العراق : موازنة مالية “صماء”
لا تستجيب لصراخ 16 مليون فقير عراقي

"الموازنة لم تراع المسؤوليات الاجتماعية للطبقات الهشة اقتصادياً من محدودي الدخل". كما أنها جاءت "صماء لا تستمع إلى صرخات العراقيين وخالية من أي سياسيات تردم فجوة التضخم..."

هل تمكن رؤية “خط الفقر” بالعين المجرّدة؟ 

عملياً لا تمكن رؤية “الخط” نفسه بالعين المجرّدة، فهو تعبير بياني، لكن في العراق تمكن ملاحظة أن ما يقارب نصف السكان باتوا يرزحون تحته، أو يكادون. كيف؟ مع إقرار الموازنة المالية الجديدة لعام 2021 تذهب التقديرات إلى أن أكثر من 16 مليون عراقي، سيصنفون “تحت خط الفقر”. وهذا يعني أن هؤلاء سيعيشون في حال من العوز ولن يستطيعوا تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم اليومية، من مأكل ومشرب وطبابة، ولن يستطيعوا إدخال أطفالهم إلى المدارس. وقد لا يستطيع معظمهم حتى قراءة هذه السطور، لافتقارهم إلى خدمة الإنترنت بعد فرض ضرائب بنسبة 20 في المئة على خدمات تعبئة الهاتف النقّال. نعم، يحدث هذا في العراق، الذي يصنّف من أغنى بلدان العالم بالنفط والإمكانات الاقتصادية، ومع ذلك تشير التقديرات إلى تبخّر نحو 450 مليار دولار أميركي في السنوات الـ16 الماضية بسبب الفساد. 

أقر البرلمان العراقي مساء الأربعاء 31 آذار/ مارس الموازنة المالية لعام 2021 والتي بلغت قيمتها 101 تريليون و320 ملياراً و141 مليوناً و985 ألف دينار (نحو 90 مليار دولار)، فيما قدرت إيرادات الموازنة بنحو 129 تيرليوناً و993 ملياراً و291 مليون دينار (نحو  105 مليارات دولار)؛ بينما بلغ العجز الإجمالي 28 تريليوناً و 672 ملياراً و867 مليون دينار (نحو  20 مليار دولار).

وقدرت الموازنة حساب الإيرادات على أساس 45 دولاراً لسعر برميل النفط، بمعدل تصدير 3.25 مليون برميل يومياً، في الوقت الذي تشكل صادرات النفط نسبة تصل إلى 95 في المئة من العائدات المالية لهذه الموازنة.

وكان من أسباب التأخير في تمرير مسودة الموازنة المالية، الاعتراض البرلماني على إضافة الاستقطاعات من رواتب موظفي القطاع العام التي ألغاها مجلس النواب، فضلاً عن فرض الضريبة والجباية بشكل مجحف، كما يراه عراقيون.

وتضمنت الموازنة المالية لعام 2021 فرض ضرائب بنسبة 20 في المئة على خدمات تعبئة الهاتف النقال وفرض طابع ضريبي بقيمة 25000 دينار (17 دولاراً) على كل عراقي ينوي السفر الخارجي من المطارات العراقية وطابع بقيمة 10.000 دينار (6 دولارات) على كل عراقي يسافر داخلياً إضافة إلى فرض ضريبة بنسبة 200 في المئة على المشروبات الكحولية، ونسبة 100 في المئة على السجائر والتبغ المستورد. أما المشتقات النفطية (وقود السيارات) فقد لحقتها ضريبة بنسبة 15 في المئة على كل لتر، على أن تخصص تلك الإيرادات الضريبية كحوافز شهرية لموظفي هيئة الضرائب وتأهيل بناها التحتية.

الموازنة المالية للعام الجاري أيضاً بُنيت على أساس سعر صرف الدينار العراقي عند 1450 لكل دولار أميركي واحد، في خطوة قدمتها حكومة مصطفى الكاظمي لتوفير السيولة النقدية لسد العجز المالي ولتوفير الرواتب والنفقات العامة.

الموازنة المالية “صماء”

تشير الباحثة الاقتصادية عُلا التميمي إلى أن “الموازنة لم تراع المسؤوليات الاجتماعية للطبقات الهشة اقتصادياً من محدودي الدخل”. كما أنها جاءت “صماء لا تستمع إلى صرخات العراقيين وخالية من أي سياسيات تردم فجوة التضخم الذي خلفه قرار خفض قيمة صرف الدينار العراقي مقابل الدولار الأميركي”.

فاتورة الواردات المرتفعة والتي ترتبط بشكل أساسي بحاجيات الإستهلاك اليومي للمواطن العراقي، تموّل كلّها بالدولار الأميركي، وهو ما سيؤثر سلباً، بحسب التميمي، في السوق المحلية مسبباً ارتفاعاً مؤكداً في أسعار السلع الرئيسية. 

وتضيف التميمي لـ”درج”: الدخل المالي العام للمواطن العراقي فقد ما يصل إلى 22 في المئة من قيمته وقدرته الشرائية أمام السوق وهذا تحدٍ آخر لارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية في السوق المحلية”.

إقرأوا أيضاً:

16 مليون فقير في العراق

وفقاً لتصريح سابق أدلى به المتحدث الرسمي باسم وزارة التخطيط العراقية عبد الزهرة الهنداي، فإن نحو 31.7 في المئة من سكان العراق أي قرابة 11 مليون إنسان يعيشون تحت خط الفقر بعد انتشار جائحة “كورونا”، وخصوصاً في المناطق التي شهدت عمليات عسكرية وتهجيراً وفقدان مواطنين منازلهم وتجارتهم والنزوح إلى محافظات أخرى. 

كما يتوقع الخبير في الشؤون الاقتصادية والمالية مناف الصائغ ارتفاع النسبة إلى 65 في المئة، خصوصاً بعد الإجراءات والقرارات التي تريد الحكومة العراقية تنفيذها من خلال رفع الدعم عن المحروقات وتغيير سعر صرف العملة المحلية، ما قد يضع أكثر من 16 مليون عراقي تحت خط الفقر.

طبقة الموظفين ستكون الأكثر تأثراً بالإجراءات الجديدة، إذ سينضم أفرادها إلى الطبقات الفقيرة مع رواتب لا تتجاوز 800000 دينار (500 دولار أميركي) أو ما دونه جراء ارتفاع أسعار الخدمات والسلع الغذائية والاستهلاكية وأيضاً بسبب تخفيض الرواتب عبر الاستقطاعات الجديدة لتخفيض كلف الإنفاق التشيغلي، يوضح صائع لـ”درج”.

وتشهد الأسواق المحلية في العراق حالياً ارتفاعًا كبيراً في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية بالتزامن مع بدء شهر رمضان، إذ ارتفع سعر الدجاجة إلى 12000 دينار (8 دولارات) بعدما كان 6000 دينار (4 دولارات) قبل إقرار الموازنة، فيما بلغ سعر زجاجة زيت الطعام الصغيرة نحو 3750 ديناراً (2.5 دولار) بعد إن كانت نحو 1250 ديناراً (أقل من دينار واحد) قبل أيام قليلة جداً.

تضخّم وتآكل في القدرة الشرائية

يتوقع الصائغ أيضاً أن ترتفع نسب التضخم السنوي في العراق إلى نحو 10 في المئة، بعدما كانت في السابق لا تتجاوز 3.3 في المئة، وهذا ما “سيقتل القدرة الشرائية وخصوصاً لأصحاب الرواتب المتوسطة والمتدنية الذين يشكلون النسبة الكبيرة من شريحة العاملين في مؤسسات الدولة”، ومع تآكل القدرة الشرائية، “سيدخل العراق في كساد اقتصادي وشلل في جميع القطاعات التجارية، ما يؤدي إلى انعكاسات غير حميدة كنشوء عصابات وكثرة الجرائم والسلب، إضافة إلى نفلات اجتماعي حاد مع ركود اقتصادي قاسٍ”.

وأبدى الصائغ امتعاضه من عدم الإصغاء من قبل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي ووزير المالية علي علاوي لمقترحات الخبراء الاقتصاديين لحل الأزمة، من دون الالتفاف إلى رواتب الموظفين والعاملين في مؤسسات الدولة، أو محاولة استنباط حلول جدية سريعة من طريق تنشيط دور القطاع الخاص بخطوات واضحة ومدروسة لدعم القطاع العام وتنشيط الحركة الاقتصادية في العراق وتقليل نسب البطالة لتخفيف الضغط في الإنفاق المالي العام للدولة حتى تحقق إيرادات إضافية وتقدّم خدمات حقيقية للمواطنين”.

هل يكون الحل بـ”البطاقة التموينية”؟

وفي ظلّ هذا الانهيار على مستوى معيشة العراقيين، نوه المستشار الاقتصادي للحكومة العراقية مظهر محمد صالح بـ”أهمية البطاقة التموينية ودورها، كونها تمثل دعماً غذائياً للطبقات الفقيرة والشرائح التي تستهدفها برامج الرعاية الاجتماعية وبرامج التخفيف من الفقر لضمان مستوى معيشة تكفل حياة المواطن”.

صالح قال لـ”درج” إن البطاقة التموينية، في حال إقرارها، “ستؤدي دورها الاجتماعي في مكافحة الأنشطة التضخمية المحتملة على المستهلكين من الطبقات الفقيرة والمتوسطة جراء انخفاض سعر صرف الدينار وارتفاع الرسوم والضرائب وتجنيب آثارها على القوى والشرائح الاجتماعية من محدودي الدخل والفقراء وهم من ذوي الطلب الواسع على المواد الغذائية والحياتية الاساسية التي تستنزف جل دخلهم النقدي المتاح”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي نور الدين – صحافي لبناني
كل ما يحصل اليوم على مستوى توجيه أصابع الاتهام إلى خفايا السوق الموازية والتطبيقات الإلكترونيّة، لا يعكس سوى تهرّب حاكم مصرف لبنان من مسؤوليّته تجاه الأزمة وفوضى أسعار الصرف.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني