fbpx

جميعكم تحت الشبهة: مصر والعيش تحت وطأة “الطوارئ”

اللجوء المتكرر إلى خطاب "حفظ الأمن والنظام العام" كذريعة، لتمديد حالة الطوارئ، يعكس العقلية الأمنية التي تحكم مصر.

في خريف 2019، كان مازن (اسم مستعار) وهو صحافي مصري في طريقه نحو مقر نقابة الصحافيين في القاهرة، فأوقفه ضابط أمني في ميدان التحرير وطلب منه أن يفتش هاتفه المحمول. وعندما أبرز مازن بطاقته النقابية الصحافية قال له الضابط إنه يحترم الصحافة لكن تفتيش الهواتف أمر ضروري يجب أن يخضع الجميع له، ووعده بانه لن يفتح الصور أو المحادثات الشخصية. يضيف مازن: “حاولت التفاوض مع الضابط من دون جدوى، وأخبرته أنني صحافي في جريدة معروفة بمساندتها الحكومة وأن تفتيش الهواتف مخالف للدستور، لكنه أخبرني أن قانون الطوارئ يمنحه الحق في تفتيش أي شخص يشتبه به، فالجميع مشتبه بهم، وفي الأخير قررت إعطاءه الهاتف لمطالعة محتواه”. 

في مصر، يخشى كثيرون لدى سماع صوت الإنذار الخاص بسيارات الشرطة، التي قد يسارع عناصرها وضابطها إلى تفتيش أي شخص والقبض عليه، مستندين إلى قانون الطوارئ المطبق في البلاد منذ 4 سنوات. هذا القانون يجدد بقرار من رئيس الجمهورية كل 3 أشهر، وهو يمنح عناصر الأمن سلطات واسعة في تفتيش المواطنين وضبطهم، لا يحصلون عليها في الظروف العادية. 

أحدث تجديد لحالة الطوارئ في البلاد كان في 21 كانون الثاني/ يناير الماضي، عندما وافق البرلمان بأغلبية الثلثين على قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي بمد حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد لمدة 3 أشهر جديدة، للمرة الـ16 على التوالي بما يخالف أحكام الدستور. 

خضعت مصر لحالة الطوارئ معظم العقود الأربعة الأخيرة، منذ 1981، مع شهور معدودة من دون فرض الطوارئ خلال تلك الفترة، لا سيما بين 2012 و2017. تجاهلت الحكومات المتعاقبة الدعوات إلى إصلاح القانون واستخدمته في سحق المعارضة السلمية، في ظل تصنيف السلطات لتجمعات أو تظاهرات المعارضة السلمية بأنها تهديد للأمن القومي.

في العهد الحالي، فرضت الطوارئ في مصر للمرة الأولى في نيسان/ أبريل 2017، بعد هجمات استهدفت بعض الكنائس، قتل على إثرها عشرات المصريين الأقباط.

يقول المحامي ياسر سعد، إن حالة الطوارئ تعلن في ظروف استثنائية لا تستطيع السلطات العامة مواجهتها وفقاً للقواعد القانونية التي وضعت للظروف العادية، وبمجرد إعلان الطوارئ يكون لرئيس الجمهورية اتخاذ التدابير المناسبة لمواجهة الظروف الاستثنائية التي أوجبت إعلانها، وهناك أحكام استثنائية تخرج على الأحكام القانونية في الظروف العادية لتلائم الظروف الاستثنائية.

وأضاف سعد أن فرض الطوارئ يمنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة، فيكون له حق اتخاذ التدابير المناسبة للمحافظة على الأمن والنظام العام من الخطر الذي يتهددهما، وقد حددت المادة الثالثة من قانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958 هذه التدابير.

مراقبة وسائل الإعلام واعتبار الجميع مشتبه بهم 

منذ تولي عبدالفتاح السيسي السلطة، حرص على إبقاء حالة الطوارئ في البلاد، والقانون يتيح لرئيس الجمهورية حق وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والإقامة والمرور في أماكن أو أوقات معينة والقبض على المشتبه فيهم أو الخطرين على الأمن والنظام العام واعتقالهم.

وأي شخص ينتهك التدابير المفروضة أثناء سريان حالة الطوارئ قد يواجه حُكماً بالسجن لمدة تصل إلى 15 سنة. تُجرى المحاكمات في هذه القضايا أمام “محاكم أمن الدولة طوارئ”، وهي محاكم يختار الرئيس قضاتها، ولا يُتاح فيها حق الاستئناف. تاريخياً، استخدمت الحكومة هذه المحاكم بالأساس في ملاحقة المعارضين السياسيين.

إقرأوا أيضاً:

تشكيل محاكم أمن الدولة الجزئية والعليا 

محمد سالم المحامي بالنقض والدستورية العليا يقول، إن أبرز الاستثناءات التي تمنحها حالة الطوارئ لرئيس الجمهورية، حق تشكيل محاكم أمن الدولة الجزئية من قاض واثنين من ضباط القوات المسلحة، وتشكيل دائرة أمن الدولة العليا من 3 مستشارين ومن ضابطين من الضباط القادة، ويمنحه القانون في مناطق معينة وفي قضايا معينة حق تشكيل الدائرة من الضباط فقط، وبالتبعية يمنح القانون الحق لرئيس الجمهورية في إحالة المتهمين والجرائم التي يعاقب عليها القانون العام إلى محكمة أمن الدولة. 

ويُحصن القانون الأحكام الصادرة عن محاكم أمن الدولة، ولا يجوز الطعن بأي وجه من الوجوه في الأحكام الصادرة عنها، وتكون هذه الأحكام نهائية بعد أن يصدّق عليها رئيس الجمهورية.

يتحايل النظام المصري على الدستور، الذي يحظر فرض الطوارئ لمدة لا تتجاوز الـ3 أشهر وتمدد لمرة واحدة فقط بعد موافقة ثلثي عدد أعضاء البرلمان، ولا يجوز تمديدها أكثر من ذلك، ويتعمد السيسي ترك فاصل زمني كل 6 أشهر، قد يكون يوماً واحداً أو أكثر، ثم يفرض حالة الطوارئ من جديد لمدة 3 أشهر، ثم يجددها لـ3 أشهر أخرى، ما مكن السيسي من استمرار فرض الطوارئ 4 سنوات متواصلة. 

“كورونا” ذريعة لتوسيع صلاحيات الرئيس

استغل السيسي تعديلات أجراها على قانون الطوارئ وأقرها البرلمان، نيسان/ أبريل 2020، وسع بموجبها صلاحياته ضمن قانون الطوارئ، تتيح له إغلاق المدارس، وتعليق خدمات عامة، ومنع تجمعات عامة وخاصة وفرض الحجر على المسافرين الآتين إلى البلاد، علاوة على الحد من تجارة بعض المنتجات، ووضع اليد على مراكز طبية خاصة وتحويل مدارس ومراكز تربوية وغيرها من المنشآت العامة إلى مستشفيات ميدانية.

وأدان كينيث روث، المدير التنفيذي لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”، عبر موقع التدوينات القصيرة “تويتر”، التعديلات الأخيرة قائلاً إنها ذريعة لإنشاء سلطات قمعية جديدة، وأضاف: “تستخدم حكومة السيسي جائحة كورونا لتوسيع قانون الطوارئ المصري المسيء، لا إصلاحه. على السلطات المصرية التعامل مع مخاوف الصحة العامة من دون إضافة أدوات قمع جديدة أظهر السيسي نفسه أنه على استعداد تام لاستخدامها”.

بدأ تطبيق قانون الطوارئ في مصر مطلع القرن العشرين، عندما فرضها الاحتلال الإنكليزي تحت مسمى “الأحكام العرفية”، وبعد ثورة 1952 أعلنت حالة الطوارئ خصوصاً أثناء الحروب، وينظم قانون رقم 162 لسنة 1958 حالة الطوارئ في البلاد حتى الآن، واستغل الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك الطوارئ لفرض سيطرته على البلاد على مدار 30 عاماً، وكذلك الرئيس الإخواني محمد مرسي والرئيس الموقت عدلي منصور، قبل أن يفرض السيسي حالة الطوارئ لـ4 سنوات متتالية.

الطوارئ في عهد مبارك 

فرضت حالة الطوارئ بعد اغتيال الرئيس الأسبق أنور السادات منذ تشرين الأول/ أكتوبر 1981، وظلت قائمة طيلة حكم مبارك، وكان إلغاء حالة الطوارئ من أبرز مطالب ثوار يناير، وبعد نجاح الثورة، وعزل مبارك، أبقى الإعلان الدستوري الذي استفتي عليه الشعب في آذار/ مارس 2011 على إمكان فرض حالة الطوارئ لمواجهة ما قد يستجد من ظروف خلال فترة إدارة المجلس العسكري لشؤون البلاد.

 ظلت حالة الطوارئ سائدة في مصر أكثر من عام بعد رحيل مبارك، إلى أن ألغاها المجلس العسكري، قبل أسبوعين فقط من إعلان انتخاب محمد مرسي رئيساً للجمهورية، في 31 أيار/ مايو 2012.

الطوارئ في عهد مرسي 

وخلال حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، أعلنت حالة الطوارئ في 28 كانون الثاني/ يناير 2013 في 3 محافظات، هي: بورسعيد والسويس والإسماعيلية، وبعد ثورة 30 حزيران/ يونيو 2013 وعزل مرسي، وتكليف المستشار عدلي منصور رئيس المحكمة الدستورية العليا برئاسة مصر خلال المرحلة الانتقالية، أصدر الرئيس الموقت إعلاناً دستورياً في 8 تموز/ يوليو 2013 نصت مادته رقم 27 على إمكان إعلان حالة الطوارئ وفقاً للقانون، وهو ما قام به المستشار عدلي منصور في آب/ أغسطس 2013.

بموجب القانون الدولي، ينبغي أن تكون التدابير التي تُقيّد الحقوق الأساسية أثناء حالات الطوارئ ضرورية، ووأن ينص عليها في القانون، ومحددة من حيث الزمن والمكان بما هو ضروري للغاية، ومتناسبة، وتوفّر سبل انتصاف فعالة لانتهاكات الحقوق، مثل توفير آلية مستقلة وشفافة للطعن. إلا أن التعديلات التي تحصل في السياق المصري لا تمتثل لهذه المتطلبات، ولا ينص قانون الطوارئ المصري على أي آليات للطعن ضد أي من تلك التدابير.

 اللجوء المتكرر إلى خطاب “حفظ الأمن والنظام العام” كذريعة، لتمديد حالة الطوارئ، يعكس العقلية الأمنية التي تحكم مصر.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي نور الدين – صحافي لبناني
تكمن الإشكاليّة الكبرى في المجازفة التي قرر حاكم مصرف لبنان أن يتورّط بها بأموال المودعين، في ظل عطش البلاد لكل دولار تمكن المحافظة عليه في هذه المرحلة تحديداً.
Play Video
بعد أن دُقّ “جرس الانذار” مهدداً بغياب الانترنت، ازدادت مخاوف اللبنانيين من الانقطاع عن العالم الخارجي… فكيف سيبدو المشهد في لبنان بلا انترنت؟

2:08

Play Video
تحظى الرياضة النسائية بـ4% من التغطية الإعلامية المخصصة للرياضة في جميع أنحاء العالم، ما يساهم في تهميش الرياضيات، اللواتي يُنظر إليهن في المقام الأول على أنهن نساء ويُختصرن بمظهرهن أو عمرهن أو حياتهن الشخصية. ما الأسباب الكامنة وراء هذه المعاملة غير المتكافئة الملحوظة؟ وكيف يمكن أن تحرك وسائل الإعلام الخطوط وكيف تروج للرياضة كمحرك للتحرر للرجال والنساء؟

55:50

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني