fbpx

على مفترق طرق خطير في كردستان مع كريستيان أمانبور

لم تكن معركة كفري الوحيدة بل إن معارك أخرى وقعت في تلك الفترة في مناطق مختلفة بين البيشمركة والجيش العراقي، فيما استمرت "تحرشات" السكان الكرد بعناصر القوات العسكرية وأجهزة الشرطة والأمن، إلى أن انسحب العراقيون من كردستان...

فيما شهد عام 1991 تطورات مهمة على صعيد العلاقات الكردية– التركية الناشئة واستمرار المفاوضات بين الكرد وبغداد وإقامة الملاذات الآمنة لاعادة اللاجئين الكرد من الحدود التركية والايرانية، وقعت أحداث لا تقل أهمية على الأرض في المناطق الخاضعة للجبهة الكردستانية، أدت في أواخر ذلك العام إلى تطورين رئيسيين: انتفاضة شعبية “مصغرة” رافقتها مواجهات محدودة بين البيشمركة والقوات العراقية وقرار بغداد سحب القوات والإدارات من المحافظات الكردية والتوقف عن دفع رواتب الموظفين فيها، الأمر الذي جعل هذه المحافظات خارج سلطة المركز نهائياً، وبالتالي أدى إلى قرار قيادة الجبهة الكردستانية في مطلع عام 1992 إجراء انتخابات برلمانية، تسفر عن تشكيل حكومة محلية لملء الفراغ الذي أحدثه قرار الحكومة المركزية، وتحسم النقاش غير المعلن بين الحزبين الرئيسيين المتنافسين على كسب الشعبية.

لم يكن كل شيء على ما يرام في المناطق التي اعلنت قوات التحالف الدولي انها ملاذات آمنة للكرد وكانت تحديدا في محافظة دهوك.

الشرخ الأول بين القيادة الكردية وأنقرة

في غضون ذلك، حدث الشرخ الأول في العلاقة بين القيادة الكردية وانقرة. ففي أواخر آب/ أغسطس من ذلك العام كان مقرراً أن يزور جلال طالباني أنقرة للقاء مع الرئيس تورغوت أوزال. تزامن موعد وصول طالباني مع انعقاد مؤتمر لوزراء خارجية منظمة الدول الاسلامية في اسطنبول. وكنت موفداً إلى هناك من “الحياة”. زارني كايا توبيري المستشار الصحافي للرئيس التركي فجلسنا في بهو الفندق لتناول القهوة، وأخذ يحدثني عن تفاصيل اللقاء المفترض بين طالباني وأوزال في القصر الرئاسي تشانكايا في أنقرة. خلال الحديث شاهدث فجأة رئيس الوزراء آنذاك مسعود يلماز وهو يسير محاطاً بفريق من مساعديه وحراسه متوجهاً إلى خارج الفندق بعدما تفقّد مكان اجتماع الوفود. سألت توبيري هل سيستقبل رئيس الوزراء طالباني أيضاً؟ رد توبيري بأنها فكرة جيدة جداً وأضاف أنه سيلفت نظرهم، ونهض من مكانه ولحق بسرعة بفريق يلماز وعاد بعد دقائق ليكمل شرب قهوته وحديثه. قال إنه اتفق مع مستشار يلماز لترتيب لقاء بين طالباني ورئيس الوزراء بعد اللقاء مع أوزال وسيعلمه بالموعد والمكان المحددين. قلت لنفسي يا لها من مصادفة سعيدة وسأخبر طالباني عندما أجري اتصالاً هاتفياً معه. لكن لم يمر سوى ساعات حتى حدث ما لم يكن في الحسبان والغيت جميع المواعيد المقررة للقاءات طالباني. لماذا؟

كالعادة كلما أزور اسطنبول او أنقرة لتغطية أحداث مهمة التقي صديقي وزميلي جنكيز تشاندر الذي كنا سوياً “نحيك مؤامرات” لتعزيز العلاقات بين القيادة الكردية والرئيس أوزال. في ذلك اليوم كان هناك عشاء رسمي على شرف أعضاء وفود المؤتمر الإسلامي في القاعة الكبرى في الهيلتون وكنت وجنكيز تلقينا الدعوة لحضوره. قبل موعد العشاء فاجأتنا الأخبار بأن القوات التركية شنت عملية واسعة ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني وانها عبرت الحدود الى داخل الاراضي العراقية مسافة كيلومترات عدة. العملية العسكرية فاجأت القيادة الكردية وكان رد فعلها عنيفاً. زعيم “الديموقراطي الكردستاني” مسعود بارزاني ادان العملية بشدة وقرر سحب ممثل حزبه في أنقرة سيامند البنّا (بعد 2003 أصبح سفيراً للعراق في هولندا) احتجاجاً على دخول القوات التركية أراضي كردستان العراق. أما طالباني الذي كان في روما وكان متوقعاً أن يغادرها في اليوم التالي متوجها إلى انقرة، فانه اعتبر، خلال مؤتمر صحافي عقده في العاصمة الايطالية، العملية العسكرية التركية “انتهاكا لسيادة العراق وفقا للقانون الدولي”. كان واضحاً أن أنقرة لم تتوقع رد فعل الزعيمين الكرديين. جنكيز تلقى اتصالاً من توبيري مبديا استغرابه لكنه لم يتطرق إلى موقف أنقرة المحتمل. أنا وجنكيز افترضنا أن المسألة ستمر بسلام من دون تداعيات سلبية لكننا كنا على خطأ. اتخذت وجنكيز مائدة طعام شاركنا في الجلوس حولها السفير الإيراني في أنقرة. كنا على وشك الانتهاء من تناول الطعام عندما تلقى جنكيز رسالة من توبيري عبر جهاز التحذير الصوتي الذي كان يحمله دائماً (قبل عصر الهاتف النقال)  يطلب منه الاتصال به فوراً، فقال لي مرتبكاً، يبدو أن المسألة كبرت. اعطيته مفتاح غرفتي ليتصل منها بتوبيري. بعد انتظار مقلق لنحو 20 دقيقة عاد جنكيز وأخبرني ان “القيامة قائمة” في أنقرة وأن اللقاءات المقررة لطالباني ألغيت كلها. خرجنا من العشاء فتوجهت الى غرفتي فيما ذهب جنكيز للانضمام إلى زملائه الصحافيين الأتراك. أعددت تقريري وأرسلته إلى “الحياة” ثم اتصلت بطالباني وقلت له إن الجو توتر في أنقرة والأتراك “غاضبون بسبب تصريحك” وقرروا إلغاء مواعيد لقاءاتك فرد بعصبية: “كيف يمكنهم ذلك؟ هم المعتدون وأنا من يجب أن أغضب”. وأضاف أنه في أي حال لن يلغي زيارته إلى أنقرة. في نحو منتصف الليل جاء جنكيز إلى غرفتي وتبادلنا وجهات النظر في ما حدث فاتفقنا على أن رد الفعل الكردي كان لا مناص منه نظراً لسعة العملية التركية ونوعيتها ويمكن جنكيز أن يستخدم هذه الذريعة ويبذل جهداً لتهدئة الوضع. اتصل جنكيز بتوبيري وتحدث معه طويلاً ثم أوضح لي أنه شعر بأن كلامه أثر في توبيري وأدى الى تهدئته ووعده بأن يتحدث مع أوزال ويسعى إلى احتواء التوتر. في اليوم التالي توجهت وجنكيز الى أنقرة.

إقرأوا أيضاً:

حكايات أنقرة

في أنقرة التقيت كاك محسن دزه يي الذي كان وصل اليها لمشاركة طالباني في اللقاء مع أوزال وقال لي إنه سعى كثيراً دون جدوى مع الأتراك لاقناعهم بعدم شن العملية العسكرية. لاحقا علمت من عضو قيادة “الوطني الكردستاني” محمد توفيق الذي كان مسؤولاً عن حزبه في دهوك أن والي (محافظ) دياربكر وقتها خيري قوزاقجي دعاه الى لقائه، وأبلغه بأن تركيا ستنفذ عملية عسكرية وطلب منه أن يبلغ القيادة الكردية بسحب قوات البيشمركة من المناطق التي سيهاجمها الأتراك الذين زعموا لاحقاً أنهم ابلغوا القيادة الكردية مسبقا بالأمر. لكن توفيق أكد ان الوالي أبلغه بالامر في اللحظة الاخيرة وأنه احتج بأن الوقت لا يكفي حتى لابلاغ البيشمركة بالانسحاب. في الأثناء قرر دزه يي السفر الى كردستان لعدم وجود سبب لبقائه في أنقرة. وصل طالباني الى أنقرة وأقام في فندق إيتشقلا وزرته في غرفته فقال لي إنه أجرى اتصالاً مع توبيري الذي عاد فاتصل به بعد قليل ليبلغه بأن أوزال الذي كان مقرراً أن يعود إلى أنقرة من منتجع مرمريس على البحر الأبيض المتوسط يرغب في التكلم معه. طالباني أكد لي ان الحديث بينهما كان ودياً واوزال “طيّب خاطره” قائلاً إنه بات صعباً أن يستقبله بعد ما حدث لكنه أكد أنه سيدعوه إلى أنقرة في وقت قريب، وأوفى بوعده بالفعل. 

من جهة أخرى، كان هناك لقاء مقرر بين طالباني ودزه يي مع قادة عسكريين في رئاسة الاركان العامة، بقي قائماً على رغم من كل ما حدث. في الأثناء كان الأخير وصل إلى دياربكر في طريقه إلى كردستان عندما اتصل الاتراك به وطلبوا منه العود الى أنقرة للقاء “مهم” مع العسكريين. وهذا ما حصل فجرى اللقاء الذي شارك فيه اضافة الى طالباني ودزه يي قادة عسكريون وممثلون عن وزارة الخارجية وجهاز الاستخبارات الوطنية (ميت) وكايا توبيري ممثلاً عن الرئيس التركي. وكان ذلك أول لقاء على مستوى رفيع مع المؤسسة العسكرية وكان من أهم نتائجه الاتفاق على تعيين ضباط ارتباط بين الطرفين مقرهم على الحدود. العسكر سألوا خلال الاجتماع عن السبب في عدم اتخاذ مثل هذا الاجراء حتى الآن، فأوضح لهم طالباني أن الطرف الكردي طرح الفكرة أكثر من مرة على الخارجية التركية لكن لم تكن هناك استجابة لها. منذ ذلك الحين ارتقت العلاقة بين الطرف الكردي والقيادة العسكرية التركية الى مستوى أعلى خصوصاً مع عضو رئاسة الأركان قائد قوات الجندرمة الجنرال أشرف بتليس الذي ربطته علاقة ودية مع القيادة الكردية تحديدا مع بارزاني وطالباني وقام بزيارتهما في كردستان. 

في غضون ذلك لم يكن كل شيء على ما يرام في المناطق التي اعلنت قوات التحالف الدولي انها ملاذات آمنة للكرد وكانت تحديدا في محافظة دهوك. القادة العسكريون الاميركيون كانوا يتعاملون تحديدا مع العشائر و”المستشارين” الذين تعاونوا سابقا مع الحكومة العراقية. لكن بعد فترة قصيرة اكتشف “التحالف” أن لا مناص من التعامل مع الاحزاب الكردية. يقول محمد توفيق في لقاء معه في أربيل: “في 15/6 أوفدتني قيادة الحزب (الوطني الكردستاني) لأمثلها في الاتصالات مع قوات التحالف التي عقدت في منطقة قريبة من مدينة دهوك ما يشبه مؤتمرا مصغرا مع رؤساء عشائر ودعتني للمشاركة كمراقب فحسب. الضباط الأميركيون أوضحوا أن الوضع بدأ بالتحسن والكرد يعودون الى مناطقهم لذلك فإن القوات الأميركية تستعد للانسحاب. وأضافوا أنهم جاءوا إلى المنطقة بدوافع إنسانية ولم يكن في نيتهم أبداً أن يتورطوا في الشؤون الداخلية للعراق لكنهم يراقبون وهدفهم حماية الناس. كان قائد قوات التحالف الجنرال الاميركي جون شاليكاشفيلي مسؤولاً عن تنفيذ عملية بروفايد كومفورت لاعادة الكرد وحماية السكان المدنيين. بدا أن شاليكاشفيلي كان على علم بأن الكرد كانوا يشعرون بنوع من التفاؤل في شأن المفاوضات بين القيادة الكردية والحكومة العراقية. وبعدما تحدث نحو 15 دقيقة طلب من كل رئيس عشيرة في الاجتماع أن يتحدث لمدة دقيقتين. تحدثوا وأجمعوا على رأي واحد هو أنهم جميعاً يريدون أن تبقى قوات التحالف في المنطقة، وأنهم لا يمثلون الكرد بل كل منهم يمثل عشيرته فقط والذين يتفاوضون في بغداد هم المسؤولون عن اتخاذ القرارات السياسية. بعد ذلك الاجتماع، قررت قيادة التحالف أن تكون اتصالاتها منفصلة مع رؤساء العشائر من جهة ومع ممثلي الحزبين الرئيسيين في المنطقة من جهة أخرى. كنت امثل حزبي وفاضل ميراني يمثل حزبه الديموقراطي الكردستاني” (محمد توفيق – أربيل في 18/7/1993).

ارتقت العلاقة بين الطرف الكردي والقيادة العسكرية التركية الى مستوى أعلى خصوصاً مع عضو رئاسة الأركان قائد قوات الجندرمة الجنرال أشرف بتليس الذي ربطته علاقة ودية مع القيادة الكردية تحديدا مع بارزاني وطالباني وقام بزيارتهما في كردستان.

دهوك آمنة وبقية كردستان تحت سيطرة صدام

انسحبت قوات التحالف من المنطقة في 15/7 وقبل ذلك بنحو أسبوع دُعي توفيق وفاضل ميراني الذي كان يمثل الحزب الديموقراطي الكردستاني إلى اجتماع في العمادية مع ممثل قيادة التحالف الجنرال غاردنر الذي أبلغهما بموعد انسحاب قوات التحالف، مع إشارته إلى أنها ستقيم مركزاً في زاخو فيما سيكون لها وجود في قاعدة انجيرلك في تركيا “لمراقبة الوضع من هناك”. الجنرال الأميركي طلب من الممثلين الأكراد ألا يسمحوا للسكان بالتظاهر كما حدث في وقت سابق مطالبين قوات التحالف بعدم الانسحاب لخوفهم من هجوم عراقي محتمل. غاردنر أبلغهما أن قوات التحالف ترغب في تنفيذ عملية انسحابها من دون وقوع أي حادث مضيفا أن الجنرال شاليكاشفيلي سيستقبلهما في 12/7 “لكننا لم نتعهد له بأي شيء وقلنا له ان علينا أن نستشير قياداتنا”، بحسب توفيق الذي أضاف: “اتفقت وميراني على أن نعبر عن موقف موحد وعندما التقينا شاليكاشفيلي قلنا له إنه ليس من مصلحتنا أن تنسحب قوات التحالف في الوقت الذي تستمر فيه المفاوضات في بغداد، وأشرنا إلى أن العراقيين كانوا دائماً يقولون للمفاوضين الكرد إنهم يجب ألا يعتمدوا على الغرب لأنه سينسحب من المنطقة ويترككم. استغرب شاليكاشفيلي الذي بدا لنا أن غاردنر ربما كان أبلغه بأنه استطاع اقناعنا بموقفه. الى ذلك قلنا لشاليكاشفيلي: انتم جئتم إلى المنطقة ورفعتم آمال الكرد وانسحابكم سيترك أثراً نفسياً سلبياً في نفوس الكرد. لكن شاليكاشفيلي قال لنا إن قرار الانسحاب قد اتخذ وسينفذ”. (محمد توفيق- أربيل في 18/7/1993).

كانت مساحة منطقة الملاذ الآمن صغيرة. كانت المفارقة تكمن في أن يعود بعض الكرد من الجبال إلى منطقة آمنة تحميها قوات التحالف فيما يعود أغلبهم الى مدن مثل السليمانية واربيل وغيرها تحت سيطرة القوات العراقية. ولم يخل الوضع من توتر ومواجهات بين السكان الكرد والقوات العراقية في المناطق الخاضعة لسيطرتها. في أيار/ مايو مثلاً، اضطرت القوات العراقية إلى الانسحاب من دهوك والعمادية، بعدما هاجم السكان مراكز الشرطة في المدينتين متشجعين بوجود قوات التحالف وضعف السلطات العراقية. كانت القوات العراقية تسيطر على جسر قرب بلدة أتروش، فيما كانت تقيم نقاط أمنية، الأمر الذي كان يثير مخاوف الناس من التنقل. قوات التحالف تدخلت وأبلغت العراقيين بالانسحاب من الجسر، فيما قامت طائرات هليكوبتر أميركية بالتحليق بشكل منخفض لمراقبة تحركات القوات العراقية في محيط الجسر. استدراكاً كنت شاهداً على وضع المنطقة القريبة من الجسر، عندما زرت كردستان في أواخر أيار من ذلك العام برفقة صحافيين بريطانيين اثنين. سافرت من أنقرة إلى دياربكر مع الصحافيين جون موري الذي كان مراسلاً لصحيفة “فاينانشيال تايمز” وكريس سميث الذي كان مراسلا لصحيفة “أوبزرفر”. في دياربكر استأجرنا سيارة جيب من إحدى شركات النقل وتطوع موري بقيادتها وكان هدفنا الوصول الى شقلاوة التي كانت قيادة الجبهة الكردستانية اتخذتها مقراً موقتاً، وكان مقرراً أن تعقد قيادتها اجتماعاً هناك للبحث في سير المفاوضات مع الحكومة العراقية. كان يتعين علينا المرور بالسيارة بمحاذاة مناطق كانت القوات العراقية نقاط أمنية حكومية تشرف عليها من مسافات قريبة تمكنها من استهدافنا بسهولة. وقبل الوصول إلى تلك المنطقة وجدنا أنفسنا أمام مفترق طريقين فتوقف موري قليلاً لأنه لم يكن متأكداً تماما أي طريق يجب أن نسلك. الخطورة كانت في أن أحد الطريقين يؤدي الى المناطق المحررة والآخر إلى مناطق الحكومة. موري كان يعرف الطرق عموماً، لأنه سبق أن زار المنطقة عبر الطريق نفسه. بعد تفكير قرر أن يسلك أحد الطريقين معتمداً على ذاكرته. بعد بضعة كيلومترات رأينا سيارة لاندروفر قبالتنا فتوقفت عندما مرت بجانبنا وتوقف موري أيضاً. خرجنا من السيارة وشاهدنا في السيارة الأخرى الصحافية البريطانية كريستيان أمانبور مع اثنين من فريقها كانت وقتها مراسلة لقناة “سي أن أن”، وكان موري يعرفها، وبعد تبادل التحية أكدت أننا نسير في الطريق الصحيح الذي كانت تعود منه إلى تركيا بعد انتهاء مهمتها في كردستان. 

إقرأوا أيضاً:

أعود إلى الحديث عن انسحاب القوات العراقية من دهوك، وكيف أجبرتها قوات التحالف على ذلك نقلاً عن شهود في المنطقة. في البداية، رفضت القوات العراقية طلب التحالف بالانسحاب واستمرت في تحرشاتها بالبيشمركة والسكان المدنيين. فجأة حلقت طائرة هليكوبتر أميركية فوق موقع نصبت فيه القوات العراقية مدفعاً وهبطت إلى ارتفاع قريب منه ومدت أسلاكاً متينة إلى الأرض ومعها هبط جنود وربطوا المدفع بالحبال، ثم عادوا إلى الطائرة التي رفعت المدفع إلى مسافة عالية ثم رمته على الأرض ليصطدم بها ويتهشم. القوات العراقية فهمت الرسالة وانسحبت فوراً. لكن الاحباط كان سيد الموقف في بقية مدن وبلدات كردستان حيث شعر الناس بالخوف نتيجة لعودة القوات والاجهزة العراقية بعدما تمتعوا بالحرية لأسابيع قليلة. وبينما شعر سكان الملاذ في زاخو ودهوك بالأمان في ظل قوات التحالف، الأمر الذي شجعهم على مهاجمة مراكز الشرطة ومقرات حزب البعث والأجهزة الأمنية العراقية، الا أن الأمر كان مختلفاً وأكثر تعقيداً في المناطق الكردية الأخرى. في أربيل والسليمانية أعاد العراقيون أجهزتهم الأمنية والحزبية مع تعزيز الدفاع عنها. وكانت هناك تفاهمات بين المفاوضين الكرد والعراقيين على فرض الأمن والنظام في المدن الكردية التي عادت القوات العراقية الى السيطرة عليها. في الإطار اعتبارا من أيار/مايو تم تشكيل لجان مشتركة لهذا الغرض بين الجبهة الكردستانية والجيش والمحافظ والأجهزة الأمنية. لكن مع حلول حزيران/يونيو بدأت المشاكل في أربيل أولا بسبب عجز هذه اللجان عن السيطرة على السكان ما حمل الطرف العراقي على الطلب من الجبهة الكردستانية إرسال قوات من البيشمركة الى أربيل والسليمانية للمساعدة في فرض النظام، وكانت السلطات العراقية قد منعت دخول البيشمركة الى هاتين المدينتين حتى ذلك الوقت. وكان الطرف العراقي قد طلب من المفاوضين الكرد في بغداد العمل على فرض النظام في المدن الكردية، وإثر ذلك تلقت قيادة الجبهة الكردستاني رسائل من المفاوضين بمساعدة القوات العراقية. لكن السكان والأرجح غالبية قياداتهم السياسية لم يكونوا مرتاحين الى وجود القوات والاجهزة العراقية التي كانت سببا في معاناتهم ومآسيهم. لذلك كان السكان يتحرشون بعناصر الاجهزة العراقية وخلق المشكلات لها بمختلف الأساليب، واستمر ذلك إلى أن قررت بغداد في النهاية الانسحاب الكامل من كردستان لتعود مجدداً إلى حماية قوات البيشمركة.

مواجهات مع الجيش

لم يقتصر الأمر على “انتفاضة” السكان بل تعداه الى مواجهات عسكرية عنيفة أحياناً في مناطق عدة بين البيشمركة والجيش العراقي. القوات العراقية كانت تسعى إلى فرض سيطرتها وإجبار البيشمركة على إخلاء مواقعها التي اعتبرها الجيش تهديداً له. لكن في المقابل كان قادة ميدانيون للبيشمركة يبادرون بالهجوم على القوات العراقية لاجبارها على الانسحاب من بلدات وقرى ومواقع استراتيجية بالنسبة الى الكرد كلما شعروا ان هذه القوات هنا وهناك كانت ما تزال تعاني من انهيار معنويات جنودها وضباطها. في لقاءات عدة مع قادة ميدانيين معنيين استمعت الى تفاصيل دقيقة عن هذه المواجهات وكيف ان بعض هؤلاء القادة كانوا احيانا يتخذون قرارات على الأرض حتى من دون الرجوع إلى قيادتهم السياسية. أكتفي هنا بما رواه لنا القائد الميداني الراحل جبار فرمان في لقاء معه عن واحدة من أشد المعارك التي يعتبرها فرمان حاسمة بين قواته والفرقة المدرعة الثالثة في الجيش العراقي في مناطق تمتد من دربنديخان الى كفري وكلار، ونشبت في تشرين الأول/ أكتوبر 1991 قبل قرار بغداد الانسحاب من كردستان. معركة قال فرمان إنه واصلها على الرغم من استياء بعض أعضاء قيادة حزبه، الاتحاد الوطني الكردستاني، لكن انتصاره فيها كان لاحقا سببا في تكريمه عبر انتخابه عضوا في المكتب السياسي في المؤتمر العام لحزبه في شباط 1992. يشار الى أن الاتحاد الوطني الكردستاني هو الأكثر نفوذا في هذه المناطق ومقاتلوه كانوا يشكلون غالبية قوات البيشمركة هناك.

انسحبت كافة القوات العراقية من كفري. لكن ماذا حدث للضباط الأسرى؟

بحسب فرمان تعتبر الفرقة المدرعة الثالثة من أشهر الفرق في الجيش العراقي وشاركت في 1967 الى جانب الجيش السوري في معارك الجولان “وحتى الاسرائيليون اعترفوا بدورها البارز في تلك المعارك”. تابع فرمان ان هذه الفرقة “كانت تحتل كفري وحاولت التقدم نحو بلدة سرقلعة لكننا تصدينا لها ودحرنا اثنين من ألويتها المتقدمة وألحقنا بهما خسائر فادحة (…) وكنا وقّعنا سابقا اتفاقا مع اللواء الركن محمود فيزي الهزاع قائد الفيلق الأول (سجن لاحقا بعد 2003 وتوفي في السجن) ألزم كافة القوات العراقية بالانسحاب الى مواقعها السابقة (…) كنا أسرنا عددا كبيرا من القوات وكان يتعين علينا تسليمهم الى الطرف العراقي لكن هناك اتفاق خاص بيني ومام جلال على إطلاق الجنود من دون الضباط وتسليمهم الى الجيش (…) في النهاية كان يفترض أن أوقع مع القائد العراقي اتفاقا على وقف النار، لكنني أصررت على أن قواته يجب ان تنسحب من كفري قبل أن أوقع. في النهاية وبعد اتصالات مع قادة أعلى في بغداد انسحبت كافة القوات العراقية من كفري”. لكن ماذا حدث للضباط الأسرى؟ يقول فرمان انهم “نقلوا الى السليمانية وعوملوا باحترام وانسانية وأقاموا في فنادق محروسة وسمحنا لعائلاتهم بزيارتهم وفي احدى المرات أخليت بيتي في السليمانية لأحد الضباط حيث زارته زوجته وأمضت معه بضعة أيام. دفعني الى ذلك تفهمي لوضعه وهو في الأسر لأنني كنت أمضيت أربع سنوات في سجن عراقي وأعرف ماذا تعني العزلة والبقاء بعيدا من العائلة (…) لاحقا بعدما أطلقنا هؤلاء الضباط علمنا ان اللواء الركن الهزاع جمعهم في كركوك وطلب منهم أن يتحدثوا عن معاناتهم في الأسر. في البداية، تردد الضباط في الحديث لكنهم بالتدريج انطلقوا في الحديث وأكدو لقائدهم حسن معاملتهم وأشادوا تحديداً بموقفي تجاههم. أحد الحاضرين ذكر لنا لاحقاً أن الهزاع هز رأسه وقال: “أليس غريباً أننا كعسكريين مجتمعين في هذا المكان ونشيد بحمّال من أهل خانقين؟” (جبار فرمان – أربيل في 20/7/1993). يُشار الى أن فرمان كان من أهالي خانقين وأكمل معهداً لإعداد المعلمين وعمل معلماً في إحدى المدارس الابتدائية وفي مطلع السبعينات، دخل إلى الجامعة في قسم الفيزياء، لكنه سرعان ما ترك الدراسة للانضمام الى البيشمركة في الجبال.

لم تكن معركة كفري الوحيدة بل إن معارك أخرى وقعت في تلك الفترة في مناطق مختلفة بين البيشمركة والجيش العراقي، فيما استمرت “تحرشات” السكان الكرد بعناصر القوات العسكرية وأجهزة الشرطة والأمن، إلى أن انسحب العراقيون من كردستان، وبعدما انهارت المفاوضات مع بغداد، الأمر الذي مهد الطريق لإجراء أول انتخابات برلمانية كردية خارج سيطرة السلطة المركزية وتحويل الملاذ الآمن إلى إقليم كردستان. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
6 سنوات مرت على غياب محمد الصنوي عن منزله وزوجته وأطفاله مذ اختطفته “جماعة أنصار الله” الحوثية. أسرة الصنوي أنموذج للكثير من أسر المختطفين والمخفيين في سجون جماعة أنصار الله، والذين لا يُعرف مصيرهم وحقيقة التهم الموجهة إليهم وإن ما زالوا أحياء أم لقوا حتفهم.

2:26

Play Video
كيف يعالج الصحفيون الأردنيون المواضيع المتصلة بالأسرة الهاشمية الملكية مع محاذير النشر القائمة ومن أين يستقون معلوماتهم ومصادرهم من دون خطر التعرّض للقمع والملاحقة؟ وهل يمكن اعتماد تطبيق كلوب هاوس مساحة آمنة ومهنية لتبادل المعلومات في العمل الصحافي؟الامير حمزة

34:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني