أحلام الناس وكوابيسهم على جدران بيروت…
الغرافيتي كفعل سياسي

لا تقتصر الشعارات على الهم اللبناني سواء لجهة فساد المسؤولين بل هي تمتد لهموم وقضايا من خارج لبنان.

“اعندما ترى كلمات أغانيك مكتوبة على جدران المدينة، تشعر بأن هذه الجدران هي المنصة التي تروج أغانيك، لأن المنصات التقليدية كالتلفزيونات هي منصات النظام”.

يعتبر كاتب ومغني الراب بوناصر الطفار الذي كانت أغانيه تذاع في ساحات تظاهرة انتفاضة 17 تشرين الاول/اكتوبر، أن الفن الذي يقدمه هو فن شارع، بالمعنى الاجتماعي والسياسي للفكرة .بعض عبارات أغاني الراب التي كتبها بوناصر استخدمت على الجدران كعبارة: “أحلام بسيطة بقبر الفقر عم تندفن”، وهي جملة تستقبل الوافد الى مدخل شارع الحمراء، قبالة مصرف لبنان، كتبها متظاهر تزامناً مع احتجاجات 2019، إنما بعد فترة قام متظاهر آخر بتعديلها لتصبح “أحلام بسيطة بقبر الفقر عم تنتفض”.

يثير فن الغرافيتي أو فن الشارع، جدالاً في لبنان، وهو على رغم أنه ممنوع في القانون تحت حجة “تخريب الأملاك العامة”، إلا أنه يملأ الشوارع، ويتعدى الهموم اليومية أو المشكلات المحلية. 

الجدران والحرية

في بيروت وتحديداً في وسطها الذي شهد تظاهرات واحتجاجات حاشدة منذ عام 2019 تختلط الشعارات بالرسوم التي وسمت الحراك الاحتجاجي.

يعتبر بوناصر أن هناك رمزية للاحتجاج في وسط بيروت حيث ارتبط قلب العاصمة بمشروع “سوليدير” بعد انتهاء الحرب وهو مشروع إعماري تجاري انتقده كثيرون بوصفه سلب أصحاب الحقوق الأصليين ممتلكاتهم بأثمان بخسة، وكونه ساهم في انشاء طفرة عمرانية اسمنتية على امتداد بيروت قوّضت هوية العاصمة المعمارية وأحيائها القديمة التي كانت عليها قبل الحرب: “الكتابة على الجدران هي صوت عالٍ جداً بوجه القمع، في سوليدير مثلاً، كانت القوى الأمنية تزيل الشعارات، فيما يعيد المتظاهرون كتابتها عشرات المرات، وقد بقيت الكلمات حتى الآن شاهدة على كل ما حدث”. 

في الفترة الأخيرة، أثار النشاط الذي أقيم للتلوين والرسم على حائط المرفأ حيث وقع انفجار 4 آب الماضي وقتل وجرح الآلاف، والذي نظمه نشطاء من المجتمع المدني، حفيظة كثيرين. وفي التفاصيل، فإن أشخاصاً قاموا بطلاء الحائط المقابل للمرفأ، وتلوينه والرسم عليه، وأزالوا شعارات سابقة لمتظاهرين، كانوا كتبوها هناك. ذريعة هؤلاء أنهم لا يريدون شعارات “عنفية” على جدران المدينة. والشعارات التي تم محوها كانت تحمّل مسؤولية التفجير للسلطة والزعماء اللبنانيين كجملة “دولتي فعلت هذا”. 

مروة صعب وهي صحافية لبنانية أخذت على عاتقها كتابة ما تم محوه من جديد، توضح لـ”درج”: “بقرار سريع نزلت مع صديقتي للرد على كل من يريد التعامل مع موضوع كهذا بطريقة رومانسية. الفن بخاصة في هكذا مكان، يجب أن يعكس المعاناة التي يعيشها الناس وليس فانتازيا يعيشها الرسام، هذا مكان لا تفوح منه غير رائحة الدم، لا نستطيع أن نلونه بقوس قزح”.

الكتابة على الجدران بمثابة أسلوب تمرد، ورد سريع على الأحداث، وهو مرآة للواقع الذي نعيشه، وأفضل طريقة للتعبير عنه، فلكي نفهم ما يحصل في المدينة علينا أن ننظر الى جدرانها كما قال أحد رسامي الغرافيتي .

لذلك فإن عاصمة بلد يشهد أكبر ازماته الاقتصادية والسياسية ويعيش شعبه على حافة الانهيار التام يصعب أن لا ينعكس واقعه على الجدران. تقول مروة أن كتابة الشتائم بات ظاهرة شائعة : “إنه طريقة تعبير أيضاً لكسر الصمت، ومثل ما يقتلنا النظام من دون قيود ويتمادى في ذلك، ستكون طريقة التعبير مفتوحة، ستعرفون أخبارنا من جدراننا، اجمعوا الكلمات من على جدران بيروت وستعلمون أننا لسنا بخير”.

الغرافيتي والحرب

عام 2012، أوقفت مخابرات الجيش سمعان خوام لرسمه في شارع الحمراء جدارية تعبر عن الحرب الأهلية.

يقول خوام لـ”درج”، “لقد ربحت الدعوى التي أقامتها علي الدولة اللبنانية عام 2012، بجرم تشويه أملاك عامة، وتعكير السلم الأهلي، وهذا الحكم أصبح مرجعاً بعد فترة لعدم محاكمة أي شخص بتهمة الكتابة على الجدران.

لم تكن قضيتي مجرد غرافيتي، بل تحولت إلى قضية حرية تعبير، فلقد رفضت دفع الغرامة المفروضة علي (600 ألف ليرة لبنانية)، وذهبت إلى المحكمة وفضلت أن أسجن على أن أدفعها”.   

أما بخصوص النشاط الذي أقيم على حائط المرفأ فيرى خوام أن “هذا ليس غرافيتي بل فن شوارع، أما الكتابة التي أتت لاحقاً فهي غرافيتي، وهي تحمل هدفاً سياسياً واجتماعياً. والغرافيتي في فكرته رُسم ليمحى، وليس ليبقى، يمكنك أن تمحوه وتعيد العمل عليه، أو يمكن أن ترسم بجانبه أو تردّ على ما كُتب، يمكنك أن تفعل ما تريده لأنه موجود في الشارع”. 

يضيف خوام: “في النهاية هذه حرية تعبير، من حق الجميع أن يكتبوا ويرسموا ما يفكّرون به، هذه قيمة الحائط وقيمة الشارع، كمكان للحوار”.

لا تقتصر الشعارات على الهم اللبناني سواء لجهة فساد المسؤولين بل هي تمتد لهموم وقضايا من خارج لبنان. والعابر الى وسط بيروت قرب مبنى العازارية سيرى بوضوح الكتابة الحمراء الكبيرة على أحد المباني، “الحرية لماهينور المصري وعلاء عبد الفتاح”.

توجه الغرافيتي رسالة من بيروت كتبت في أيام الانتفاضة، وصل صداها إلى القاهرة.

في النهاية يمكن أن ترى هموم الناس وتطور مواقفهم في الغرافيتي، بعد انفجار 4 أب/ أغسطس مثلاً، ازدادت الشعارات المكتوبة في بيروت والتي تحمّل ميشال عون و”حزب الله” المسؤولية، أما قبالة مصرف لبنان فالشتائم المكتوبة بحق رياض سلامة والمصارف، لا تعد ولا تحصى.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي نور الدين – صحافي لبناني
كل ما يحصل اليوم على مستوى توجيه أصابع الاتهام إلى خفايا السوق الموازية والتطبيقات الإلكترونيّة، لا يعكس سوى تهرّب حاكم مصرف لبنان من مسؤوليّته تجاه الأزمة وفوضى أسعار الصرف.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني