fbpx

هاربون من بلدانهم… أطفال لاجئون بلا أهاليهم تبتلعهم القاهرة!

"بيحسسك إنك عبء عليه يعني حاجة تقيلة عليه مش عاوزك في البلد دي، دي الحاجة اللي بتخلي الحد يتضايق... كأن أنا حاجة مش عايزينها في أي محلّ أروح فيه".

  “لا قادر أرجع ورا ولا أروح لقدام… قاعد في النص كده”، يصف عبد الله وضعه وأقرانه هنا في مصر، من الأطفال والشباب غير المصحوبين بذويهم، الذين جاءوا هرباً من الأوضاع في بلدانهم، كي تكون مصر معبراً لهم إلى بلدان أوروبية.

غادر بلده إريتريا صيف 2018 متجهاً إلى السودان حيث أقام شهراً، ومنه إلى مصر، عبر وسائل غير نظامية. كان وقتها في الخامسة عشرة من عمره، وقد أنهى للتوّ الصف الرابع في مدرسته، وهو الآن مسجل في مفوضية اللاجئين في القاهرة كلاجئ.

يقول إنه ترك بلده بسبب “مشكلة بين أسرته والحكومة”. والده مختف منذ فترة لا يعرفون عنه شيئاً، هو الثالث بين 6 أشقاء، اثنان منهم في “العسكرية” أو التجنيد، الذي هو بمثابة اعتقال، وكان عبد الله سيلقى المصير ذاته لو بقي في بلاده. يقول، “أنا جيت على أساس إن مصر تبقى لي سكة أعبر بيها”.

أرقام

 وفقاً لمفوضية الأمم المتحدة للاجئين بالقاهرة بلغ العدد الإجمالي للأطفال غير المصحوبين والمنفصلين عن ذويهم المسجلين لديها في كانون الأول/ ديسمبر 2019،  4855 طفلاً، مع توقع بارتفاع أعدادهم، ويُعتبر هؤلاء الأطفال من أكثر فئات اللاجئين التي تواجه تحديات اقتصادية وصعوبة في حماية أنفسهم، إلى جانب كبار السن، وذوي الحاجات الخاصة، والأسر التي تعيلها نساء.

يُعرّف الأطفال غير المصحوبين بذويهم بأنهم أولئك الذين ليس معهم آباؤهم أو أي عضو آخر من أعضاء أسرهم، أما الأطفال المفصولون عن ذويهم فهم الذين ليس معهم آباؤهم ولكنهم مع أحد أعضاء الأسرة البالغين الآخرين.

وكان معظم هؤلاء الأطفال من دول أفريقيا جنوب الصحراء (4236 غير مصحوبين ومنفصلين عن ذويهم، 3098 منهم غير مصحوبين). ويشــكّل الأطفــال الإريتريون أعـلـى النســب (48 في المئة مــن الأطفــال غيــر المصحوبيــن و35 في المئة مــن الأطفــال غيــر المصحوبيــن والمنفصليــن عــن ذويهــم)، ومن حيث النوع، يشــكّل الذكور غالبيــة الأطفــال غيــر المصحوبيــن والمنفصليــن عــن ذويهــم (69 في المئة مــن الأطفــال غيــر المصحوبيــن و49 في المئة مــن الأطفــال المنفصليــن عــن ذويهــم).

أسباب ودوافع

قبل سنوات، وفي تقرير للمنظمة الدولية للهجرة بعنوان “تقييم لأوضاع الأطفال المهاجرين غير المصحوبين بذويهم في مصر” (تشرين الأول/ أكتوبر 2013)، شكّل الصوماليون أكبر مجموعة بين هؤلاء الأطفال، غادروا بلدهم “لأسباب منها العنف المستمر والصراع بالمنطقة وتهديد التجنيد العسكري، وربما تكون عائلاتهم قد أرسلتهم سعياً وراء فرص أفضل لمستقبلهم أو من أجل الحصول على مال وإرسال المال إليها”.

ووفقاً للتقرير أيضاً فإن عدداً كبيراً من الأطفال الإريتريين غير المصحوبين بذويهم  يتركون بلدهم، “هرباً من الخدمة العسكرية والتي يجب أن يؤديها الرجال الذين تترواح أعمارهم بين 18 و50 سنة، والنساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 18 و40 سنة… وبينما تبلغ فترة الخدمة العسكرية وفقاً للقانون 18 شهراً فقط، فإنها عملياً غير محددة، ويعاني الملتحقون بها من سوء التغذية التي يصل بهم إلى مستويات خطرة، فضلاً عن أنهم لا يتقاضون إلا القليل الذي لا يتيح لهم مساعدة أسرهم… وتتعرض أسر المتهربين من الخدمة العسكرية للمضايقات الدائمة، كما يتعرضون للابتزاز إذ يطلب منها سداد غرامات باهظة، ولدى عودة المتهرّبين إلى البلاد يواجهون الاحتجاز، والتعذيب الذي قد يصل بهم إلى الموت”، ينقل التقرير عن منظمات حقوقية، ويضيف أن “الدوافع الثابتة لمغادرة الشباب الإريتري لبلاده تمتزج بطموحاتهم الاقتصادية والتعليمية”… وأن عدداً كبيراً منهم سقطوا ضحية الاتجار بهم أثناء رحلتهم إلى مصر. 

إقرأوا أيضاً:

أوضاعهم في مصر

محزن للغاية” هكذا وصفت وضعهم مسؤولة مشروع تعليمي موجّه للأطفال غير المصحوبين، الذين تتراوح أعمارهم عادة بين 14 و18 سنة، في إحدى المنظمات المعنية باللاجئين في القاهرة، فإلى جانب ما  تعرضوا له من أحداث صعبة في طريق هجرتهم، فإنهم يعانون عند وصولهم من كونهم بلا عائل، يعتمدون اعتماداً كليّاً على المنظمات… يعيشون في شقق مشتركة بمناطق سكنية منخفضة الإيجار لا تعتبر بيئة آمنة للعيش بالنسبة إليهم مثل أرض اللواء، عرب المعادي (فيها تجمعات الإثيوبيين)، مساكن عثمان في منطقة 6 أكتوبر، مدينة نصر وعين شمس (فيها تجمعات الصوماليين)… “تصوّري مثلاً طفلاً في الرابعة عشرة وهو مسؤول عن توفير احتياجاته الأساسية من مأكل ومسكن… وفي مجتمع يعامله في أحيان كثيرة بعنصرية أو على الأقل بطريقة غير ودودة أو مرحبة، فأحياناً يتعرض هؤلاء الأطفال لحوادث سرقة أو لاعتداءات جسدية في الشارع”.

هذه الممارسات وسواها تؤرق عبد الله، فعند خروجه إلى الشارع لشراء بعض الأغراض مثلاً، يتعرض لتحرّشات من مجموعات تتعاطى الممنوعات وتبيع موادّ مخدرة كما يصفهم، والمعروف وجودهم- كما يقول- في أرض اللواء -حيث يقيم- وفي المناطق المشابهة… “عايزين ياخدوا اللي معايا ويعتدوا عليا وأنا أعمل إيه في اللحظة دي. أنا مش معايا حاجة أحمي بيها نفسي وأنا لو اتخانقت معاهم هالاقي نفسي أنا مرمي في السجن ومفيش حد هايساعدني… عشان كده مهما حصل لي باتحمّل نفسي وأعدي منهم بس…”. يقول إن هذه المواقف تتكرر كثيراً، وقد قدّم للمفوضية شكاوى كثيرة، ولا يرى في اقتراحهم عليه بتغيير المنطقة حلاً مقبولاً، لأنه سيضطر إلى ترك مكان استقر فيه مع رفاق ارتاح في العيش معهم.

وهو يشعر بأن المجتمع المضيف لا يتقبله “بيحسسك إنك عبء عليه يعني حاجة تقيلة عليه مش عاوزك في البلد دي، دي الحاجة اللي بتخلي الحد يتضايق… كأن أنا حاجة مش عايزينها في أي محلّ أروح فيه”. يقول إن الوضع يمكن أن يكون أفضل في مناطق أخرى، لكنه لا يستطيع إلا أن يستأجر بيتاً في المناطق الرخيصة مثل أرض اللواء وفيصل.

ميسون عبد السلام من السودان، مديرة مركز أجيال المستقبل التعليمي المجتمعي في منطقة البراجيل في الجيزة. يشمل نشاط مركزها تقديم خدمات للأطفال غير المصحوبين كالوجبات الغذائية والملابس والاستضافة الموقتة إلى أن تتم مساعدتهم في دفع الإيجار، بالتعاون مع منظمات اللاجئين، ومع متبرعين من مجتمع اللاجئين أو من المجتمع المضيف، وكذلك مساعدتهم لبدء إجراءات تسجيلهم لدى المفوضية، لأن كثيرين منهم أتوا بلا أوراق. تقول إن الأطفال الذين تعاملت معهم كانوا من الجنسيات السودانية والإريترية، بينهم سودانيون عانوا من تفكك أسري بزواج الأب مرة أخرى، أو بسبب وفاة الوالدين أو مرض أحد أفراد الأسرة وحاجته إلى المال للعلاج. تتذكر فتاة إريترية في السادسة عشرة من عمرها كانت حاملاً نتيجة تعرضها للاغتصاب ثم الابتزاز الجنسي من قبل أحد الأشخاص أثناء وجودها في السودان.

مساعدات لا تسدّ الرمق

الأطفال غير المصحوبين الذين اكتمل تسجيلهم في المفوضية كطالبي لجوء أو كلاجئين، تُصرف لهم مساعدة مالية شهرية قدرها 900 جنيه، وبطاقة غذائية بقيمة 400 جنيه. يقول محمود بره مؤسس مبادرة “تِعْبِي للاجئين الإريتريين بأرض اللواء بالقاهرة” (وهي كلمة تعني باللغات الإريترية تكبر وتنمو وتزدهر)، إن عدداً كبيراً من هؤلاء الأطفال في منطقة أرض اللواء، مقرّ مبادرته. وإن المساعدات التي توفرها لهم المنظمات سواء كانت مالية أو غذائية غير كافية على الإطلاق لتوفير احتياجاتهم الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، لذلك أحيانا يتعرضون للطرد من الشقق لعدم قدرتهم على سداد الإيجار. وبينهم من يأتون إلى المبادرة للمبيت “يمكن ما يمر أسبوع إلا وييجي شخص شخصين (من هؤلاء الأطفال) يناموا هنا في المبادرة نديهم بطاطين يقضوا الليلة وفي الصباح إلى الشارع”. لذلك يتجهون للعمل “لازم يشتغل عشان يعيش”. وأحياناً لا يجدون من يقبل تشغيلهم، بخاصة مع اختلاف اللغة.

يتحدث عبد الله العربية وقد تعلم أيضاً اللهجة المصرية، إلا أن كثيرين من الأطفال الإريتريين وغيرهم من الجنسيات الأفريقية الأخرى لا يتقنونها. وتمثّل اللغة، كما يذكر تقرير منظمة الهجرة، عائقاً أساسياً أمامهم في مجال التعليم والمعاملات اليومية.

“اتصرف لوحدك”

بداية هذا العام، وفور بلوغه الثامنة عشرة، أوقفت المساعدات التي كان عبد الله يتلقاها من المفوضية “كلمتهم قالوا لي بعد كده أنت اتصرف لوحدك”، وصار مضطرا للعمل لكي يوفر مصروفاته وعلى رأسها الإيجار. هو يقيم حاليا في شقة بمنطقة أرض اللواء بالقاهرة، مع أربعة أطفال غير مصحوبين جميعهم من إريتريا، هو أكبرهم سنا. اثنان منهم فقط يحصلان على المساعدة المخصصة من المفوضية، أما الآخران فلم تكتمل إجراءات تسجيلهما. إلى جانب عدم حصولهما على مساعدات فإن عدم امتلاكهما للوثائق يحدّ من تحركهما كثيرا ويحصره في نطاق محدود. يعيش الرفاق الخمسة على مساعدات الاثنين وعلى الأجر الذي يتقاضاه عبد الله عن عمله. يقول إن الإيجار (2500 جنيه شهرياً بخدمات المياه والكهرباء) بالنسبة إليهم أهم من الأكل، كي لا يجدوا أنفسهم في الشارع، والمؤجر لا يتحمّل التأخير. أحياناً يضطرون للاستدانة من بعض أفراد مجتمعهم، بخاصة في حال تأخر المساعدات..

وكان عبد الله حصل على عمل في مصنع في منطقة 6 أكتوبر من طريق أحد المعارف، يصف عمله بأنه “شغل صعب شغل حديد وتقيل كله”. يعمل 6 أيام في الأسبوع، 9 ساعات يومياً على الأقل، تتخللها استراحة نصف ساعة يقوم خلالها بشراء ما يأكله. بخلاف الوقت المنقضي في المواصلات، أي أن عمله يستهلك معظم ساعات يومه. ثم يمر إلى المقهى “عشان أطلع من جوّ الشغل وأتونّس شوية مع أصحابي”. يتقاضى أجراً أسبوعياً قدره 350 جنيهاً. “إذا تأخرت نصف ساعة بسبب المواصلات يحسم منك نصف يوم، وإذا اضطررت للتغيّب ليوم بدون إذن مسبق بسبب مرضك مثلاً يحسم منك يومان. وفي نهاية الأسبوع لا تتقاضى أجرك كاملاً، يخصمون مئة جنيه ليضمنوا استمرارك في الأسبوع الذي يليه”. كل هذا يُشعره بالضيق وبأنه يتعرض للنصب، فيما يعجز عن المطالبة بحقوقه. أحياناً يتعرض لجروح في يده أثناء عمله على مكابس الحديد، زملاء له فقدوا بعض أصابعهم “آلات جديدة علينا”. هو مضطر للاستمرار لعدم وجود بديل “بدل ما اترمي في الشارع… المفوضية مش هاتعمل لي حاجة”. 

تقول المسؤولة التعليمية: “يحدث كثيراً أن يترك الطفل البرنامج التعليمي من أجل العمل. حتى برامج التدريب المهني،  لا تكون بمقابل مادي ولا حتى بدل وجبة، فقط يمكن توفير بدل نقل. وبذلك يعمل الأطفال في المقاهي والمطاعم، أو في التنظيف أو ورش الميكانيك. في بعض الحالات يمكن أن يعملوا في محال يديرها أفراد من داخل مجتمعات اللاجئين أنفسهم. أما الفتيات فعادة يعملن في تنظيف البيوت أو جليسات أطفال. وقد ازدادت حاجة هؤلاء الأطفال للعمل خلال الأشهر الأولى من انتشار “كورونا” لعدم انتظام الإعانات الشهرية وتوقف البرامج التعليمية، فكان من الضروري أن يبحثوا عن أي عمل متاح.

“إذا تأخرت نصف ساعة بسبب المواصلات يحسم منك نصف يوم، وإذا اضطررت للتغيّب ليوم بدون إذن مسبق بسبب مرضك مثلاً يحسم منك يومان. وفي نهاية الأسبوع لا تتقاضى أجرك كاملاً، يخصمون مئة جنيه ليضمنوا استمرارك في الأسبوع الذي يليه”.

حياة أصعب في ظل الجائحة

يُعد المهاجرون واللاجئون في البلدان المختلفة، من الفئات الأكثر تأثراً بتداعيات الجائحة، إذ عادة ما يتم استثناؤهم من تدابير الحماية الاجتماعية المتعلقة بـ”كوفيد- 19″، فما بالنا بالمجموعات الهشّة أصلاً داخل هذه الفئات؟

خلال الأشهر الأولى من الجائحة، كان عبد الله يقيم مع خمسة من رفاقه، هو واثنان آخران منهم فقط يحصلون على مساعدات نقدية وغذائية كونهم قاصرين، بينما الثلاثة الآخرون كانوا فقدوا عملهم في المصانع التي كانوا فيها بسبب الإغلاق، لذلك كانوا جميعاً يتقاسمون المساعدات. يدفعون الإيجار ويشترون المواد التموينية بداية كل شهر. يقول عبد الله إن المفوضية لم تفعل لهم شيئاً خلال الأزمة. فهم لم يتلقوا مساعدات إضافية، كما أن البطاقة الغذائية لا تتوفر للجميع.

وفقاً للمفوضية، فقد ازدات أوضاع اللاجئين سوءاً، بمن فيهم الأطفال غير المصحوبين،  في ظل الجائحة التي فاقمت همومهم، علماً أنهم قبل انتشار الوباء كانوا بغالبيتهم غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية، فيضطرون إلى تبني آليات التكيف السلبية، مثل تكبّد الديون أو تقليل الإنفاق على الغذاء والمواد الأساسية الأخرى اللازمة للبقاء على قيد الحياة. رغم ذلك وجد اللاجئون أنفسهم بلا أيّ دعم حقيقي من المفوضية لمواجهة التداعيات القاسية للجائحة عليهم، فباستثناء حالات قليلة جداً، لم يتم إدخال مستفيدين جدد من المساعدات الشهرية، أو رفع قيمة المساعدات الضئيلة أصلاً، بل كانت تتأخر لشهر أو شهرين وأكثر، فقط تم صرف منحة لمستلزمات النظافة قدرها 50 جنيهاً، أو توزيع هذه المستلزمات عبر منظمات شريكة.

 وكثيراً ما عبّرت المفوضية عن شكواها من نقص التمويل، ما يحدّ من قدراتها على تلبية الاحتياجات. يرى الناشط الإريتري محمود بره أن هناك سوء إدارة لميزانية المنظمات، إذ لا يتقاضى اللاجئ إلا القليل منها، فيما يمكن تعظيم استفادة اللاجئين إذا تمت إدارتها بصورة مختلفة، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أن الأولوية ينبغي أن تكون لسد جوعهم قبل أي أنشطة أخرى.

عبد الله ورفاقه لم يصمدوا طويلاً في ذلك الوضع “انفصلنا بسبب مشكلات الإيجار… اثنان منّا عبرا إلى ليبيا، واستأجرت البيت مع شباب آخرين”. يقول إن مجموعاتهم دائمة التفرق بسبب المشكلات والضغوط التي يواجهونها، كلّ في اتجاه.

المغادرة إلى ليبيا للانطلاق منها بحراً إلى أوروبا أمر متكرر بينهم. أحدهم كما يحكي عبد الله كان سافر إلى ليبيا قبل أيّام. شاب آخر انفجر فيه لغم على الحدود قبل شهر. يقول إن هذا المسار هو الخيار الأخير له، وإنه خاطر بحياته من قبل، فلن يتوقف أمام مخاطرة البحر “يا أخدك يا عديت بيه”.

إقرأوا أيضاً:

الاحتجاز

 من أبرز المشكلات التي واجهت هؤلاء الأطفال في ظل “كورونا” -وواجهت غيرهم من اللاجئين- عدم القدرة على تجديد وثائقهم في المواعيد المقررة، نتيجة تجميد العمل في مكاتب المفوضية طوال أشهر الجائحة، وفي حين أعلنت المفوضية استمرار صرف الحوالات النقدية عبر البريد حتى لحاملي الوثائق التي لم يتم تجديدها، فإنهم تعرضوا لمشكلة أخرى تتمثل في التوقيف والاحتجاز لفترات تصل إلى أسبوع أو عشرة أيام. وكان يتم الإفراج عنهم بعد تدخل القسم المختص بالحماية في المفوضية، تقول المسؤولة التعليمية في المنظمة المعنية باللاجئين.. ووفقاً لتقرير منظمة الهجرة الصادر عام 2013، فإن الاحتجاز أحد المخاطر التي يتعرض لها الأطفال المهاجرون غير المصحوبين في مصر، إذا تم العثور عليهم وهم لا يحملون مستندات قانونية أو تصريح إقامة، وإذا تم القبض عليهم على الحدود. 

طموح مؤجّل

تقدّم منظمات مثل “سانت أندروز” و”هيئة الإغاثة الكاثوليكية” و”هيئة إنقاذ الطفولة بالقاهرة” برامج تعليمية ومهنية لهؤلاء الأطفال. في وقت “كورونا” صارت الحصص الدراسية تنظّم من بعد، وهو ما كان إيجابياً في تجنيبهم مضايقات الشارع، وفقاً للمسؤولة التعليمية. في المشروع الذي تديره، وهو يقوم على تعليم اللغة الإنكليزية وبعض المهارات الحياتية ويخدم حوالى 120 طالباً، تم توفير أجهزة “تابلت” للطلاب وشحن الإنترنت. وعموماً ترى أن هذه البرامج بحاجة إلى إعادة نظر، فالطفل لن يفكر في التعليم وهو جائع أو مريض، مع أهمية زيادة البرامج المهنية. تقول إن الهمّ الأساسي للأطفال يكون التوطين في الولايات المتحدة أو كندا مثلاً، على رغم أن نسبة من يتم توطينهم قليلة، لذلك نجدهم يرغبون في تعلّم اللغة الإنكليزية، ويعتبرون وجودهم في مصر مرحلة موقتة، بخاصة مع عدم قدرتهم على تحقيق شيء هنا. 

لا تبدو البرامج التعليمية بالنسبة إلى عبد الله محلّ اهتمام. جرّب سابقاً الالتحاق لفترة وجيزة، ولكنه رأى أن ذلك لن يفيده، ولن يساعده في تحقيق ما يتمناه. يقول إن آخرين من أقرانه يمكن أن يهتموا بهذا، أما هو “ذهني كله مش معاهم… فيه حاجات في راسي لازم أوصل لها”.

يؤكد عبد الله أنه يمتلك طموحاً دراسياً ومهنياً، لكن من الواضح أنه يؤجل ذلك إلى أن يصل إلى أوروبا “في أوروبا هاتلاقي نفسك منظّم وهتلاقي وقت تدرس وتشتغل”. كذلك سوف يرسل لأهله دعوة ليجتمع شملهم. كما أنه يفضّل أن يتعلم اللغة ذاتياً عبر برامج الهاتف.

يضيف سبباً نفسياً هو عدم رغبته في لقاء أقران له قد يكونون في وضع أفضل منه أو على تواصل مع أسرهم. لم يتواصل عبد الله مع أسرته مذ تركَهم قبل ثلاثة أعوام تقريباً، منطقتهم تفتقد إلى شبكات الاتصال. قد تصله بعض الأخبار من طريق السودان. وحتى إن تواصل معهم فإنه سيزداد همّاً “قاعد في محلي… مش قادر أعمل لهم حاجة ولا أعمل لنفسي حاجة. مش حاجة تفرحهم ولا حاجة تسعدهم كده”. يعبر عن إحباطه لطول بقائه في مصر على عكس ما كان يخطّط. ويحسب كل يوم يمرّ عليه هنا باعتباره يوماً ضائعاً. يحكي عن أقران له سافروا وكانوا يشاركونه السكن، أحدهم يتواصل معه ويحدثه عن أوضاعه هناك ويتمنى له أن يلحق به “لأنه هو عارف الوضع اللى أنا فيه. بيقول لي أنا أحمد الله إني طلعت من مصر. يقول لي الفرق كبير. يعني هو كان نَفْسه مدمّر هنا معايا برضه دلوقتي ما شاء الله نفسياً مرتاح وبيدرس ويشتغل حياته ماشية حلوة. ده اللي بنحلم بيه كلنا”.

مرض وجوع

لم تكن الإصابة بـ”كوفيد- 19″ مشكلة صحية وحيدة أو طارئة بالنسبة إلى هؤلاء الأطفال، فلديهم مشكلات صحية كثيرة، تقول المسؤولة التعليمية إنهم يعانون من أمراض في الصدر أو القلب، ومن الأنيميا، بعضهم يحتاج لعمليات جراحية. وهو ما قد يعيق استمرارهم في البرامج التعليمية. يعيشون في بيئة غير صحية تفتقد شروط النظافة والتهوية الجيدة، خلال الأشهر الماضية كان هناك انتشار لمرض السل (TB) في صفوفهم. هم أيضاً لا يملكون وعياً للاهتمام بصحتهم، إضافة إلى الظروف القاسية التي مروا بها في طريق هجرتهم أو في بلدانهم الأصلية. بعض الفتيات يتعرضن لاعتداءات جنسية سواء في الطريق أو بعد وصولها مصر.

ووفقاً لتقرير منظمة الهجرة، فإن الشكاوى الطبية التي عادة ما يعبر عنها الأطفال المهاجرون غير المصحوبين في مصر تتضمن “الصداع والأرق وآلام الظهر وفقر الدم واضطرابات الكلى والمسالك البولية ومشكلات الجهاز الهضمي، كما أن مشكلات الصحة الجنسية والحمل تزيد من الحاجة المستمرة إلى الرعاية الطبية والاهتمام، ولا سيما المشكلات التي تنشأ من العنف الجنسي. في الوقت ذاته، تعتري الخدمات الصحية المتوفرة لهؤلاء الأطفال أوجه قصور عدة.

ويشير أحد مقدمي الخدمة الذين استطلع التقرير آراءهم إلى أن “سوء التغذية الذي يعاني منه الكثير من الأطفال يُساهم في تدني مستويات الصحة، ويرتبط هذا ارتباطاً وثيقاً بالأطفال الذين لا يتلقون مساعدة مالية كافية، إن وُجدت، وعدم امتلاكهم المعلومات الكافية التي تمكّنهم من تلبية الاحتياجات الغذائية اللازمة لنموّهم وصحتهم”.

لا يذكر عبد الله أنه منذ وصوله إلى مصر تناول ثلاث وجبات في يوم واحد “يا وجبتين يا وجبة واحدة”، مشيراً إلى أنه خَبِر الجوع من قبل في طريق هجرته، فقد عَبَر من إريتريا للسودان على قدميه لمدة 3 أيام في الصحراء، كانوا خلالها يشربون الماء فقط، أعقبتها 7 أيام أخرى من السودان إلى مصر في عربات.

يقول الناشط الإريتري محمود بره إن سوء التغذية الناتج عن قلة الدخل يضعف مناعتهم ومن ثم يكونون عرضة للأمراض، إضافة إلى قلة الوعي والعادات غير الصحية مثل السهر. وإنه خلال عام 2020 تم رصد حوالى 24 حالة سلّ بين الأطفال والشباب الإريتريين، وقد تلقوا العلاج في مستشفيات حكومية متخصصة، بينما توفي منهم 4 أشخاص لتأخر حالتهم، تتراوح أعمارهم بين 15 و30 سنة.

معاناة نفسيّة

عندما سألت عبد الله عن مطالبه هنا في مصر كانت إجابته الفورية والمتكررة: “باتمنى أطلع من مصر.. بقى لي 3 سنين مش مستريح نفسياً، حاسس هتجيني حاجة… أنا مضغوط نفسياً مش مستريح، أواجه مشكلات كتير هنا في مصر”. وأضاف: “فيه عيال هنا كتير بتموت بسبب الأمراض، أمراض التيبي الموجودة (TB أو السلّ). بسبب الضغوطات النفسية. تلاقي الواحد ما بياكلش. ينام كتير… تنام عشان تعدي يومك يخلص بس”.

من خلال تعامله مع هؤلاء الأطفال يقول الناشط الإريتري إنهم يفتقدون معنى لوجودهم في مصر ويشعرون أنهم يقيمون فيها مجبرين، لأنهم أتوا بتصور معين ويسيطر على تفكيرهم الوصول لأوروبا.. ولكنهم يصطدمون بالواقع. إلا أن هذا -كما يؤكد- لا يعني إهمالهم.

ويضيف: “هم لا يعرفون ماذا يريدون من وجودهم في مصر لذلك قد لا ينتظمون في البرامج التعليمية أو المهنية. قبل وصولهم تعرضوا للكثير من المآسي كالضرب والاغتصاب وغير ذلك من صنوف الاعتداء. وهنا يعانون من العوز المادي ومن الفراغ، ولا يجدون من يقدّم لهم النصح أو الرعاية المعنوية أو يكون مسؤولاً عنهم. لذلك تسوء حالتهم النفسية، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى إقدام شباب وفتيات على الانتحار. يقول إن مبادرته تعمل على توعيتهم، لكن المبادرات محدودة الإمكانات، بخاصة في ظل الجائحة ووجود صعوبات في تجميعهم أو تنظيم لقاءات من بعد حيث يمكن ألا يتوفر الإنترنت لكل طفل. وهم يحتاجون إلى دعم نفسي وإعادة تأهيل واستيعاب لطاقاتهم، ولحمايتهم من أي ممارسات انحرافية. 

“سوء التغذية الذي يعاني منه الكثير من الأطفال يُساهم في تدني مستويات الصحة، ويرتبط هذا ارتباطاً وثيقاً بالأطفال الذين لا يتلقون مساعدة مالية كافية، إن وُجدت، وعدم امتلاكهم المعلومات الكافية التي تمكّنهم من تلبية الاحتياجات الغذائية اللازمة لنموّهم وصحتهم”.

فقدان الأسرة

“كلنا فاقدين الأسرة والمعيشة معاهم”، يقول عبد الله. ولكنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً سوى التحمّل، “مش أنا لوحدي، فيه ألف زيي موجودين بنفس الوضع اللي أنا فيه.. لو اتضايقت هاشكي لمين؟ أروح لصاحبي هايقول لي أنا برضه زيك متغرّب من أهله بقى له سنين، مش هانعمل لبعض حاجة”.

ويورد تقرير منظمة الهجرة ما عبرت عنه مجموعة من الشباب أجريت معهم مقابلات، من أن “فقدان الأسرة، والتجارب الصعبة الماضية، وكذلك التوقعات العالية بالحصول على حياة أفضل في مصر، وتزامناً مع الصعوبات التي واجهوها في مصر، كل هذا يساهم في الشعور العام باليأس والاكتئاب”.

البعض يتم تسكينهم في أسر لاجئة من جنسياتهم، بخاصة البنات وصغار السن كما تقول الناشطة السودانية ميسون عبد السلام، مشيرة إلى أنهم قد يتعرضون لمشكلات داخل الأسر مثل استغلالهم لأداء العمل المنزلي. ويقول الناشط الإريتري محمود بره إن العيش مع شباب آخرين وإن كانوا أكبر سنّاً لا يُعتبر بيئة آمنة لهؤلاء الأطفال، إذ يمكن أن يتعرضوا للاستغلال أو يتعلّموا سلوكيات سيئة، وإنه من المهم توفير الجوّ الأسري لهم بقدر الإمكان مع توفير الدعم اللازم للأسر المستضيفة. هناك أسر تكون من دوائر المعارف ومن ثم تلتزم بأداء “الواجب”، وفقاً للتقاليد الإريترية، تجاه أبناء معارفها الذين يأتون إلى مصر. يقول عبد الله إن معظم الأطفال والشباب غير المصحوبين يقيمون معاً، وإن قليلين يقيمون مع أسر، مشيراً إلى أن وجوده مع أسرة سيكون غير مريح للطرفين.

وعموماً ترى المسؤولة التعليمية في المنظمة المعنية باللاجئين أن هؤلاء الأطفال بحاجة إلى أماكن إقامة وعمل ملائمة، وخدمات علاجية وتعليمية بجودة عالية، لكي تتحسن حياتهم، وهذا يتطلب جهداً من الدولة، وليس من المنظمات وحدها. 

مارسيل ظريف وهي باحثة مصرية في قضايا اللاجئين الأفارقة، تقول إن وضع اللاجئين يرتبط بالأوضاع العامة للدولة التي يقيمون فيها، وإن تحسين الأوضاع السيئة للمجتمعات الأفريقية في مصر يتطلب جهوداً مشتركة بين الدولة والمفوضية، كما ينبغي للمنظمات تنسيق أنشطتها، بدلاً من العمل في مشاريع خاصة بكل منظمة على حدة بصورة مستقلة وجزئية. مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أن الكثير من مشكلات اللاجئين هي مشكلات عاجلة تتطلّب تدخلاً فورياً، ولا تحتمل الانتظار.

يصدّر عبد الله حسابه على واتساب بدعاء رقيق لأمه… يقول إنها ربما تكون الآن قيد الاعتقال. تظهر صورته بهيئة مهندمة ومناسبة لشاب في عمر المراهقة. الشاب الصغير الآتي من إحدى بلدات غرب إريتريا والحالم الدائم بأوروبا لا يكف عن الحنين إلى وطنه “أي حد بيتمنى يرجع بلده ويقعد وسط أهله وناسه لكن مش في إيدي حاجة”، فمعظم الشباب في سنّه يضطرون للهجرة حتى لا يقعوا في قبضة الحكومة. 

في نهاية حديثنا يسألني عبد الله عما إذا كان ما أفعله يمكن أن يساعدهم في شيء “يعني دي هاتساعدنا في إيه الحاجات اللي بتعمليها؟”. يقول إنه يسعد بأن يجد من يشعر به ويستمع له “من الشعب اللي أنا قاعد معاه.. .دي أحسن حاجة”.

أنجز هذا التحقيق في إطار برنامج المركز الدولي للصحافيين  ICFJ بالتعاون مع مشروع فيس بوك للصحافة لإنتاج تقارير عن قضايا اللاجئين وسط الجائحة

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
بعد 16 عاماً من توليها منصب المستشارة الألمانية، قرّرت أنغيلا ميركل مغادرة الساحة السياسية بسيرة ذاتية حافلة بالدفاع عن الحقوق المدنية وحقوق اللاجئين وانتقادات لمساوتها مع قوى استبدادية عالمية… من هي أنغيلا ميركل؟

2:52

Play Video
يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

1:51

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني