fbpx

“رامز عقله طار”: الخفة التي لا تحتمل

لا يظهر المريض النفسي في أي عرض أو محتوى بالعالم كمادة للسخرية أو الضحك، لكن برنامج رامز ربما يصبح سابقة، في توقيت زادت من صعوبته المتاعب النفسية الناتجة عن فايروس "كورونا"...

على رغم كل ما يقدمه من تخويف واستهزاء ومن تنميط تحت مظلة “الفكاهة” المفتعلة، لا يزال الممثل رامز جلال يحظى بشعبية واسعة.

على مدى 14 عاماً قدّم 14 موسماً من برامجه التي بدلت حاله من ممثل متوسط إلى نجم برامج. واليوم أصبح رمزاً لشهر رمضان ببرنامج مقالبه، الذي كانت تتهافت عليه القنوات، حتى خفَّضت الفضائيات المصرية ميزانياتها، فلم يعد بإمكانها دفع التكاليف والأجور الضخمة للبرنامج، وفتحت شبكة MBC السعودية خزائنها الضخمة لتشتري البرنامج سنوياً، فلم يبق لها سوى منتج جماهيري واحد تتمسك به وتزيده إثارة وسخونة.

عام 2021، لم يعد التعذيب بالأسود «الطليقة» والثعالب في الصحراء، والمومياوات تحت الأرض، والقروش الجائعة في البحر، والطائرات المعرضة للسقوط، والنيران الهائجة، والثلوج المميتة، كافياً وجالباً للمشاهدات بالشكل المرضي لرامز جلال وMBC، على غرار ما فعل في السنوات السابقة. في هذا الموسم، لجأ البرنامج إلى إلقاء الضيوف من الأعلى، على ارتفاع 13 متراً، بعد ضربهم بطلقات مؤلمة.

حقق برنامج «رامز مجنون رسمي»، العام الماضي، 120 مليون مشاهدة عبر منصات التواصل الاجتماعي، في يومين فقط، وفي العام السابق له، بلغ «رامز تحت الصفر» 116 مليون مشاهدة في الحلقات العشر الأولى، وبتحليل معظم الإحصاءات الرمضانية، نجد أن رامز لا يحقق أعلى نسب المشاهدة بين برامج ومسلسلات MBC وحسب، إنما يتصدر مشاهدات المحتوى العربي بالكامل في رمضان. 

وعلى قدر ما يعتبر هذا الأمر نجاحاً له والإنتاج بالمعنى المالي، إلا أن هذا النجاح يطرح أسئلة مستحقة عن الأثر الذي يخلفه المحتوى الركيك والهابط والمبتذل في أحيان كثيرة في ذائقة الملايين ممن يشاهدونه.

ينتصر رامز جلال، سنوياً، على مهاجمي برنامجه، الذين يطالبون بوقفه ومنع عرضه حتى إن نقابة الإعلاميين المصريين أصدرت قراراً بمنعه من تقديم البرامج، خلال العام الماضي، ليعود هذا العام ويبدأ الإعداد للبرنامج وينتهي منه، وكأن شيئاً لم يكن، كأنه يقول: أنا أقوى من الجميع… ليس بفضل شعبيتي فقط، إنما بالقناة التي أنتمي إليها.

لكن… برنامج رامز جلال في 2021 “رامز عقله طار”، واجه غضباً قبل أن يبدأ، وبعد عرض أولى حلقاته. 

يدور البرنامج داخل مدينة ملاهٍ عالمية في مدينة الرياض السعودية، ويبدأ بتوريط الضيف في ألعاب لإثارة السخرية منه، يرتدي ملابس “دمية” ويلتقط صورة ليرفع رامز أصابعه فوق رأسه صانعاً له “قروناً” كأنه ثور، ثم يدخل المرحلة الأخيرة، تحدث مفارقة تصيب الضيف بالرعب، عطل في لعبة طائرة جواً، ويضطر الضيف للقفز من ارتفاع 13 متراً قبل سقوطه في حمام سباحة بشكل مضحك.

تسبق المقلب فقرة حديث مباشر لرامز جلال، يكشف خلالها الكثير من خصوصيات الضيف، ويتنمر عليه، ويلقي بنكات تستهدف الضحك، والعجيب أنّ رامز لم يغيّر تلك النكات منذ 13 عاماً، حين قدم برامج المقالب للمرة الأولى، يعيدها ويكررها في كل موسم حتى فقدت بريقها، وفقدت قدرتها على الإضحاك، إلى جانب السخرية من أشخاص آخرين.

في الحلقة الأولى من هذا الموسم، استضاف المطرب المصري أحمد سعد، ليكشف تفاصيل شخصية، كزواجه أكثر من مرة، وقيامه بحقن «هرمونات»، بحسب قوله.

وفي الحلقة الثالثة، استضاف الراقصة البرازيلية لورديانا والمؤدي الشعبي «حمو بيكا»، ويقول المحامي المصري بالنقض والدستورية العليا طارق العوضي، إن رامز جلال تحرش بلورديانا تحرشاً صريحاً– وهو اتهام يلاحق رامز خلال تعامله مع الفنانات في كل موسم –وذلك حين تعمّد سداد طلقات في «مؤخرتها» خلال إحدى اللعب، وخلال الحلقة سخر من الفنان السوري أركان فؤاد، على رغم عدم وجوده، وهو ما استدعى رداً من زوجته، الفنانة نادية مصطفى، التي طالبته بالاعتذار.

وفي الحلقة الرابعة، استضاف الفنانة المصرية “ويزو”، وأغرقها بالتنمر على وزنها الزائد، وإطلاق النكات عليها، وتعمد إحراجها، قبل إجبارها على القفز من ارتفاع 13 متراً، وهو ما لا يتلاءم مع حالتها الصحية.

يتوالى انتقاد رامز جلال، يومياً، فكل حلقة تحتوي على قدر كبير من السخرية والتنمر، لكن عرض البرنامج على فضائية MBC السعودية يحصنه من المنع أو الوقف، أو الحظر من الظهور، كما يمكن أن يحدث لأي مذيع أو مقدم برامج آخر على قناة مصرية مستقلة.

يخرج رامز دائماً من النمط القديم لبرامج الكاميرا الخفية وينقلها من مساحة الطرافة إلى الرعب ومنقذ مشاهداته الوحيد هو استضافته نجوماً لامعين لهم جمهور، فقديماً كان البرنامج يستضيف شخصاً عادياً، ويصنع موقفاً طريفاً لا يأتي على كرامته أو احترامه لذاته أو احترام الآخرين له، كما يقول صفوت العالم، أستاذ الإعلام في جامعة القاهرة: « كانت برامج الكاميرا الخفية هي الأقل تكلفة على عكس الآن، أصبحت تكاليفها مهولة، ولم تعد كوميدية بقدر كونها مرعبة وتعتمد على اهتمام محبي الضيف بالمشاهدة أو شماتة من لا يحبونه». 

يرى العالم أن أي مقابل مالي لا يوازي وضع الضيف موضع ضعف وسخرية وضغط عصبي ونفسي والتقليل منه، وأحياناً، تضر صحته، بسبب السلوكيات في هذا النوع من البرامج كالتعليقات الخاصة برامز وبعض الممارسات التي تعتبر تعذيباً للضيف، حتى وإن كانت مشاهد يُتفق عليها ويتلقى الضيوف ثمناً لتأديتها.

إعادة المرضى النفسيين إلى «مربع الوصم»

كانت فكرة برنامج رامز جلال، لهذا الموسم، مختلفة ولكن بالمعنى السلبي جداً للكلمة، قبل أن تثور جميع الأصوات ضده وتجبره على تعديل اسم البرنامج. إذ لم يجد رامز جلال وفريق الإنتاج أي مشكلة في استغلال جميع العوامل، الجائزة وغير الجائزة، حتى إن كانت تنضوي تحت مظلة التنمر أو الوصم والإضرار بفئات ضعيفة في المجتمع، لصناعة برنامجه.

كان يحيل تصرفاته الغريبة، التي تتمحوّر حول تعذيب الضيوف بصواعق الكهرباء وممارسة الجنون بحقهم، إلى المرض النفسيّ، فاسم البرنامج كان «رامز مريض نفسي» وهو بذلك يهدم سنوات من العمل العام والطبي لرفع الوصم عن المرضى النفسيين، وتشجيعهم على العلاج، وإعادة دمجهم في المجتمع، ليأتي عنوان برنامج شخصية يشاهدها ملايين العرب ويهدم كل ذلك ببرنامج مقالب قد يرفع الأدرينالين وينهي الملل لدى المتابعين، لكنه يثبت في أذهان شرائح واسعة أن المرض النفسي هو سبة ومادة للتندر، ومن يصاب به شخص يستحق العقاب.

هذه المفارقة تبدو مخيفة إذا عرفنا أن عدد من يعانون نفسياً حول العالم يصل إلى نحو مليار شخص، أي أنّ بين كل 8 أشخاص هناك شخص واحد على الأقل يعاني من اضطرابات نفسية. 

“الجمعية المصرية للطب النفسي”، كانت قبل انطلاق موسم البرنامج طالبت بتغيير اسم البرنامج وتوجّهه:  «تبذل الجمعية المصرية للطب النفسي جهوداً كبيرة لإزالة الوصمة المرتبطة بالمريض النفسي، وتحاول تشجيع المرضى على العلاج، وإعادة دمجهم في المجتمع، وزيادة ثقتهم في أنفسهم، لأن المرض النفسي مرض مثل أي مرض يُصيب الإنسان، وبهذا يعود بنا البرنامج إلى السنوات الماضية حين انعدمت الثقافة والمعرفة، وكان المريض النفسي أداة للفكاهة والسخرية».

لا يظهر المريض النفسي في أي عرض أو محتوى بالعالم كمادة للسخرية أو الضحك، لكن برنامج رامز ربما يصبح سابقة، في توقيت زادت من صعوبته المتاعب النفسية الناتجة عن فايروس “كورونا”، فعام 2020 تزايدت أعداد المرضى النفسيين من جراء الجائحة المتفشية، أو الإغلاق والإجراءات المصاحبة لها.

يوضح الطبيب النفسي جمال فرويز لـ«درج» أن المرض النفسي هو – بالأساس – مرض عضوي وجيني، ويقول: «تم تقديم المرضى النفسيين في مواقع عدة منها أفلام إسماعيل ياسين وسواها، بصورة مؤذية وغير دقيقة، وصمت المرضى النفسيون حتى يومنا هذا بسبب الصورة التي أُظهروا بها، على رغم أنها كانت ناجحة وكوميدية. والناس أحياناً كثيرة ما زالوا يصدقون أن المرض النفسي والمستشفيات النفسية تشبه ما كان يحدث مع إسماعيل ياسين من 50 سنة وأكثر! وهذا أيضاً ما سيخلفه رامز جلال لأجيال مقبلة تعتبر المريض النفسي شخصاً مؤذياً تجب محاربته، لا التعاطف معه ومساعدته كي يتجاوز محنته”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
بعد 16 عاماً من توليها منصب المستشارة الألمانية، قرّرت أنغيلا ميركل مغادرة الساحة السياسية بسيرة ذاتية حافلة بالدفاع عن الحقوق المدنية وحقوق اللاجئين وانتقادات لمساوتها مع قوى استبدادية عالمية… من هي أنغيلا ميركل؟

2:52

Play Video
يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

1:51

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني