fbpx

“علشان خاطر عيونك”:
شيريهان تودع عروس”الماريونيت”

ظهرت شيريهان أمام المرآة امرأتين، الأولى شيريهان في رداء استعراضي لأنثى آتية من عالم الأساطير والأحلام... لكن أمامها تظهر شيريهان الأخرى ببذلة محاربة وبشعر معصوب كالمهرة البيضاء العصية على التلجيم.

في آخر أيام عرض المسرحية الشهيرة “علشان خاطر عيونك” في نهاية حقبة الثمانينات، وفي ذروة تألق الفنانة شيريهان مع الممثل المعروف فؤاد المهندس، كانت عيون الجماهير منجذبة الى الشابة الرشيقة، صاحبة الموهبة والغنج، التي ذاعت شهرتها. 

وسط هذه الجماهير كانت هناك عينان تنظران بإعجاب كبير. كان ذلك علاء مبارك، نجل الرئيس المعزول حسني مبارك. 

حضور علاء العرض بدا تأكيداً لما كان يتهامس بشأنه كثيرون حول علاقة عاطفية جمعت ابن الرئيس مع النجمة الشابة.

كان من الصعب تفادي الاهتمام بقصتهما، خصوصاً بعد تسريب صورة يرقصان فيها. لكن يبدو أنه كان لوزير الإعلام وضابط المخابرات السابق صفوت الشريف رأي آخر ودور مغاير. هذا ما بينته شهادات وروايات ظهرت في السنوات التي أعقبت عام 1989.

فصفوت الشريف عرف بتسجيلات كان يلتقطها لشخصيات سياسية وفنية معروفة ولاحقاً يبتزها بها، كما قالت ذلك مراراً السيدة اعتماد خورشيد، زوجة أب شيريهان. والأحاديث عن علاقة جمعت شيريهان بعلاء مبارك وصلت إلى المخابرات المصرية وصفوت الشريف الذي بدأ يضغط باتجاه قطع العلاقة بضغط من أسرة الرئيس مبارك.

بحسب مخرج مقرب من شيريهان فضل عدم ذكر اسمه، فإن حسني مبارك حذر نجله بعدم التمادي، لكن  علاء مبارك وشيريهان قررا الزواج. يقول المخرج لـ”درج”، إن علاء وشيريهان في أحد أيام عام 1989 كانا يتناولان الغداء في مطعم “سمكمك” في الإسكندرية، وانطلقا لعقد قرانهما، إلا أن المخابرات المصرية أرسلت ضباطاً أشهروا الأسلحة في وجه علاء، وأبلغوه أن والده أمرهم بإطلاق النار عليه إذا رفض المجيء معهم، وتم القبض على علاء مبارك وسجن في قصر  القبة الجمهوري لمدة شهر، فيما تعرضت شيريهان لضرب مبرح في فقراتها العجزية بهدف تعجيزها للأبد، وتُركت في سيارة مهشمة على الطريق الصحراوي . 

لا يعلم أحد صدق الروايات بالكامل إلا شيريهان نفسها، بخاصة أن الروايات متضاربة، لكن قصة الحادث الذي كاد يودي بحياة النجمة الشابة شغلت الوسط الفني والرأي العام المصري والعربي لعقود.

في مقابلة نادرة سجلتها شيريهان مع المخرج فؤاد عليوان في مطلع التسعينات، تتحدث عن مدى معاناتها من “حادث” لم تكن نجاتها منه متوقعة، بل استلزم الأمر ما يشبه المعجزة لتنجو وتستعيد الحركة: “ضهري اتكسر والحوض، العظم دخل في النخاع الشوكي، شالوني كتلة لحم إلى أميركا ثم إلى فرنسا لتركيب مسامير في ظهري وفخذي،كنت زي عروس الماريونيت”. 

خاضت شيريهان تجربة العجز الجسدي الكامل مرتين وفي الثالثة هاجمها السرطان لتعتزل الفن لمدة 19 سنة، وصفت نفسها بعد الشروع في قتلها بـ”العروس الماريونيت”، جسد مفكك لا يمكن تحريكه سوى بمساعدة أكثر من يد، و30 مسمار اً في الظهر والحوض حاولت بها استعادة حياتها السابقة.

في مقابلتها تلك قالت شيريهان “كنت عايزة أقوم وارجع وقمت”.

واليوم وبعد عقدين تقريباً من انكفائها واختفائها، عادت شيريهان كبطلة لإعلان شركة “فودافون” للاتصالات . اطلّت بــــ”شعرها الطويل حتى الينابيع” على إيقاع موسيقى “ألف ليلة وليلة”، المقطع الأشهر في فوازير “فاطيمة وكريمة وحليمة”، جذب اللحن خيطاً من الماضي الاستعراضي الباهر لإحدى أبرز الممثلات الاستعراضيات في مصر ، استرجعت شيريهان شريط حياتها، فكل جملة في الاعلان هي إحالة لحياة شيريهان  التي تضج بالصخب  والأسرار ومحاولات التعافي والعناد.

عروسة ماريونيت ..علشان خاطر عيونك

في الإعلان الأخير لشيريهان، ظهرت في مقطع وهي تحتضن شاباً، ويؤديان رقصة تشبه صورتها المسربة مع علاء مبارك، وبحركة مباغتة يلقيها الشاب في الهواء ويشكل مَن حولهما من الراقصين مشهد سيارة،  تتحول شيريهان إلى عروس ماريونيت مهشمة على سرير في مستشفى، قبل أن تقوم وتؤدي المقطع الراقص التالي.  لا يخفى أن الإعلان يجسد حياة شيريهان، فهل يؤكد هذا المشهد كل الروايات عن أن علاء مبارك هو المتسبب، أو والده، في محاولة قتلها في نهاية الثمانينات؟

“عرفتي حكاية النورس؟”

حياة شيريهان عبارة عن رموز، ميراث ثقيل من الأحداث والنبوءات، وعلى رغم أن الواقع كان حاداً وصادماً. كأنها رموز الدرس الذي لن يستطيع أحد غيرها فك شفراته، تشعر شيريهان أنها عاشت ألف عام وتحكي وهي مشدوهة قصة نبوءة المخرج عاطف الطيب.

  كان عاطف الطيب يقرأ لها سيناريو  فيلم “جبر الخواطر” بعد غيابها سنوات بعد الحادث، وسرد جملة ستأتي على لسان الممثل أشرف عبد الباقي يقول “عرفتي حكاية النورس اللي فضل يطير يطير وفرد جناحه وطلع في السما وبعدين وصل لإيه، أهو دا اللي لسا محدش يعرفه”. كرر عاطف الطيب هذه الجملة في السيناريو أكثر من مرة وعندما سألته شيريهان عن السبب، قال لها “أنا عارف”، خافت شيريهان من حكاية النورس، وتحليقه بأجنحة متينة، كانت تخشى أن عاطف الطيب يقصدها  بهذا الرمز، وهي الآتية تواً من عمليات تركيب مسامير في ظهرها وفخذها، بعدما تهشم جسدها وفقرات ظهرها. كانت خارجة من تجربة فيلم”كريستال” بعد العودة، لم تستعد ليونتها وكانت تثابر للتعافي مع جلسات العلاج الطبيعي، حتى جاء عاطف الطيب ليجبر خاطرها ويعدها بتحليقة النورس.

إقرأوا أيضاً:

في سيارة الإسعاف أمام “المولان روج”… مزيد من النبوءات

تقول شيريهان في أحد حواراتها “كنت أتمنى أكون بعرف أكتب، في حاجات كتير عشتها في رحلة الألف عام اللي دخلت فيها ممكن تتعمل أفلام” .

أتخيل شيريهان وهي داخل سيارة الإسعاف أمام صالة العرض الاستعراضي الشهيرة “مولان روج” في فرنسا، تنظر  والمخرج المسرحي سمير خفاجي للأضواء الباهرة حول الصالة وتقول، “لو عشت هرقص رقصة الفالس وأنت اللي هتكتب لي المسرحية”، مشهد سينمائي لفتاة تخلق نبوءتها، كنت سأظن أنه من خيال شيريهان لولا أنها حكته في حفل عودتها مع شركة “العدل” أمام سمير خفاجي نفسه. شيريهان ابنه راقصة البالية عواطف محمود هاشم، لم ينجها من الموت مرات سوى هذه النبوءات الفنية الحالمة، هل الفن قادر على صنع المعجزات؟ في حالة شيريهان طبعاً هو قادر على ذلك.

تجارب صعبة أعقبها سرطان في الغدد اللعابية

على خشبة مسرح البيكاديللي أيضاً في مطلع التسيعينات في بيروت، وقفت شيريهان تعد جمهورها اللبناني بالعودة بعرض مسرحي مبهر آخر، بعد احتفاء كبير بعرضها المسرحي “شارع محمد علي”، مع الممثل الراحل فريد شوقي وهشام سليم والمنتصر بالله. كانت شيريهان منفردة بالحديث مع الجمهور وكان الممثلون الآخرون ممتعضين، أدركت شيريهان أنها تعافت بالكامل ولم تتراجع عن الاستحواذ على مساحتها والسيطرة الكاملة على مشاريعها المقبلة. لكن فجأة أحست بصعوبة في البلع، فمع كثرة تناول المسكنات بسبب العمليات الخطيرة المتكررة، أصيبت بسرطان  الغدد اللعابية. خضعت شيريهان لاستئصال جزء من الغدد اللعابية وجزء من الخد الأيسر. انتكاسة جديدة أبعدتها وأخضعتها لعمليات تجميل كثيرة على مدار 9 سنوات أمضتها خلف الأضواء حتى قامت ثورة يناير حيث شاركت في ساحات التظاهر.

كثرة الحوادث التي تعرضت لها شيريهان كانت عصية على البلع بالمعنى المجازي، تبرؤ عائلة والدها من نسبها، الموت المفاجئ لشقيقها المطرب عمر خورشيد عام 1981 فيما تردد أنه تصفية على يد رجال مخابرات صفوت الشريف، زواجها من علال الفاسي الذي منعها من الخروج حتى خرجت من بيته بمساعدة الشرطة، العيش بـ30 مسماراً في الظهر والحوض، ووجه بنصف فك واعتزال في ذروة النجاح.  

الميدان مسرح مفتوح لرقصة ثائرة 

قابلت شيريهان أمام دار الأوبرا في ذروة تظاهرات ثورة يناير ضد حسني مبارك. وحينها ظهرت بعد غياب طويل ولم تخش صدمة جمهورها من أن يراها بخد واحد، كانت تجلس على رخام أمام بوابة الأوبرا وتصيح “أنا ضد صنع إله تاني”، ذكرت على الفور أغنية فيروز “عدنا رأيناها  وقد عشقناها”. كنت أصدق الروايات حول جرائم عائلة مبارك معها، على رغم عدم تأكيدها لها، شعرت بأنها محظوظة بالانتصارات التى تحصدها، أكبر انتصاراتها أنها ترى مبارك ونجليه ورجال مخابراته خلف القضبان، تخيلت أنهم يرونها على شاشات التلفزيون، تهتف ضدهم في مشهد كان سيبدو فانتازياً لو تخيلته في التسعينات.

اليوم أبناء مبارك خارج السجون وشيريهان تدير ظهرها للماضي  وترقص،  في إعلانها الأخير الذي حقق ملايين المشاهدات خلال ساعات على “يوتيوب”. رسم مخرج الإعلان محمد شاكر خضير شيريهان بشخصيتين وكأنها بطلة فيلم swan lake  في مقاربة ذكية لامرأة صارعت في أكثر من معركة شرسة، محاولة قتلها عمداً، و محاصرة مرض السرطان لها، والستار الذي أُسدل على تجربتها أكثر من مرة.  ظهرت شيريهان أمام المرآة امرأتين، الأولى شيريهان في رداء استعراضي لأنثى آتية من عالم الأساطير والأحلام، تبدو هشة وسهلة التحطيم، لكن أمامها تظهر شيريهان الأخرى ببذلة محاربة وبشعر معصوب كالمهرة البيضاء العصية على التلجيم. خاضت سباقاتها المستحيلة مع الحياة وقطعت شارة الفوز أكثر من مرة. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
إنها اللحظة التي لطالما كابدها الفلسطينيون طوال مسار مأساتهم مع الاحتلال، ومع موظفي قضيتهم على طاولات مفاوضات لا تمت لمصالحهم ولظلامتهم مع المستوطنين بصلة.
Play Video
مشهدية هجوم مستوطنين على منازل فلسطينيين والاعتداء عليهم في مخطط لإجلائهم وتغيير وجه القدس الديمغرافي، جعلت شخصيات عامة داخل إسرائيل وخارجها تنتقد إسرائيل علناً…

1:36

Play Video
مع تأخر موسم الشتاء وتراجع كمية المتساقطات، هل دخل لبنان نفق التصحر؟ كيف تتأثر القطاعات الزراعية والسياحية بذلك؟ وما هي الحلول؟

6:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني