fbpx

بن يونس يستقيل…
مجرّد انتصار صغير للإعلام التونسي

"إن وسائل الإعلام والصحافيين في تونس لا يزالون يواجهون خطط حزبية للهيمنة على الإعلام في ظل الحرب القائمة بين الأطراف السياسية التي تسعى إلى استخدام الإعلام لتمرير أفكارها أجنداتها..."

حقق صحافيون تونسيون خطوة إيجابية في معركتهم الأخيرة ضد محاولات الائتلاف الحكومي (حركة النهضة، ائتلاف الكرامة، قلب تونس) فرض تعيينات في “وكالة تونس أفريقيا للأنباء” (وكالة رسمية) وإذاعة “شمس أف أم”، فعقب احتجاجات على تعيينه، أعلن المدير العام للوكالة كمال بن يونس استقالته.

صحافيو الوكالة كانوا تعهدوا بالمضي قدماً في إضراب عام هو الأول من نوعه احتجاجاً على اقتحام الشرطة مقر الوكالة لفرض تنصيب كمال بن يونس رئيساً مديراً عاماً، معتبرين تعيينه يهدف إلى سيطرة الحكومة وأحزاب مؤيدة لها على الوكالة ويهدد استقلاليتها. وبن يونس يعتبر قريباً من “حزب النهضة”، أكبر أحزاب البرلمان ويرى صحافيون كثر أنه دعم إجراءات لكبح حرية الصحافة قبل ثورة 2011.

استقالة بن يونس خطوة أعادت الحيوية إلى العاملين في حقل الإعلام، لكنها كشفت أن حرية الصحافة ما زالت مهددة، وأن الرغبة السياسية في السيطرة لم تتوقف لا سيما أن ما حدث تزامن مع تراجع ترتيب تونس في مؤشر حرية الصحافة للمرة الأولى منذ 2011. فصحيح أن تونس اعتبرت الأولى عربياً على مؤشر الصحافة، لكنها تراجعت مقارنة بالعام الماضي.

لا تزال حادثة التعيين على رغم إجهاضها، مثار نقاش وجدل في الوسط الصحافي التونسي الذي يشعر بأن حرية الإعلام على محك التجاذبات السياسية الحاصلة. لكن الحادثة أيضاً أثبتت حيوية الوسط الصحافي الذي نفذ جملة تحركات احتجاجية أدت إلى استقالة بن يونس.

اللافت أنه وفيما انتقدت معظم الأحزاب السياسية اقتحام الأمن مقر وكالة الأنباء وأعربت عن دعمها الصحافيين والعاملين فيها، اكتفت “حركة النهضة” بنفي الاتهامات الموجهة لبن يونس بأنه من المحسوبين عليها بل وذهب بعض قياداتها وقيادات الأحزاب الحليفة لها إلى انتقاد رفض الصحافيين هذا التعيين وكالوا المديح للرجل.

القيادي في الحركة عبد اللطيف المكي في تصريحات إذاعية قال إن “كمال بن يونس المعين على رأس وكالة تونس أفريقيا للأنباء رجل مثقف وقدم محاضرات في الكثير من الأحزاب والمنظمات. ما يحدث في الوكالة أن فئة من الأشخاص (الصحافيين) كانوا يعملون مع بن علي ويرون أن المناصب هي حكر عليهم وهذا غير معقول، وعندما يتم تعيين شخص موالٍ لحركة النهضة في منصب رئيس مدير عام في مؤسسة ما يصبح هناك مشكل”.

كما وصف رئيس “حزب ائتلاف الكرامة” الذراع اليمنى لـ”حركة النهضة” في تعليق على “فايسبوك”، صحافيي الوكالة الذين رفضوا تنصيب بن يونس بـ”العصابات والفاسدين والمؤدلجين والجهلة”، الذين نازعوا رئيس الحكومة في حقه الشرعي في اختيار الشخصية التي يريدها. وطالب بطرد كل من سولت له نفسه الوقوف في وجه كمال بن يونس الذي وصفه بـ”أحد أكبر الأسماء في الصحافة التونسية”.

بن يونس المقرب من “حزب النهضة”، كان من نشطاء الجناح الطلابي التابع لها في فترة الثمانينات، ثم أصبح من الصحافيين الرسميين التابعين نظام بن علي وله سجل حافل بالانتهاكات ضد الصحافيين وضرب حرية التعبير والعمل النقابي. 

بعد الثورة بات مقرباً من “النهضة”، ومن الوجوه الإعلامية الحاضرة في ندواتها وقنواتها التلفزيونية، وتم تعيينه سابقاً على رأس قناة “الزيتونة” المحسوبة على الحركة. ويتهم صحافيو وكالة الأنباء الرسمية بن يونس اليوم بأنه مكلف بتنفيذ أجندة حزبية بهدف السيطرة على الإعلام العمومي وإخضاعه. 

يندرج ما حدث في الأيام الأخيرة ضمن مساعي “حركة النهضة” التي لم تتوقف منذ 2012، لوضع يدها على الإعلام العمومي في تونس وتطويعه لخدمة أجنداتها وتلميع صورتها المتآكلة، لا سيما بعد إغلاق بعض القنوات المحسوبة عليها ومحدودية تأثير البقية. هدف عملت الحركة على بلوغه عبر الأسماء الإعلامية المحسوبة على نظام بن علي الذين أعادتهم للعب أدوارهم القديمة، على أن تكون لهم المناصب الكبرى على رأس المؤسسات الإعلامية، مقابل الولاء للحزب الحاكم. وقد ساعد تقارب هشام المشيشي من رئيس الحركة راشد الغنوشي في توسيع هامش التجاوزات التي بلغت حد اقتحام أمني هو الأول من نوعه لوكالة تونس إفريقيا للأنباء “وات”، الوكالة الرسمية الوحيدة والأقدم في البلاد، والاعتداء على الصحافيين. 

إقرأوا أيضاً:

الخوف الآن من الأخطار المحدقة بمكسب حرية الصحافة الذي يعد المنجز الوحيد لثورة 14 كانون الثاني/ يناير 2011، لا سيما في ظل تأكيد تقرير منظمة مراسلون بلا حدود أن الإعلام التونسي في أزمة.   

وأعلنت “منظمة مراسلون بلا حدود”- مكتب شمال أفريقيا منذ أيام عن تراجع تونس في الترتيب العالمي لحرية الصحافة وللمرة الأولى منذ 2011  لتحتل المرتبة 73 عالمياً عام 2021، بعدما كانت العام الماضي تحتل المرتبة 72 عالمياً وفي 2011 في المرتبة 133 عالمياً.

وبحسب تقرير المنظمة فإن هذا التراجع يعود أساساً إلى تنامي خطاب الكراهية ضد وسائل الإعلام بإيعاز واضح من نواب اليمين المتطرف (ائتلاف الكرامة الذراع اليمنى لحركة النهضة). واتهمت المنظمة زعيم ائتلاف الكرامة الإسلامي الشعبوي سيف الدين مخلوف، بأنه لم يتوقف عن مهاجمة الصحافيين لفظياً داخل مجلس نواب الشعب وعلى منصات التواصل الاجتماعي عام 2019. وذكرت أنه كرر بانتظام عبارات مهينة من قبيل “إعلام العار”، ووصف الصحافيين بـ”الكذابين” و”العصابة التي تريد تدمير البلاد والثورة”.

صهيب الخياطي مدير مكتب شمال أفريقيا لمنظمة مراسلون بلا حدود، استنكر المستجدات التي شهدها الإعلام التونسي في الآونة الأخيرة واصفاً هذا التراجع بـ”الخطير”.

وقال لـ”درج”، “منذ عام 2011 لم تتوقف مساعي مختلف السياسيين للسيطرة على وسائل الإعلام ووضع اليد عليها، كان آخرها التسميات المسقطة على كل من وكالة تونس افريقيا للأنباء وراديو شمس اف أم، التي تصدى لها الصحافيون ومختلف الهياكل المهنية والمنظمات الوطنية والدولية المناصرة لحرية الصحافة بينها منظمة مراسلون بلا حدود. ولكن تجدر الإشارة إلى أن اقتحام الأمن مقر وكالة الأنباء هي سابقة لم يشهد لها مثيل حتى في زمن الاستبداد”.

وأثنى الخياطي على نجاح الصحافيين في الوقوف في وجه التعيينات المسقطة بخاصة المتعلقة بوكالة تونس إفريقيا للأنباء باعتبارها “المقر السيادي للإعلام، وأّول مصدر للمعلومة الموثوقة في تونس، ولا بد أن يظل على الحياد بعيداً من الاصطفاف لأي جهة حزبية كانت أو رسمية”. وانتقد تعطيل استكمال الأطر القانونية المتصلة بحرية الإعلام في تونس وإرساء المؤسسات والهيئات الدستورية بما في ذلك هيئة الاتصال السمعي البصري. 

“لا بد أن نتوقع تراجع واقع حرية التعبير والصحافة في البلاد وأمام الصحافيين مهمة شاقة من أجل الخروج من هذه الحرب من دون أضرار كبيرة”

ومن جهة أخرى، تؤكد تقارير وحدة الرصد في مركز السلامة المهنية في “النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين” أن نسق الاعتداءات على الصحافيين والمصورين يواصل ارتفاعه، إذ سجلت خلال شهر آذار/ مارس 28 اعتداء وتلقت الوحدة 35 إشعاراً بحالات هرسلة وتعنيف. وطاولت الاعتداءات 37 شخصاً، توزعوا بين 26 صحافياً وصحافية و11 مصوراً ومصورة صحافية. وقد توزع هؤلاء بحسب الجنس إلى 11 سيدة و26 رجلاً. وتصدر الأمنيون ترتيب المعتدين على الصحافيين خلال نيسان/ أبريل 2021، بـ12 اعتداء يليهم نواب شعب وبعض النشطاء بثلاثة اعتداءات لكل فئة.

وكان الصحافيون ضحية الاعتداءات الجسدية في 8 مناسبات وضحية المنع من العمل في 7 مناسبات. كما تعرض الصحفيون إلى 5 حالات مضايقة و4 اعتداءات لفظية، وتم الاعتداء على صحافيين في 23 مناسبة في الفضاء العمومي وفي 5 مناسبات في الفضاء الافتراضي.

ولم تكن “وكالة تونس أفريقيا للأنباء” الوحيدة التي خاض صحافيوها معركة من أجل منع تدجينها، فهناك على مقربة منها راديو “شمس. أف. أم” المصادر من الدولة باعتباره أحد أملاك عائلة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، ومن أكثر الإذاعات استماعاً في تونس. وخاض “راديو أف. أم” صراعاً مماثلاً مع الحكومة وحزامها السياسي للحيلولة دون تعيين مديرة جديدة من المقربين من “حركة النهضة”.

ونفذ صحافيو الراديو اعتصاماً مفتوحاً في مقر الإذاعة منذ الـ15 من آذار الماضي وتم تعليقه الأربعاء 22 نيسان، عندما أعلنت المديرة المعينة استقالتها. ويتهم فرع النقابة الوطنية للصحافيين في الإذاعة “حركة النهضة” بالسعي إلى وضع يدها على الخط التحريري للإذاعة من خلال تعيين مديرة من محيطها. كما اتهمت الحزام السياسي الداعم للحكومة بالسعى إلى تعطيل مسار خصخصة الإذاعة حتى يتسنى للأطراف السالف ذكرها توجيه الخط التحريري وفرض وصاية على الصحافيين.

وفي ظل تمسك الصحافيين العاملين بالراديو بمطالبهم أذعنت الحكومة بعد 38 يوماً من الاعتصام بمقر الإذاعة، وبناء عليه استقالت المديرة المقترحة من المشيشي وتقرر تعيين مفوض للتسيير اليومي للإذاعة، وإنهاء إجراءات التفويت والإسراع بإيجاد حلول للمشكلات التقنية في انتظار التفويت.

الكاتب السياسي فريد العليبي يرى أن الصحافة التونسية تعيش فترة دقيقة في رغبة بعض الأطراف وضع يدها على المؤسسات الإعلامية وزجها في معاركها الخاصة.

وقال لـ”درج”، “إن وسائل الإعلام والصحافيين في تونس لا يزالون يواجهون خطط حزبية للهيمنة على الإعلام في ظل الحرب القائمة بين الأطراف السياسية التي تسعى إلى استخدام الإعلام لتمرير أفكارها أجنداتها وكسب ورقة مهمة في معركة كبيرة نشهدها اليوم على الساحة السياسي. ولهذا لا بد أن نتوقع تراجع واقع حرية التعبير والصحافة في البلاد وأمام الصحافيين مهمة شاقة من أجل الخروج من هذه الحرب من دون أضرار كبيرة وهذا يتطلب تكاتف آباء القطاع ودعم المجتمع المدني والسياسيين المؤمنين بحرية الصحافة وأهمية استقلاليتها”. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
ربما من قبيل القسوة، القول إن الحدثين الدمويين الأخيرين لم يفاجئا أحدا، لا داخل أفغانستان ولا خارجها، وأولهم الشيعة الهزارة، ذلك أنهم لم يعرفوا مصيرا سوى القتل، منذ نشأة أفغانستان بحدودها الجغرافية الحالية.
Play Video

7:06

Play Video

2:08

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني