fbpx

عن محمد حسن الأمين وهاني فحص…
وعن معجزة النجف الرابعة

حين يأتي الى النجف ضيوف من بغداد، نحرص على أن نأخذهم إلى المدهشات الأربع: الحضرة العلوية، وادي السلام، جامع الكوفة، والأعجوبة الرابعة هي السيدان (حداثيان تحت عمامتين).

في الليالي الصيفية في أواسط الستينات، نغادر مقهى “رسول ناجي”، نغادر وقد تعبنا من المناقشات حول راسكولينكوف وانطوان روكنتان وقصيدة “الأرض الخراب”. نتحدث من دون أن نسمع بعضنا بعضاً، إنما نراكم الانفعالات بما قرأناه ليلة أمس وقد توقفت أفكارنا في مواجهة الوجود والعدم. الأفكار الكبيرة تزيد إحساسنا بالعجز فنتوقف عن الكتابة ونحن في السطور الأولى (ما هكذا تكتب الأفكار العظيمة). المقهى الذي تركناه يقع في مدخل مدينة النجف أحيط بشجيرات آس متهالكة لتمنع عبثاً رمال الصحراء. لا يأتي السيدان إلى هذا المقهى لأن المؤسسة الدينية تعتبر المقاهي نداً خطيراً للجامع، ولذلك حظّرت على المعممين الجلوس في المقهى. مكانهم الطبيعي هو الجامع أو مجالس الفقهاء.

نسير نحن الأربعة (الشاعر حميد المطبعي، القاص موسى كريدي، الشاعر عبد الأمير معله، وأنا الروائي،) متتبعين أفكارنا وخطواتنا على الأرض الرملية باتجاه بيت في حي كنده، أمامه المدينة تتوسطها القباب الذهبية، وخلفه الصحراء الممتدة إلى نجد. في هذا البيت يسكن السيدان محمد حسن الأمين وهاني فحص. كلاهما كان في أواسط العشرينات، تركا الجبال والبحر في لبنان، وتوجّها لدراسة الفقه الشيعي في مدينة في الصحراء. 

الصحراء سحرت السيدين بالتردد بين أوهام العقل وقدرات الجسد. تصفر العواصف الرملية حول البيت فيزداد إيمان الإنسان الخائف من أهوال الطبيعة بحماية الرب. بين الله والصحراء التي نشأت فيها الأديان خط من الشفق. فيه ينبثق الله والصحراء معاً. خوفاً أو تولهاً بالصحراء، سمى السيد هاني ابنته الكبيرة بادية. بحضور السيدين نغادر موجة المقهى الصاخبة ونضبط أصواتنا على الموجة الهامسة في نوع من الخشوع المتوارث أمام سيدين (من نسل رسول الله) ولبنانيين من ذلك البلد الذي يرسل إلينا منشوراته ونزعاته الحديثة. لا نذهب على موعد مسبق بعد صلاة العشاء، مع ذلك نجد السيدين بانتظارنا مع الشاي الذي خُدّر على مهل. يستمعان لحديثنا باهتمام وتفاجئهم الانعطافات الحادة في أصواتنا نزولاً وصعوداً. يسمعاننا بصبر ثم نتوقف لنسمع نبرتهما الخافتة ولبنانيتهما المفصحة. يضحك حميد المطبعي بصمت وإعجاب حين تلتقط أذناه مفردات مثل “حربوء، فنّاص، غطيّط، غبرة، يأخذ العقل…”، يلتفت إلينا وليس إليهم، ليسأل من دون سؤال عن معاني هذه الشفرات.

السيد هاني أكثر اعتناء بلغته كلاماً وكتابة. “لو خيروني بين الفكرة واللغة، سأختار الثانية” يقول مجازاً. حين يتكلم يصغي إليه الأمين باهتمام من دون أن ينظر في وجهه. حين يكونان وحدهما يزيح الصمت الكلام، فقد “سمعنا كل الأحاديث ولم يبق ما نرويه لبعضنا، وحين يبدأ واحد منّا الحديث نعرف الجملة التالية”.

بمصادفة لا أتذكرها عثرنا على صداقة السيدين. آنذاك كنا، نحن الذين يسمون أنفسنا “الستينيين”، منبوذين في مدينتنا. رجال دين في مجالسهم حرّضوا على طردنا من فضاء المدينة الثقافي. في منارة الجامع القريب من المقهى نسمع من يصرخ محذراً، “بعد أن تخلصنا من خطر الشيوعية جاءنا ما هو أدهى، وهو خطر الوجودية”. حتى السيد المجدد مصطفى جمال الدين وصفنا في واحدة من قصائده بأننا “لا نفرق بين منقار البلبل ومنقار الغراب”. ندّنا من الجانب الآخر مجلة “عبقر” التي يشرف عليها جارنا في محلة العمارة السيد هاشم الطالقاني. المجلة حاربت الحداثة المستوردة ودافعت عن العمود في الشعر في مواجهة قصيدة النثر التي تبنيناها. 

“المدينة تريد أن تتجدّد”

نزداد عناداً وتطرفاً كلما اشتد الهجوم علينا وصار الوسطيون يتحاشوننا أو يقفون في المنطقة الرمادية… هنا سحر التجديد وهناك الثابت القوي. السيدان لعبا دور الوسيط. ففي أحاديث المجالس ينصحان المرتعدين “بهذا تقطعون عليهم خط التراجع، لمَ لا تحاورونهم؟ هؤلاء ليسوا لقطاء كما تتصورون، المدينة كلها تريد أن تتجدد”.

فتح السيدان معنا موضوع الإيمان مرة أو مرتين، طريقتهما في الاقناع تعتمد الأسئلة أكثر من الأجوبة الباتة. “مين بتفتكروا ورا كل هيدي المعجزات؟” في المرة الثالثة اكتشفا أننا مصابون بمرض لا شفاء منه، هو نسيان الوجود… هذا الانسجام المستحيل الذي يحكم حركة الكون بما فيه من معجزات. من الذي يوجهه؟ في ليالي الصيف المتأخرة أرجع منهما إلى البيت وأصعد إلى السطح فأرى الكل نياماً. أشبك أصابعي خلف رأسي على المخدة وأنا أراقب المجرات والنجوم الغمازة وخلفها هذا الغور العميق من سماء لازوردية، أفكر بمعجزات هذا الكون وانسجامه وأقول مثلهما، لا بد من عقل كبير ينظّمه ويحفظنا من حجارة البراكين التي تقذفها كواكب أخرى، أسأل نفسي أحياناً: أهو الله، أين هو، لم لا يطل علينا ولو مرة واحدة؟ حين لا يطل أذهب إلى الزمن الذي استغرقه هذا الوجود… أتعب من عجزي فأنام تحت سقف من نجوم وهيوليات. حين عجز السيدان عن إقناعنا بالإيمان صارا يتحدثان عنه كمبعث سعادة وإلهام يخصّهما. طرحا السؤال الكبير مرة أو مرتين ثم كفّ السيدان عن طرح الموضوع حتى من باب واجبات المؤمن. كنت أجاهر بإلحادي حين أسأل عن وجود الله، أجاهر عناداً للآخرين ولنفسي المترددة، فقد حملت الحيرة ذاتها التي جاهر بها الرصافي والزهاوي والجواهري.

على عكس رجال الدين والأدب النجفيين لم يجد الاثنان في تعارض الأفكار سبباً للقطيعة، فقد شاركا نثراً وشعراً في أعداد مجلتنا (الكلمة) الأولى، وبالنسبة إلى الآخرين كان هذا هو الكفر بعينه، المشاركة مع المجموعة المارقة التي تجمع بين الوجودية والماركسية. علاقتهما معنا لم تحدث قطيعة بينهما وبين دراستهما في الحوزة. على العكس كانت الأفكار تختلط بالدعابات في أحاديثنا فينزعان العمامة ويضعانها على بياض الفراش فينكشف الطفل المختبئ تحت جبة الفقيه.   

مدهشات أربع


حين يأتي الى النجف ضيوف من بغداد، نحرص على أن نأخذهم إلى المدهشات الأربع: الحضرة العلوية ونحشرهم وسط دفق الناس ولهفتهم على لمس شباك الضريح أو تقبيله، وادي السلام والامتداد المروع للموت وقد تحول من فكرة إلى واقع، جامع الكوفة فتسحرهم رحابة المساحة وتركز التاريخ، والأعجوبة الرابعة هي السيدان (حداثيان تحت عمامتين). مرة كان معنا الشاعر الفلسطيني خالد علي مصطفى. حين سمع اللهجة اللبنانية انفتحت سريرته. غادرنا وغادر اللهجة العراقية الثقيلة عليه. استعاد بعضاً من هواء بلاده التي تتصل بجنوب لبنان الذي جاء منه السيدان وانطلق مستعيداً لهجته الفلسطينية ذات الحواف الناعمة. 

كان السيدان معجبين، بما يحصل في المجالس النجفية، وبالتحديد “الإخوانيات”. تنكسر أحاديث الفقه والمنطق بالمقالب الأدبية والشعر الساخر وقد جمعا في ذاكرتهما الكثير منها. “ليس الدين متجهماً، كما تتصورون. هناك الكثير من خفة الدم”. الأمين أقرب إلى ذائقة الشاعر والفقيه (محمد سعيد الحبوبي) في رقة الشعر وإيقاعه. يهز رأسه طرباً حين يردد أشعاره الخمرية، وسيرته تتوافق معه، فقد انشغل بالإصلاح الديني تاركاً للشعر مساحة الهواية.

في أحاديثنا تخطينا الحبوبي والجواهري كرموز للانفتاح الشعري وراح السيدان يتحدثان عن سعيد عقل والياس أبو شبكة والأخطل الصغير وعن قصائد المجون والخمرة والنساء. لم يكن في حديثهما أي استنكار أو استنكاف، فقد اعتبرا هذا المجون بعضاً من تجليات الشعر لا يحاسب الله قائلها، مستشهدين بالحبوبي. 

ما زال النقاش حول الموسيقى في المجالس الدينية. هل الاستماع إليها “حلال أم حرام”؟ بالنسبة إلى السيدين كان الجواب محسوماً: كل ما لا يؤذي النفس والآخرين حلال”. السؤال هو “أم كلثوم، أم فيروز؟”، بالنسبة إلى السيدين تنتمي فيروز والرحابنة إلى مناخ روحي حملاه تحت عباءتيهما، مناخ القرية الجبلية. لكثرة ما رددا كلمات أغانيها قلبا ذائقتي من أم كلثوم إلى فيروز.

 لقاء متأخر في صيدا 

انقطعت عن النجف وعن السيدين وغابا عن ذاكرتي.… مرات تقدح المنائر الذهبية فتمتد المدينة في ذاكرتي ثم تبزغ وجوه وتغيب، ومنها وجها السيدين ونور الإيمان حولهما تخيلاً وافتراضاً، ثم يغيب الكل في زحمة الوجوه والمدن.

 في بداية الثمانينات في بيروت، كنت أحرس الشارع دونما سلاح وأنا أطل عليه من شرفتي في الفاكهاني. في هذا المربع- الثكنة، أتوقع رؤية كل شيء، بوهيميين في مقهى على الرصيف يحيطون بالشاعر رسمي أبو علي، تروتسكيين يدخنون “الغلواز” ويتبادلون جريدة “الطليعة”، إضافة إلى صبيان لم تنبت شواربهم بعد، يعتلون رباعية الدوشكا المضادة للطيران، عملاء وجواسيس من كل الدول يتابعون تحركات معارضي حكوماتهم… مع ذلك رأيت بين حرّاس المقرات على الجانبين علامة استفهام غريبة: تحت عمامة سوداء رجل يتجول على مهل ويعرج قليلاً إلى اليسار، فيه لمحة من ماض نسيته. ماذا يفعل هنا؟ تركت الكتاب من يدي وصحت بصوت عال: يا سيد؟ توقف محمد حسن الأمين واستدار إلى الخلف باحثاً عن المنادي. لا أحد كان معنياً بهذا النداء غيره… هنا يتنادى الناس بـ”يارفيق، يا أخ، أبو العز”. نزلت الدرجات بقفزات ووجدته ما زال واقفاً وسط الشارع يبحث عن المنادي.

-انا زهير الجزائري صديقك النجفي.

بيده الناعمة التي لم تلمس أدوات العمل، أزاح غيمة السنين بيننا ليعود إلى ما قبل عشرين عاماً. فجوة الزمن بيننا اختصرت بسؤال “أين كنت يا رجل؟”. المسافة القصيرة إلى السيارة التي تنتظره لم تمنحنا الوقت لأحاديث طويلة. خلالها عرفت بالخيوط التي تربط السيدين بحركة “فتح” وبـ”الحركة الوطنية اللبنانية” ومنها اليسار. إنه هنا لمواصلة حوار. وكان بيته خلال الحرب الأهلية وبعدها، ملتقى المتحاورين. تبنى الأمين، وهو في عمامته نهج العلمانية المؤمنة، لمصالحة الدين مع الدولة المدنية. 

ورأى أن “الدولة الدينية اعتداء على الدين نفسه”، لأن الدولة والحكم شأن بشري، لا مسألة دينية.

تواعدنا في صيدا التي يعمل فيها. تراتبية اهتماماته تبدأ بالسياسة التي كانت هاجس لبنان في هدنة بين حربين، والأصح في سلام مرتجف أصعب من الحرب. ما تعلمه في النجف من علوم اللغة والمنطق، صار خلفية بعد دخوله مدرسة الحرب الأهلية التي علمته الويلات ومنها تبعثرت الأفكار تحت قصف المدافع. اهتمامه بالفقه عملي لتصريف شؤون الناس. كان يعتبر الفقه الجعفري مدنياً لأنه معنيّ بمشكلات الناس الحياتية. 

على الموعد جاءني السائق ليأخذني إلى المدينة التي مرت بها كل الحضارات، الآشورية، البابلية، الفرعونية، الرومانية، الفينيق، العرب، ثم السلطنة العثمانية. بين البحر والتاريخ اختار بيته. لم يكن محرجاً من موقعه كقاض جعفري في مدينة سنيّة. السنة يتوافدون على بيته كما الشيعة، وحين يسأل عن موقع بيته يشير إلى مدرسة الراهبات كعلامة.

على الموعد أيضاً جاء هاني فحص من جبشيت. لم يتصافحا ولم ينهض السيد الأمين لاستقباله، كأن صديق عمره كان هنا قبل قليل. نحن الثلاثة وبيننا صحن الفواكه الكبير. اللبنانيون أكثر العرب إبداعاً في ترتيب الفواكه كإعلان ودعوة. يمسحون التفاحة حتى تشع ضوءاً فتجمع بين الدعوة والامتناع. أن تقضمها يعني أن تطفئ الضوء فيها. نسينا الفواكه حين بدأت فواكه الكلمات. كل ما حولنا غاب… صحن الفواكه، رفوف الكتب، ومنها كتب أجداده، سراي الباشا والقلاع الممتدة وسط البحر… الأحاديث اخترقت  المكان والزمان وأخذتنا إلى الضد، الى تلك المدينة الصحراوية التي جمعتنا قبل أقل من 20 عاماً. لا أعرف كيف بدّل السيدان لهجتهما إلى النجفية ليذكراني بنصفهما الآخر، فأدركت أن لهجتي النجفية ذابت بلهجات أخرى. ثقافة الاستظهار والحفظ تقوي الذاكرة. فاجأني السيدان بأسماء ووقائع نسيتها. يحك السيد هاني فحص لحيته وقد انتصبت شعيراتها، في كل شعرة فصل من ذاكرته: 

-اسمه، اسمه…؟ مكي زبيبه.

أردنا أن نرجع إلى عشرينياتنا ومنها إلى الطفولة الدفينة فينا. نتسابق في التقاط المفارقات والمضحكات. كيف خدعنا حميد المطبعي وقدّمنا له بغدادياً لا علاقة له بالأدب على أنه الشاعر سركون بولص. لم يعرف الآخر كيف يرد على أسئلة حميد عن قصائده، ولم ير حميد المطبعي في صمته ما يثير الريبة، بل زاده إعجاباً بصمته. 

تحدثنا عن رسائل حميد المطبعي الى: كولن، كولن إياه، كولن ولسون… 

عن رزاق أبو الطين الفخور بفقره ومحاولاته الجمع بين الوجودية والعمود الشعري. قصيدته طويلة جداً فاقترحنا عليه أن يضع في وسطها استراحة لتناول المرطبات، كما في أفلام السينما. 

ضحكنا وضحكنا من ضحكنا وقد هالني احمرار وجه السيد الأمين وقد طرد القاضي وهو يختنق بضحكاته.  

بين الأحاديث تأتيني لفحات من هواء رقيق، لفحة من هواء البحر المالح تزيد عطشي، ولفحة من هواء الجبل تفتح نفسي. لم أشتهِ الخمرة كما اشتهيتها ذلك اليوم. سأشربها في ذكراهما وقد رحلا اليوم رافعا كأسي “نخب السيدين!”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
إنها اللحظة التي لطالما كابدها الفلسطينيون طوال مسار مأساتهم مع الاحتلال، ومع موظفي قضيتهم على طاولات مفاوضات لا تمت لمصالحهم ولظلامتهم مع المستوطنين بصلة.
Play Video
مشهدية هجوم مستوطنين على منازل فلسطينيين والاعتداء عليهم في مخطط لإجلائهم وتغيير وجه القدس الديمغرافي، جعلت شخصيات عامة داخل إسرائيل وخارجها تنتقد إسرائيل علناً…

1:36

Play Video
مع تأخر موسم الشتاء وتراجع كمية المتساقطات، هل دخل لبنان نفق التصحر؟ كيف تتأثر القطاعات الزراعية والسياحية بذلك؟ وما هي الحلول؟

6:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني