رشاوى ولجوء وابتزاز جنسي
مقابل التهرّب من الخدمة العسكرية في سوريا!

لا يتحدث معظم من تعرضوا لاعتداءات جنسية عمّا حدث لهم ويصاب معظمهم بحالة من التحفز وفرط الحذر. وأحد المظاهر الشائعة التي تتجلى فيها حالة فرط الحذر تلك هو شعور المصاب بالخوف عند لمسه بصورة غير متوقعة...

«تعرضتُ للضرب مرتين على يد أشخاص يشغلون مناصب كبيرة بسبب عدم امتلاكي المال اللازم لدفع رشاوى لهم… ضربوني وسجنوني وحلقوا شعر رأسي». 

 عام 2008، كان دافيت أنهى لتوه دراسته الثانوية في سوريا، وكانت عليه تأدية الخدمة العسكرية الإلزامية لكل الشباب بعد المرحلة الثانوية، في حال لم يتمكنوا من تأجيلها حتى استكمال الدراسة الجامعية أو إيجاد وسيلة للسفر إلى خارج البلاد، ولا يتمكن سوى عدد قليل للغاية من الأبناء الذكور في الأسرة الواحدة من فعل ذلك. 

لم يكن أيّ من هذه الخيارات متاحاً لدافيت، لذا اختار اللجوء إلى نظام “التفييش” للتهرب من تأدية التدريبات العسكرية، شأنه شأن كثر من الشباب قبل الحرب.

“كان أحمد يتعامل بفظاظة مع معظم الناس، لكنه كان أكثر لطفاً معي. أدركت في ما بعد أنه كان معجباً بي”.

يشرح فضل عبد الغني، مؤسس ورئيس “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، معنى مصطلح “التفييش”: “يشير هذا المصطلح إلى الإعفاء غير الرسمي للمجند من دوامه في الجيش، أو من وجوده في وحدته العسكرية، مقابل رشوة يدفعها للضابط المسؤول عنه. وفي الوقت الحالي تنتشر ظاهرة إعفاء جنود الاحتياط من الخدمة في الوحدات المخصصة لهم ومنحهم إجازات مقابل دفعهم مجموع الرواتب التي كان يفترض أن تعطيها لهم مؤسسات الجيش المعنية».  

مع دخول سوريا السنة العاشرة من الحرب ومع نزوح الملايين ولجوئهم، يخشى الآلاف من مسألة التجنيد الإلزامي. دافيت تمكن من العمل فقط في إدارة متجر البقالة الذي يملكه ضابطه المسؤول، مع الذهاب في إجازة مدتها 10 أيام لزيارة عائلته، مقابل دفع مبلغ معين كل أسبوعين. 

«كنت أتساءل ماذا سيحدث إذا اندلعت حرب حقيقية؟ لأن الجنود كانوا جنوداً وهميين وغير موجودين على أرض الواقع. كان من المستحيل أن تنجح سوريا من دون مساعدة إيران أو روسيا». 

ويقول دافيت إن الأشخاص الوحيدين الذين أدوا التدريبات فعلياً والتزموا بواجبات الخدمة العسكرية وذهبوا إلى الحرب، كان بينهم هؤلاء الذين حاولوا اغتصابه. 

«كان أحمد، رئيس العصابة، يتصرف بغلاظة وعجرفة منذ اليوم الأول، وكان الطفل المدلل في الجيش، لأن لديه شخصاً قوياً يحميه، فرجال عائلته كانوا في الجيش».

كرهه دافيت من اللحظة الأولى. لكن مشاعر أحمد تجاهه كانت مختلفة. “كان أحمد يتعامل بفظاظة مع معظم الناس، لكنه كان أكثر لطفاً معي. أدركت في ما بعد أنه كان معجباً بي”. فقد عرض عليه أخذ بضعة أيام إجازة لرؤية عائلته، من دون أن يطلب منه دافيت ذلك. قَبِل دافيت عرضه، ليجد أن أحمد يذكره على الدوام بهذا المعروف ويعتبره مديناً له.

يقول عبدالرحمن دباس، مدير العمليات في مركز توثيق الانتهاكات في سوريا، الذي أسسته الحقوقية والناشطة المعروفة رزان زيتونة قبل اختطافها  عام 2014، «تؤدي المحاباة دوراً مهماً في الجيش السوري لأن الجميع في حاجة إلى بعضهم بعضاً. فعندما يقبل شخص خدمة من شخص آخر يوماً ما، يُطلب منه فعل شيء في المقابل في اليوم التالي وعليه تلبية هذا الطلب». 

إقرأوا أيضاً:

ربما لهذا السبب شعر أحمد أن من حقه المجيء مع مجموعته إلى مسكن دافيت في أحد الأيام والاستلقاء بجانبه محاولاً لمسه بشكل غير لائق. تعامل دافيت مع الأمر ببساطة وأخبره أن يتوقف، إلى أن تمكن المعتدي من وضع يده أسفل سرواله.

يصاب كثر من الأشخاص، عندما يتعرضون لاعتداء جنسي، بحالة من الجمود التلقائي بفعل الصدمة ويعجزون تماماً عن القيام بأيّ رد فعل. لحسن الحظ، لم يكن دافيت واحداً من هؤلاء. فقد تحلى بالشجاعة ليقاوم ويخرج من مسكنه ويصرخ طلباً للمساعدة، ما أدى إلى هرب المعتدين، علماً منهم بالعواقب التي قد تنتظرهم إذا ما شهد ضدهم. 

«بعد تلك الواقعة، لم أجلس بمفردي مطلقاً في مسكني. ذهبت إلى التدريبات، وكونت صداقات قدر استطاعتي. لكنني لم أتحدث مع أيّ شخص عمّا حدث».

لا يتحدث معظم من تعرضوا لاعتداءات جنسية عمّا حدث لهم ويصاب معظمهم بحالة من التحفز وفرط الحذر. وأحد المظاهر الشائعة التي تتجلى فيها حالة فرط الحذر تلك هو شعور المصاب بالخوف عند لمسه بصورة غير متوقعة. 

«لم أدرك حتى طيلة سنوات طويلة أنني مصاب بالصدمة بسبب تلك الواقعة. مثلاً إذا لمسني شقيقي من دون قصدٍ، كنت أبالغ في رد فعلي وأصرخ في وجهه. ظنت عائلتي الأمر مضحكاً».

ويوضح عبدالرحمن دباس أنه بسبب قدرة الضباط على ارتكاب العنف من دون أن يكون هناك أيّ عواقب، فلا يوجد ما يردعهم ويحثهم على التوقف. ولا تزال المشكلة قائمة. بل ويرى أن ذلك العنف الجسدي، كالضرب والسجن والإهانة وما شابه ذلك، كان أكثر انتشاراً قبل الحرب.

وقال دافيت في شهادته، “كان علينا ذكر أسمائنا مع وجود خرطوم ري داخل أفواهنا يرش المياه في حلقنا”. سُكب ماء عليهم أيضاً بينما كانوا يرتدون سراويل قصيرة فقط، وأجبروا على الزحف في الوحل.

عندما سُجن بسبب عجزه عن دفع الرشوة ذات يوم، تمكن دافيت من الخروج لأنه كان يعرف الشاب المسؤول عن حجزه. “كنا نشرب المتة معاً”، هكذا يتذكر دافيت بسذاجة تلك الأيام. 

“كان علينا ذكر أسمائنا مع وجود خرطوم ري داخل أفواهنا يرش المياه في حلقنا”.

مع أن معرفة شخص ما لا تفيد كثيراً في حال اعتقال المرء من قبل النظام بسبب نشاطه السياسي، إلا أنها تمثل عاملاً مهماً عندما يتعلق الأمر بقضية تندرج ضمن سلطة الشرطة العسكرية أو الحكم العسكري، مثلما أوضح فضل عبد الغني، مضيفاً أنه، “إذا تغيب فرد في الجيش عن وحدته لأشهر متصلة، فإنه يعتبر متهرباً باطنياً من الجندية، لكن إذا كانت تربطه صلات بأحد الضباط، يمكن تبرير غيابه من خلال الادعاء أنه في مهمة رسمية، ما يعني أنه لن يعاقب”.

«يمكن في الحقيقة التستر على الجرائم التي ترتكب داخل المؤسسة العسكرية -وهو ما يحصل عادة بالفعل- نظير المال أو من خلال المحاباة، إذ تعد المؤسسة واحدة من أكثر مؤسسات الدولة تبذيراً، مع ترسخ الفساد وتفشيه وسرقة الأموال العامة وإهدارها».

عندما اندلعت الحرب، استدعي دافيت مرة أخرى للخدمة العسكرية. في تلك المرة، أصبح البحث عن طريقة للسفر إلى خارج البلاد ضرورة ملحة، ولحسن حظه تمكن من فعل ذلك، في حين فشل آخرون.

هذا الكم من الاستماتة وسعة الحيلة والابتكار الذي أظهره الذكور السوريون الباقون في سوريا للتهرب من الخدمة العسكرية، هو أمر مبهر بقدر ما هو متفهم، ويُعد توثيق تلك السبل بمثابة إرث للبشرية.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
رامي الأمين – صحافي لبناني
لا يستطيع أي زائر أو مغادر لمطار بيروت إلّا أن يلاحظ ضعف التنظيم وتراجع الخدمات وتهالك البناء والبنية التحتية.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني