fbpx

من أوراق التسعينات: الطريق الى الحكومة الكردية الأولى

كيف تم الوصول لإعلان الحكومة الكردية الأولى في العراق في زمن صدام حسين؟ هنا وقائع لتلك الحقبة بحسب من عايشها.

بحلول كانون الثاني/ يناير 1992، كانت القيادة الكردية وأنقرة قد تجاوزتا الأزمة التي أثارتها العملية العسكرية التركية الواسعة في آب/ أغسطس من العام السابق، ضد مقاتلي “حزب العمال الكردستاني” داخل أراضي كردستان العراق، واستؤنفت الاتصالات والزيارات. 

خلال زياراتي تركيا منذ نهاية 1989 كنت تعرفت إلى عدد من الديبلوماسيين الغربيين خصوصاً في سفارات بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، فكنت ألتقي في كل مرة المسؤولين فيها عن شؤون الشرق الأوسط وكان ذلك يشمل الملف الكردي في تركيا والعراق لتبادل الآراء والمعلومات ذات الصلة بالتطورات والأحداث المرتبطة بالكرد والتعامل الغربي والتركي معها. قوات التحالف كانت تواصل عملية “بروفايد كوفورت” واستمرت حتى بعد انسحابها من كردستان العراق، محتفظة بقوات نشرتها في قاعدة انجيرلك التركية التي كان يستخدمها حلف الأطلسي. 

لكن الأمور لم تسِر بطريقة سلسة، فالأتراك سرعان ما بدأوا يثيرون العراقيل أمام قوات التحالف بذرائع مختلفة،  أغربها أن الولايات المتحدة كانت تساعد سراً “حزب العمال الكردستاني”، الآمر الذي اعتبره الديبلوماسي الأميركي مايكل بيكسلي في لقاء معه في أنقرة “سبب تحفظاتهم إزاء عملية بروفايد كومفورت”. وأضاف أنهم “يشكون حتى في عمليات إلقاء شحنات المواد الغذائية من الجو على مناطق تجمع اللاجئين الكرد في الملاذات الآمنة. وعلى رغم موافقتنا على أن يكون ضابط تركي ضمن طاقم طائرات الشحن التي تلقي المواد الغذائية للمراقبة، فإنهم كانوا يتوترون كلما شاهدوا على الأرض مقاتلاً كردياً يرتدي قبعة عسكرية اميركية يقولون لنا: هذا هو الدليل على أنكم تدعمونهم. 

وكان من الصعب اقناعهم بأن الحصول على قبعة من هذا النوع لم يكن أمراً مستحيلاً”. (مايكل بيكسلي – أنقرة في 28/6/1993). وهذا ما أكده أيضاً ديبلوماسيان أميركيان آخران هما القنصل الأميركي في أضنة وليام وارن وفرانك ريتشاردوني الذي كان ممثلاً للحكومة الأميركية لمراقبة تنفيذ عملية بروفايد كومفورت، عندما التقيتهما في أضنة في تموز/ يوليو 1993.

لكن ديبلوماسياً آخر في السفارة الأميركية هو روبرت بايس اعتبر، رداً على سؤالي عن كيف ومتى بدأت المشكلات مع الأتراك بسبب الكرد، أن تركيا “شعرت بالانزعاج لشعورها بأن الغرب، خصوصاً الإعلام الغربي، كان يتجاهل الموقف التركي المتعاطف مع أزمة اللاجئين الكرد. وفيما كانت الأضواء تسلط بشكل مركز على الدور الغربي كان هناك إهمال للدور التركي، مع التركيز على الجوانب السلبية فقط، كحالات التعامل السيئ من قبل جنود أتراك تجاه اللاجئين الكرد، من دون أي اعتراف بالجوانب الإيجابية، وعلى سبيل المثال موافقة تركيا على قبول نحو 60 ألف لاجئ كردي فروا من العراق في 1988”. 

بايس أضاف أن تركيا واجهت انتقادات شديدة خصوصاً في وسائل الإعلام الغربية لرفضها فتح حدودها أمام اللاجئين العالقين على الجبال في 1991، “لكن في الواقع ان موقف تركيا على رغم قساوته قدم أكبر خدمة للكرد لانه في النهاية ادى الى عودتهم الى ديارهم بدلا من تحولهم إلى لاجئين في تركيا. وكان موقف أوزال الرافض لفتح الحدود عاملاً رئيسياً أجبر الغرب على اقامة الملاذات الآمنة. إلى ذلك فان العالم لم يعترف تماما بالدور الذي لعبه الرئيس أوزال في تبني مشروع الملاذ الآمن داخل الأراضي العراقية وهو مشروع قابله الأميركيون في البداية ببرود، وفيما بعد اقترن تحقيق المشروع باسم رئيس الوزراء البريطاني جون ميجور بعدما تبناه”. (روبرت بايس – أنقرة في 1/7/1993)

اريك رولو

الصحافي والديبلوماسي المعروف الراحل إريك رولو الذي كان سفيراً في أنقرة في تلك الفترة أشاد بدور أوزال حيال أزمة اللاجئين، وفي السياق العمل على تحقيق القرار 688 الذي اتخذه مجلس الأمن في 5/4/1991. رولو اعتبر أن موقف تركيا كان حاسماً في اتخاذ القرار. عام 1994 سافرت إلى باريس للقاء رولو ليحدثني عن الموضوع، كونه كان سفيراً لبلاده في أنقرة. قال إنه كان على صلة مباشرة بالخلفيات التي أدت إلى إقامة الملاذ الآمن واتخاذ القرار 688: “ففي ذروة ازمة اللاجئين العالقين على الجبال في الحدود العراقية – التركية وصل الى انقرة برنارد كوشنير الذي كان خبيراً في إيجاد حلول لأزمات اللاجئين وإقناع الحكومات بتبنيها وهي خبرة راكمها بفضل عمله الطويل كرئيس لمنظمة أطباء بلا حدود لذلك استطاع بسهولة اقناع الاتراك بأن اقامة ملاذات آمنة داخل العراق ستؤدي الى عودة اللاجئين بالتدريج إلى ديارهم بدلاً من بقائهم على الحدود (…).

 وفي لقاء لنا مع مسؤولين في الخارجية التركية نجح كوشنير في إقناعهم بفكرة أخرى. كان صعباً إقناع الأمم المتحدة بفكرة الملاذات الآمنة، لأنها كانت تعتبر ذلك شأنا عراقيا داخليا. وكانت طرحت مسودات لمشروع قرار لم يتبنّه أحد في الأمم المتحدة. لذا اقترح كوشنير أن تقوم فرنسا بطرح مشروع قرار يمكن قبوله. كانت فكرته تقوم على أساس أن استمرار أزمة اللاجئين الكرد يعتبر تهديداً للسلام الدولي لذلك يتعين على الامم المتحدة ان تتبنى موقفاً تجاه المسألة الكردية. بحثنا هذه الفكرة مع المسؤولين الأتراك وهي الفكرة التي شكلت الأساس للقرار 688 وفي الإطار تبادلنا معهم الاقتراحات والافكار وأنا اعتبر ان كوشنير لعب دورا كبيرا في الموضوع”.

إقرأوا أيضاً:

في الاطار روى لي رولو عن لقاء اجراه وكوشنير مع مجموعة من اللاجئين الكرد. “قمنا بزيارتهم في معسكر تركي حيث اجتمع نحو 400 لاجئ من الكرد وغير الكرد ايضا اغلبهم كانوا ضباطا في الجيش العراقي وكانت أوضاعهم أفضل نسبياً من أوضاع بقية اللاجئين. ألقى كوشنير كلمة قمت بترجمتها الى العربية فحواها انه سيتعين عليهم أن يعودوا في النهاية الى العراق. رد احد اللاجئين بكلام صريح وصارم قائلاً إنهم لا يثقون لا بفرنسا ولا بأي قوة كبرى. ولوح لنا بمنشور قال ان الاميركيين ألقوه من الجو على مواقعهم يدعون فيه الضباط والجنود الى الانتفاض على الديكتاتور وهذا ما فعلناه لكنكم لم تساعدوننا وها اننا هنا نسمعكم تقولون لنا عودوا الى العراق، لكنكم لا تفعلون أي شيء لإطاحة صدام حسين، ونحن على قناعة بأن القوى الكبرى لا نية لها أصلاً بالتدخل بسبب مصالحها النفطية. وبصراحة أنكم في الغرب عملتم على صناعىة الديكتاتور. انها حكومة قوية غنية بالمال وانتم الفرنسيون تحديدا بعتم صدام حسين معدات عسكرية حساسة جدا وها انتم تواجهون هذا الرجل الذي صنعتموه. 

وأضاف ذلك الضابط وشاركه آخرون بأنهم لا يريدون العودة الى بلد قمعي لانهم لا يثقون ببغداد ولا بالدول الكبرى. لكن بما انكم جئتم لزيارتنا فاننا نرجوكم ان تساعدوننا لنهاجر إلى الغرب”. يتابع رولو: “بعد ذلك نهض لاجئ آخر وقال شيئا مريعا: “سمعنا بأن لديكم في الغرب جماعات لحقوق الحيوانات وانكم تعاملون الحيوانات أفضل مما يعاملوننا في العراق. لذلك نطلب منكم أن تعتبرونا حيوانات وتوفروا لنا الحماية”. وختم رولو حديثه بالقول: “كان كلام ذلك اللاجئ صادماً إلى حد أننا لم نستطع أن نرد عليه. ولاحقاً قال لي كوشنير أنه تأثر كثيراً بكلام اللاجئ الذي أوضح أن هؤلاء الناس متشائمون جداً من المستقبل”. (إريك رولو – باريس في 20/1/1994)   

  

قصة “الرسالة” الغربية

في بداية عام 1992 زرت أنقرة في مهمة صحافية مندوباً من “الحياة”. وكالعادة التقيت عدداً من المسؤولين والسياسيين الأتراك والديبلوماسيين الأجانب المعتمدين في أنقرة المعنيين بالوضع الكردي، بينهم ديبلوماسي غربي كنت ألتقيه في تلك الفترة كان على وشك انهاء مهمته في أنقرة والعودة الى بلاده، فدعوته إلى أحد المطاعم للتوديع وتبادل الآراء. كان ذلك الديبلوماسي اكتسب خبرة كبيرة من خلال تعامله المباشر مع الكرد وقضيتهم. خلال الحديث معه قال إنه يتمنى أن يستطيع الكرد أن يبرهنوا قدرتهم في إدارة شؤونهم الأمر الذي من شأنه أن يعزز صدقيتهم وبالتالي أن يؤدي إلى توسيع الدعم الغربي، الشعبي والرسمي، لهم والالتزام بحمايتهم لكن يتعين على القيادة الكردية أن تتخذ خطوات عملية في هذا الاتجاه. 

بدأ يسترسل في الحديث فأخذت أسجل في دفتر ملاحظاتي النقاط الرئيسية في كلامه بعد الاستئذان منه فوافق مشترطاً عدم ذكر هويته. في نهاية الحديث وبعد توديعه عدت الى غرفتي في الفندق وأخذت أراجع النقاط التي سجلتها فبدأت رأساً بكتابة رسالة خاصة إلى رئيسي الجبهة الكردستانية مسعود بارزاني وجلال طالباني، وهي لم تكن رسالتي الأولى والأخيرة إليهما. اعتبرت اقتراحاته أو نصائحه أو تمنياته مهمة فقررت ان اصفها في رسالتي الى الزعيمين الكرديين بأنها “رسالة من جهات غربية” الى القيادة الكردية. 

 باختصار هنا مقاطع من “الرسالة الغربية” كما أشرت اليها في رسالتي الى الزعيمين الكرديين: “أمام الكرد فرصة تاريخية ينبغي عليهم استغلالها وعدم إضاعتها. وإذا أحسنت القيادة الكردية التقدير ولعبت أوراقها ببراعة فسيمكنها من تحويل هذه النافذة إلى باب يفضي إلى آفاق رحبة (…) لقد خلق الغرب وضعا أصبحت كردستان العراق في ظلّه أشبه بدولة مستقلة وإن كان الغرب ليس مستعدا للاعتراف بها لاعتبارات معروفة”. وتمضي رسالتي الى تأكيد أن “هذا الوضع يمكن أن يتغير إذا أثبتت القيادة الكردية الممثلة بالجبهة الكردستانية قدرتها على إدارة شؤون كردستان كحكومة. فإذا حسمت الجبهة أمرها في هذا الاتجاه عليها ان تقدم على تحقيق ذلك خلال الأشهر الستة المقبلة”، ذلك أن “الأمم المتحدة تنوي إنهاء عملها في كردستان خلال شهر نيسان المقبل، فيما الأرجح أن قوات التحالف ستنسحب من تركيا بعد انتهاء المدة التي حددتها أنقرة لستة أشهر أخرى. لكن اذا برهنت القيادة الكردية خلال هذه الفترة انها تتصرف كحكومة مسؤولة فلا يستبعد أن تعلن دول التحالف وقفوها إلى جانب الكرد وربما توسيع منطقة الحظر الجوي”. لكن الدبلوماسي الغربي حذّر القيادة الكردية من مغبة سوء التقدير فيما يتعلق بالموقف من كركوك. “هل ستتمسكون بها أم ستقبلون بالأمر الواقع  (الاستقلال عن السلطة المركزية من دون كركوك) آخذين في الاعتبار ان صدام مستعد للتضحية ببقية كردستان من أجل بقائه في السلطة ولو في بغداد فقط. صحيح أن الغرب ما زال متمسكاً رسمياً بمبدأ دولة عراقية موحدة، لكنه يشعر بأن انفصال كردستان عن العراق ليس مستحيلاً. فإذا صح ذلك وبرهنت القيادة الكردية انها حازمة وقادرة فإن الغرب يمكنه معالجة الأمر مع تركيا التي يخيفها طبعاً نشوء دولة كردية مستقلة على حدودها”. 

إقرأوا أيضاً:

الى ذلك، أوضحت في رسالتي أن الديبلوماسي الغربي اعتبر أن “أهمية الأشهر الثلاثة الى الستة المقبلة تكمن في أن أميركا وبريطانيا مقبلتان على انتخابات وأن الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش ورئيس الوزراء البريطاني جون ميجور، مقتنعان بأن اتخاذ موقف صارم من صدام بما في ذلك توجيه ضربة عسكرية سيكون مقبولا من جانب الرأي العام في بلديهما ويجلب لهما الأصوات (…) إن على القيادة الكردية أن تقدم رؤية واضحة وحاسمة لما تريده. وهذا يتمثل في اقامة هيكلية حكومية تتسلم كل المسؤوليات التي تقوم بها حاليا منظمات الأمم المتحدة في كردستان العراق (…) وتحقيق هذه المهمة بكفاءة وسرعة سيرسخ مصداقية الجبهة الكردستانية ويبدّد شكوك الغرب بقدرات الكرد وإمكاناتهم في الحكم والادارة. فوق ذلك، وهذا مهم جداً، سيضمن ذلك دعما مطلقا وكاملا من قبل الشعب الكردي (…) الى ذلك فان الاعتماد يتركّز على رئيسي الجبهة الكردستانية، والغرب ينتظر منهما عملا مشتركا وهذا ضروري كي تتصرف العواصم الغربية لتأمين دعم قوي من قبل الرأي العام فيها”. 

لاحقاً عندما التقيت طالباني أخبرني بأنه في اجتماع الجبهة الكردستانية الذي عقد للبحث في موضوع الانتخابات المحتملة فإنه أشار ضمناً الى رسالتي بقوله انه تلقى “معلومات من جهات غربية صديقة” تشجع على تشكيل ادارة كردية وان “كاك مسعود علق بانه ايضا تلقى معلومات مماثلة”، بحسب مام جلال. إلى ذلك أخبرني برهم صالح أنه اطّلع وقتها على رسالتي تلك. وزيادة في التأكيد اتصلت وأنا أكتب هذه السطور، تحديداً في 25/2/2021 بالرئيس برهم صالح فروى لي انه اطلع على رسالتي خلال المؤتمر العام للاتحاد الوطني الكردستاني الذي عقد في اربيل في 27/1/1992. وقال إن كاك مسعود كان على رأس المدعويين في افتتاح المؤتمر وكان يجلس الى جانب مام جلال على المسرح ثم نهضا وتوجها الى عمق المسرح خلف الستارة، “هنا جاء من يبلغني ان مام جلال يستدعيني فذهبت الى خلف الستارة والتحق بنا كاك نوشيروان مصطفى. أعطاني مام جلال رسالتك وسألني إن كنت قد اطلعت عليها. 

كان مام جلال يود معرفة رأيي في مضمون الرسالة بحكم اتصالاتي واطلاعي على مواقف العواصم الغربية المعنية”. ويعتقد صالح أن بارزاني وطالباني تحديدا اتفقا على إجراء الانتخابات وان اتفاقهما شكّل الأساس الذي بنت عليه الجبهة الكردستانية قرارها إجراء الانتخابات وأعلنته رسميا في شباط/ فبراير.

رسالتي الى مام جلال وكاك مسعود تزامنت مع فترة كانت القيادات الكردية تبحث بالفعل الإجراءات التي تتوجّب عليها لملء الفراغ الذي نشأ خصوصاً في ظل الحصار الاقتصادي الذي أعلنته بغداد على المناطق الكردية خارج سيطرتها، كما أوضح لي كاك عدنان مفتي الذي كان وقتها عضواً في قيادة الحزب الاشتراكي الكردستاني وبتلك الصفة مشاركا في اجتماعات قيادة الجبهة الكردستانية. 

قال في  اتصال أجريته معه في أثناء كتابة هذه السطور، إن فكرة ملء الفراغ بدأت نتغل القيادات الكردية حالما أعلنت بغداد الحصار الاقتصادي وسحب الادارات الحكومية المركزية من كردستان والتوقف عن دفع رواتب الموظفين في أماكنهم، ومن أجل تسلّمها يتعين عليهم السفر الى مدينة مخمور التي تبعد من إربيل نحو 60 كيلومتراً وكانت تحت سيطرة الحكومة المركزية، وهو إجراء كان واضحاً أن بغداد اتخذته لخلق العراقيل أمام الموظفين الكرد نظراً لتخوفهم من الذهاب الى تلك المدينة. وبحسب مفتي فإن قرار الحصار وسحب الإدارات ومشكلة رواتب الموظفين كان في الواقع اجراء أدى الى توحيد المواقف الكردية، على صعيدي القيادة والرأي العام، من التفاوض مع بغداد إذ أدرك الجميع ان الحكومة العراقية كانت تماطل وانها لم تكن مستعدة لتقديم أي تنازل مقبول للتوصل الى اتفاق بينها وبين القيادة الكردية. وأضاف أن الاتفاق على إجراء انتخابات كان ضرورياً لفرز شكل الإدارة المقبلة وتحديد الغالبية بين الأحزاب التي كانت الجبهة الكردستانية تتألف منها. (عدنان مفتي في 26/3/2021)

الانتخابات وتداعياتها

أجريت الانتخابات في 19/5/1992 في حضور ومراقبة ممثلي الكثير من منظمات حقوق الانسان الاجنبية غير الحكومية وأعضاء منفردين في برلمانات أوروبية، إضافة الى عشرات الصحافيين الأجانب الذين كانت تقاريرهم ايجابية ومشجعة خلال الحملات الانتخابية التي سادتها أجواء احتفالية وسلمية. لكن كل ذلك كاد يتغير مع التأخر في إعلان النتائج وتسرب المعلومات عن الخلافات والنقاشات الساخنة داخل الجبهة الكردستانية، خصوصاً بعدما تبين أن فكرة إلغاء النتائج كانت خياراً مطروحاً، وكان سيثير فضيحة على جميع المستويات. لكن في النهاية ولشعور قيادات الجبهة بالنتائج السلبية، إن في كردستان أو في الغرب، تخلّت الأحزاب الصغيرة عن اعتراضاتها مع استمرار تحفظها عن النتائج وترك الأمر للحزبين الرئيسيين لايجاد حل للازمة. 

تمثّل الحل في الاتفاق على تقاسم المقاعد مناصفة على أن يشمل ذلك الحكومة ومؤسساتها كافة من القمة إلى القاعدة في ما عرف بـ”فيفتي – فيفتي” (50/50). هكذا أصبحت حصة كل من الحزبين 50 مقعداً في البرلمان، ويتناوبان على رئاسة الوزارة والبرلمان. ومعروف أن ذلك “الحل” كان في النهاية أحد العوامل التي أدت إلى طريق مسدود، وبالتالي إلى تفجر الاقتتال الداخلي في الثاني من أيار/ مايو 1994 وفي ظله تشكلت عملياً إداراتان، واحدة في أربيل والأخرى في السليمانية. 

ظل الوضع على حاله، على رغم تدخلات داخلية وخارجية وحملات شعبية ضاغطة لإنهاء الانقسام بين الحزبين حتى عام 1998 باتفاق وقّعه طالباني وبارزاني في واشنطن بعد وساطة اميركية. اثر ذلك عاد البرلمان الى عقد اجتماع موحد واعتبر انعقاده امتداداً للدورة الاولى لعام 1992. وكانت هذه الدورة الاطول عمراً، إذ استمرت حتى عام 2005 عندما أجريت أول انتخابات عامة حرة في العراق وكردستان، بعد إطاحة النظام البعثي وأسفرت على صعيد كردستان عن انتخاب البرلمان لدورة ثانية. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
“تنفيذ هذه الأحكام ضد تسعة مواطنين يمنيين من أبناء تهامة جريمة مكتملة الأركان تتطلب محاسبة كل من تسبب في إزهاق هذه الأرواح بما فيهم القضاة مصدرو هذه الأحكام السياسية”. 
Play Video
يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

1:51

Play Video
عشِق المسرح والحرية ولُقّب بـ”رمز الانتفاضة”… من هو زكريا الزبيدي أحد الأربعة الذين عاودت إسرائيل اعتقالهم بعد الهرب من سجن جلبوع؟

2:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني