأحداث مسلسل “الاختيار 2” الذي يُعرَض في رمضان الحالي، ويتناول أحداث فض ميداني رابعة العدوية والنهضة، وفق رواية واحدة تُعظّم دور الشرطة في كسر شوكة الإسلاميين إبان الانقلاب الذي أطاح برئيس مصر السابق محمد مرسي. 

 المسلسل الذي رسخ لمشروعية فض اعتصامي رابعة والنهضة بالقوة المسلحة وقتل المدنيين المعتصمين، أبرز بصفة خاصة أحداث الهجوم على قسم كرداسة في مشاهد دموية مثيرة للرعب، ما دفع أعداداً كبيرة من المصريين إلى السؤال على وسائل التواصل الاجتماعي، عن سبب العدول عن إعدام المتورطين في أحداث كرداسة ولماذا لم يتم إعدام “سامية شنن” والضابط “الخائن” محمد عويس، وكأن المخابرات المصرية – المنتجة للمسلسل- كانت تنتظر الضوء الأخضر من الجمهور لتنفيذ حكم الإعدام الصادر بحق المتهمين منذ عام 2017، وربما قد نشهد خبر إعدم محمد عويس قريباً أيضاً.

بعد إعدام 9 مواطنين تداخل الواقع والدراما بشكل يثير الرعب، ولا يمكن وصف كم الرعب الذي يتم تمريره الآن في النفوس، مع تطور أحداث المسلسل، من يا ترى سيأتي ذكره في المسلسل لتصفيته بعد كسب تأييد جماهير الدراما لإعدامه؟

 ظهور الفنان أشرف عبد الباقي في دور مأمور القسم، وهو دور يشغل دقائق قليلة، يؤكد الاهتمام بإبراز شخصية المأمور الذي دفع حياته في مواجهة الهجوم الوحشي على القسم الواقع تحت قيادته. أهمية هذه الحلقة من المسلسل والحرص على تحقيق أعلى نسبة مشاهدة لها واضحان من مبادرة الشركة المنتجة (المملوكة لجهاز المخابرات العامة المصري)، بعرضها من دون أن تتخللها إعلانات تجارية.

يبدو أن أجهزة الدولة حريصة ليس على استمرار هذا المشهد وحسب، بل  وعلى تصعيده، ليبدو الربط بين عرض حلقة من مسلسل درامي وتنفيذ أحكام إعدام قابلاً للتصديق. وحتى مع استبعاد ذلك فهذا العمل الدرامي وغيره من اﻷعمال، معروف أنها تكتب وتنفذ تحت إشراف اﻷجهزة اﻷمنية وغالباً بتدخل مباشر منها، بخاصة أن شركات اﻹنتاج والتوزيع واﻹعلانات والقنوات الفضائية، معظمها مملوك بشكل مباشر لهذه اﻷجهزة. 

رسائل هذه اﻷعمال الدرامية هي بلا شك رسائل مباشرة من أجهزة الدولة، وهي تحاول من جانب إظهار صورة مثالية مبالغ في طهرها وإخلاصها وملائكيتها لرجال اﻷجهزة اﻷمنية والجيش، في مقابل صورة مبالغ في شيطنتها بشكل ساذج للمنتسبين إلى جماعة اﻹخوان وإلى قوى سياسية أخرى، إضافة، بالطبع، إلى منظمات المجتمع المدني المعنية بحقوق اﻹنسان. 

هذه الرسائل لا تترك مجالاً ﻷي سبيل للنظر إلى معارضي الدولة إلا بصفتهم أعداء للوطن وشعبه، ومن ثم فلا خيار في التعامل معهم إلا باستخدام السبل المتاحة كافة للقضاء عليهم.

كل ذلك ينبغي أن يثير قلقنا جميعاً. لا يمكن تصور الحفاظ على استقرار مجتمع تتآكل ثقته يوماً بعد يوم بمؤسسات دولته وفي مقدمها مؤسسة القضاء، بما تمثله كملجأ أخير لكل من يطلب اﻹنصاف والعدالة، كما لا يمكن تصور مستقبل آمن مع اتساع الهوة بين أطراف شاء من شاء وأبى من أبى هي متجذرة في المجتمع وفي نسيجه وثقافته بحيث يستحيل تخيل اقتلاعها منه.

إعدامات سياسية

تنفيذ أي أحكام إعدام هو من حيث المبدأ وقبل أي شيء جريمة تنتهك الحق اﻷول من حقوق اﻹنسان وهو الحق في الحياة. تنفيذ هذه اﻷحكام عندما تكون صادرة عن محاكمات على خلفية سياسية في ظل استقطاب حاد، لا يزيد الجريمة إلا بشاعة ومنافاة للإنسانية مع كل الشكوك المشروعة في عدالة هذه المحاكمات التي عبر قضاة ممن باشروها علانية عن انحيازات سياسية واضحة ضد المتهمين فيها. 

في إطار الصورة اﻷكبر لمستقبل هذا المجتمع ودولته ومؤسساتها، فإن ما تساهم فيه هذه اﻷحكام وتنفيذها هو تغذية الكراهية ونزعات الثأر وإحراق جسور لعبور التباعد المتزايد بين اﻷطراف السياسية والرديف الاجتماعي لكل منها.

مع عدم التشكيك بأي حال في بشاعة الجرائم التي ارتكبها أنصار جماعة اﻹخوان في وقائع ثابتة وموثقة، فإن التعامل القضائي مع هذه الجرائم لا يمكنه أن يحقق عدالة يثق بها الجميع في ظل تبرئة المتهمين أو تجاهل التحقيق في جرائم القتل خارج إطار القانون التي ارتكبتها قوى الجيش والشرطة واﻷجهزة اﻷمنية منذ اندلاع ثورة يناير 2011 وحتى اليوم، أو في ظل غياب استقلال مؤسسة القضاء نظرياً وفعلياً، أو أخيراً في ظل استمرار أجهزة الدولة في تغذية مناخ الاستقطاب ورفضها التراجع عن ممارساتها القمعية. المناخ الذي بإمكان الدولة المصرية فيه أن تسترد ثقة حقيقية لمواطنيها فيها وفي مؤسساتها، لا يزال يحتاج إلى إرادة سياسية تتحرك في عكس الاتجاه الحالي وتسعى صادقة إلى رأب الصدع الذي أحدثته سنوات العنف والدم والتخوين والتكفير. ذلك هو السبيل الوحيد يتمكن المصريون من التطلع إلى مستقبل أفضل، بدلاً من الاستسلام لحالة يأس وقنوط لا يأمن أحد عواقبها.

إصرار مؤسسات الدولة المصرية على تصعيد الاستقطاب السياسي بدلاً من محاولة تهدئته تعكسها مظاهر عدة، منها بالتأكيد الاستمرار في ملاحقة نشطاء معارضين للنظام المصري، واستمرار اعتقال اﻵلاف على خلفية اتهامات سياسية، وحبسهم من دون محاكمات من خلال أداة الحبس الاحتياطي الممتد والمتجدد، وتلك كلها هي أيضاً من مظاهر استخدام القضاء كأداة قمع لتحقيق أهداف سياسية. ولكن يضاف إلى مظاهر تصعيد الاستقطاب، استخدام اﻷجهزة اﻷمنية والاستخباراتية المصرية، اﻹعلام والدراما خصوصاً، في توجيه رسائل سياسية تقدم بشكل حصري الرؤية التي ترغب هذه الأجهزة في تلقينها للجمهور العام. 

اﻹعدامات التي نقلت مصادر صحافية خبر تنفيذها في وقت مبكر من صباح الاثنين 26 نيسان/ أبريل 2021، أتت تنفيذاً لحكم نهائي لمحكمة الجنايات المصرية صدر عام 2017، في إعادة محاكمة المتهمين في القضية رقم 12749 لسنة 2013، جنايات الجيزة، ورفضت محكمة النقض الطعن المقدم ضده في أيلول/ سبتمبر 2018. اﻷحكام الصادرة في القضية كانت بالسجن المؤبد لـ80 متهماً، والسجن المشدد 15  لـ34 متهماً، والسجن 10 سنوات لطفل، وبراءة 21 متهماً، إضافة إلى الحكم بإعدام 20 متهماً. في المحاكمة اﻷولى في القضية ذاتها، قضت محكمة الجنايات، عام 2015، بإعدام 183 متهماً بالقضية والسجن 10 سنوات للطفل المتهم، وبراءة متهمين اثنين. وألغت محكمة النقض في العام التالي (2016) أحكام اﻹعدام في حق 149 من المتهمين وأمرت بإعادة محاكمتهم.

قضية أحداث قسم كرداسة أو “مذبحة كرداسة” بحسب التسميات اﻹعلامية المختلفة لها هي من القضايا الجنائية التي تداولها القضاء المصري على خلفية أحداث العنف التي اندلعت في مدن وقرى محافظات مصرية مختلفة، بموازاة عملية فض اعتصام مؤيدي الرئيس المعزول محمد مرسي في ميداني رابعة العدوية والنهضة يوم 14 آب/ أغسطس 2013. شهدت اﻷحداث في مركز كرداسة جنوب محافظة الجيزة هجوم أعداد كبيرة من المنتسبين لجماعة اﻹخوان المسلمين، وجماعات إسلامية أخرى، ومؤيديهم على قسم الشرطة مستخدمين بحسب فيديو للواقعة وشهود، أسلحة نارية وسلاحاً ﻹطلاق قذائف “آر بي جيه” المضادة للمدرعات. تمكن المهاجمون من اقتحام القسم وقتلوا مأموره ونائبه وعدداً من الضباط والجنود ومثلوا بجثثهم، في واحدة من أبشع الجرائم المرتكبة في هذا اليوم الدامي من تاريخ مصر.

اﻷحكام الصادرة في عدد من القضايا، على خلفية اﻷحداث في هذا اليوم، في أولى درجات التقاضي، شهدت أحكاماً باﻹعدام بالجملة ضد مئات المتهمين. ألغت محكمة النقض المصرية هذه اﻷحكام وانخفض عدد المحكومين باﻹعدام إلى العشرات بدلاً من المئات في إعادة المحاكمة، ولكن تظل اﻷحكام الصادرة في هذه القضايا وغيرها على خلفية الصراع السياسي في مصر في أعقاب تظاهرات 30 حزيران/ يونيو 2013 واﻹطاحة بالرئيس محمد مرسي، مسؤولة عن ارتفاع أعداد أحكام اﻹعدام الصادرة والمنفذة في مصر بشكل غير مسبوق خلال اﻷعوام الماضية.

الثالثة في الإعدام

مصر ما زالت تحتفظ بعقوبة اﻹعدام في قوانينها وتستمر في تنفيذ أحكام اﻹعدام، وهذا يجعلها بين دول قليلة حول العالم لم تستجب بعد للمطالبات الدولية بإلغاء هذه العقوبة التي تحط من كرامة اﻹنسان. بحسب الموقع الرسمي لمفوضية حقوق اﻹنسان التابعة للأمم المتحدة “حوالي 170 دولة عضو باﻷمم المتحدة ذات نظم قانونية، وتقاليد، وثقافات، وخلفيات دينية متنوعة إما قد ألغت عقوبة اﻹعدام أو لم تعد تمارسها”. واحتلت مصر الموقع الثالث بين الدول التي نفذت أكبر عدد من أحكام اﻹعدام في العام الماضي (2020)، بـ107 إعدامات، 23 منها كانت تنفيذاً ﻷحكام في قضايا على خلفية سياسية. وهي بذلك زادت عدد أحكام اﻹعدام ثلاثة أضعاف مقارنة بالعام السابق.

في العام الحالي (2021) بحسب إنفوغراف نشرته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية على موقعها، نفذت السلطات المصرية 7 أحكام باﻹعدام خلال شهري كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير. إعدامات اﻷمس ترفع الإجمالي إلى 16 حكماً منفذاً باﻹعدام، إذا لم يكن ثمة أحكام نفذت خلال شهر آذار/ مارس الماضي. 

قطاع السجون وهو الجهة التي تقوم بتنفيذ أحكام اﻹعدام، لا يصدر بيانات رسمية عند تنفيذ هذه اﻷحكام أو بعدد ما نفذ منها خلال الفترات المنقضية، ولا تصدر وزارة الداخلية، التي يتبع لها قطاع السجون، أي بيانات رسمية دورية بهذا الخصوص، ومن ثم تعتمد وكالات اﻷنباء والجهات الإعلامية المختلفة على المصادر اﻷمنية لمعرفة أخبار تنفيذ أحكام اﻹعدام في القضايا التي قد تهم الرأي العام. أما الجهات الحقوقية وغيرها التي تهتم برصد أعداد أحكام اﻹعدام الصادرة والنهائية والمنفذة عموماً، فتضطر إلى الاعتماد على إخطار أهالي المحكومين لها.

قضية عقوبة اﻹعدام في مصر لا تعني إلا أقلية صغيرة ذات صوت خافت، فيما لا تزال الغالبية العظمى من الرأي العام المصري مؤيدة لاستمرار هذه المأساة. في المقابل، يتم استخدام عقوبة اﻹعدام في ظل الاستقطاب السياسي الحاد، ما يطرح أسئلة وشكوكاً حول عدالة المحاكمات عبر مراحلها المختلفة.

 يزيد من جدية هذه الشكوك العدد الضخم من أحكام اﻹعدام في درجة التقاضي اﻷولى وتخفيضها بشكل كبير في إعادة المحاكمة، إضافة إلى شواهد ثابتة وادعاءات لم يجرَ أي تحقيق فيها، حول إجراءات تحديد المتهمين والتحريات اﻷمنية وإجراءات الضبط وتحقيقات النيابة وكذلك توافر فرص الدفاع القانوني أمام النيابة والمحكمة. كل هذه الشكوك تجعل اﻷحكام الصادرة في قضايا ذات خلفية سياسية محلاً لعدم الثقة في عدالتها، وفي أحيان كثيرة قد يستخدم الإعدام سبيلاً لإسكات المعارضين أو يتم تهديدهم به في أحسن الأحوال.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي نور الدين – صحافي لبناني
تكمن الإشكاليّة الكبرى في المجازفة التي قرر حاكم مصرف لبنان أن يتورّط بها بأموال المودعين، في ظل عطش البلاد لكل دولار تمكن المحافظة عليه في هذه المرحلة تحديداً.
Play Video
بعد أن دُقّ “جرس الانذار” مهدداً بغياب الانترنت، ازدادت مخاوف اللبنانيين من الانقطاع عن العالم الخارجي… فكيف سيبدو المشهد في لبنان بلا انترنت؟

2:08

Play Video
تحظى الرياضة النسائية بـ4% من التغطية الإعلامية المخصصة للرياضة في جميع أنحاء العالم، ما يساهم في تهميش الرياضيات، اللواتي يُنظر إليهن في المقام الأول على أنهن نساء ويُختصرن بمظهرهن أو عمرهن أو حياتهن الشخصية. ما الأسباب الكامنة وراء هذه المعاملة غير المتكافئة الملحوظة؟ وكيف يمكن أن تحرك وسائل الإعلام الخطوط وكيف تروج للرياضة كمحرك للتحرر للرجال والنساء؟

55:50

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني