آل الأسد: أجيال جديدة للسطو والفساد

يبدو أن النظام رسم طرق التجارة الجزئية لأبناء العائلة بما يخص كل البضائع التي تأتي من طريق عمليات التهريب، وأولاد العمومة يعطون الإتاوة لفرد واحد كشريك في الأرباح وهو ماهر الأسد.

حين وصل بشار الأسد إلى السلطة عام 2000، ذاعت بين السوريين مقولات بأن الرئيس الشاب سيعمد هو وشقيقه ماهر إلى الحد من نفوذ أولاد عمومهم الذين ذاع صيتهم خلال حقبة الأسد الأب، بحيث كانوا يمارسون سطوة ونفوذاً أمنياً ومالياً داخل مناطق الساحل، حيث عمق الحاضنة الشعبية لآل الأسد.

تكرّس خلال الثمانينات والتسيعينات دور مافيوي لنافذي عائلة الأسد خصوصاً أبناء جميل الأسد وهو الشقيق الأوسط لحافظ الأسد. شاع في عهدهم الاعتداء على الناس ونشطت قوافل التهريب والبلطجة، مستفيدين من سطوة العائلة الحاكمة فبثوا الرعب في الساحل وسيروا فساداً منظماً على مرأى من الجميع، بدءاً من الرياضة إلى الاقتصاد، إلى كل ما تمكن استباحته. في هذا اشتهر فواز الأسد، وهلال الأسد، ومنذر الأسد، وغيرهم بوصفهم بعض من مؤسسي اقتصاد “التشبيح” الذي نشأ وكبر خلال رئاسة حافظ الأسد كإحدى أدوات سلطته التي بناها خارج المؤسسات الرسمية وأورثها لأبنائه.

ولكن ما لم يتغير بوصول بشار، هو الإبقاء على اقتصاد الفساد العائلي والتهريب، بل أسست الأجيال الجديدة أيضاً لأعمال اقتصادية أكثر وضوحاً، كامتلاك العقارات الضخمة وحماية متاجرهم من ضرائب الدولة وأعوانها، وهنا سير بعض من أبناء العائلة.

منذ عام 2014 كبر جيل جديد من آل الأسد؛ أبناء أولاد العمومة، ومن يكون كبيراً من أبناء العائلة يصل إلى السابعة عشرة مثلاً، فيشكل ميليشيات صغيرة، أو عصابة مسلحة، ويخرج إلى شوارع الساحل ومناطقه عابثاً مستنداً إلى سطوة العائلة ومخابراتها.

منذ ما قبل بداية الثورة عام 2011، ساد في المجتمع الأهلي في الساحل، حيث الثقل العلوي لحكم آل الأسد، نفور من ممارسات أولاد عم الرئيس وأقربائه لجهة بطشهم وفسادهم، إلا أن هذا النفور انقلب تعاطفاً حين قاد أولاد العم عملية توزيع السلاح في مناطق العلويين بدواعي الحماية من “الإرهابيين” ومواجهة مخططات “المخربين” على حد ما كان يتم ترديده. استطاع أولاد عم الرئيس استغلال تعاطف البيئة المحلية مع النظام ليتقربوا من العلويين عموماً، فعمليات التسليح وتوزيع المعونات وغيرها من الأعمال استمرت إلى وقت طويل، ولا سيما مع اشتداد المعارك وتحول الثورة إلى شكلها المسلح. إلا أن حجم التدخلات الدولية وتغير شكل الصراع الدائم في سوريا جعلا دور أبناء العمومة هامشياً، تحديداً مع تجاهل مقتل القائد العسكري وابن عم الرئيس هلال الأسد عام 2014 في معارك مع مسلحي المعارضة. حينها لم يقم بشار الأسد بزيارة أهل القتيل أو تقديم العزاء، ما خلق صراعاً مع أولاد عمومته، انتهى بالتحقيق مع منذر ودريد رفعت الأسد بعد محاصرة بيتهما واقتيادهما إلى دمشق.

من كل هذا، نتج تغير في منهج العمل؛ فالعائلة تعددت أجيالها والأحفاد كبروا، فماذا مثل لأبناء الساحل أبناء الأسد الشبان؟

حافظ منذر الأسد

بعد تاريخ طويل للأب في عمليات التهريب والسطو، وقيادته أكبر عمليات الخطف التي شهدتها البلاد، فتح الابن فصلاً جديداً في عمليات التهريب والسيطرة الاقتصادية. فحافظ منذر الأسد يسيطر على تجارة الموز، عبر تهريبه من لبنان إضافة إلى ثمار الأناناس والأفوكادو. التقينا مع مجموعة من تجار الموز والفاكهة الاستوائية، الذين سبق أن اعتقلتهم ميليشيات آل الأسد وعذّبتهم؛ لمنعهم من الإقدام على استيراد الموز أو غيره بالسبل القانونية. فمنذ عام 2017، سيطر حافظ الأسد على تجارة الموز الصومالي تحديداً؛ المهرَّب من بيروت والفاكهة الاستوائية في كل الساحل السوري. وبحسب تجار سوق الهال في الساحل، يمنع بيع الموز من دون أن يضع حافظ منذر الأسد تسعيرة يومية له.

التقينا بتاجر خُطف لمدة أسبوعين جراء كسره قواعد شراء الموز وبيعه، بعدما قام حافظ بمهاجمة متجره وسط النهار واقتياده مكبلاً.  ويقاسمه اليوم تجارة الموز قادة من الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد؛ هذه الفرقة التي أنشأت حديثاً مكتباً اقتصادياً يوسّع أعماله تدريجاً، ويحاول السيطرة على طرق التهريب من الجانب اللبناني وضبطها. لهذا السبب استهدفت الفرقة الرابعة في الخامس من شهر حزيران/ يونيو 2019 منطقة حافظ منذر الأسد داخل المرفأ، التي كان يسيطر عليها بصورة كاملة، ومن خلالها يقوم باستيراد الألبسة الأوروبية المستعملة، التي أصبح مستوردها الوحيد، بعدما سجن كل تجار الألبسة الأوروبية، أو اشترط عليهم الدفع له مقابل السماح لهم بالعمل. كل سوق الساحل السوري للألبسة الأوروبية يتبع بشكل أو بآخر حماية حافظ منذر الأسد، فلا لجان التموين ولا مكتب الجمارك يجرؤان على الدخول إلى متجر ألبسة أوروبية، لأنها تابعة بشكل أو بآخر لحماية حافظ منذر الأسد. تتسع أعمال حافظ باطراد، وعلاقته بخطوط التهريب اللبنانية جعلته يتمتع بقوة اقتصادية هائلة واحتكارية. فكل منتج لبناني يدخل إلى سوريا، أو ما يستورده لبنان ويدخل إلى سوريا، يخضع لسلطته ومكتبه الاقتصادي. 

عام 2020 تنامى ضد حافظ منذر الأسد عداء من أجهزة النظام وتحديداً من مكاتب الفرقة الرابعة، التابعة لماهر الأسد. فأغلق ماهر الأسد منطقته في مرفأ اللاذقية، وأجبره على دفع ما يُسمى في سوريا “عملية الترفيق”، والترفيق شبكة من الضرائب غير المؤسسة، تنظمها الفرقة الرابعة على كل الأعمال التجارية. فنقل المهربات يحتاج إلى دفع ضرائب لحواجز الفرقة الرابعة. ونقل البضائع أيضاً يحتاج إلى دفع مبلغ لكل سيارة. هنا دخلت الرابعة في صراع مع عمليات التهريب التي يشرف عليها حافظ الأسد لكنها لم تثنه عنها، بل قاسمته إيّاها بشكل أو  بآخر. وتشاع أقاويل عن أن حصار الفرقة الرابعة للطرق سيتجاوز قدرة حافظ منذر الأسد على التحمّل. لكن أعماله حتى الآن تشمل تجارة الموز والكستناء والأفوكادو مستلزمات الدخان والملبوسات الأوروبية المستعملة.

إقرأوا أيضاً:

بشار طلال الأسد

يفتح بشار طلال الأسد فصلاً جديداً لجيل آل الأسد من الشباب، فاختصاصاته المهنية ابتدأت بالخطف، وفرض الإتاوات على التجار. وهو مشهور أيضاً ببيع الحشيش بصورة نشطة. وأنشأ بشار وهو في سن صغيرة ميليشيات «الحارث»، وهي لم تشهد عمليات قتالية، بل اكتفت بترويع الشباب والرجال خصوصاً العلويين، في مناطق ريف جبلة وجبلة وريف القرداحة. إتاوات بشار طلال الأسد مباشرة وذكية، فهو يأخذ ولا يدفع لأحد. لا أحد يجرؤ على طلب ورقة حساب منه. وهذا سلوك عام لدى الأعمام والأبناء من آل الأسد؛ “يصنعون مكاتبهم وأثاث بيوتهم ويدفعون لمرة واحدة فقط أو مرتين”، نقلاً عن مهندس مشهور التقيناه. وآل الأسد يتنافسون في الحصول على تصميماته. وذكر لنا المهندس أن أثاث البيوت أيضاً لا يُدفع ثمنها، والعمال بالكاد يحصلون على الأموال من بشار طلال الأسد الذي يبني قصوراً أو بيوتاً جديدة بين حين وآخر.  الجدير بالذكر أننا التقينا مؤرخاً وخبير آثار شاب، وقد أشار إلى أن بشار طلال الأسد يعمل في تجارة الآثار أيضاً. حيث طلب منه مرّات عدة تقييم بعض الآثار المكتشفة في ريفي اللاذقية وجبلة وتقدير قيمتها. ويتم تهريب الآثار إلى قبرص غالباً. العمل في الآثار وتهريبها منذ حكم الأسد الأب، احتكره أبناء آل الأسد. أخبرنا خبير الآثار أنه لا يمكن رفض طلب لبشار طلال الأسد؛ فالميليشيات تحرص على توسيع عملية نقل الآثار وتهريبها. ويصل مد قوة بشار طلال الأسد في عمليات التنقيب عن الآثار إلى بعض مناطق التي تسيطر عليها المعارضة أيضاً. وحينما سألنا الخبير عن طبيعة المقتنيات التي حصل عليها بشار وهرّبها، أشار إلى بعض الأحواض الرومانية، والمقتنيات النحاسية والذهبية التي تعود إلى الزمن الروماني في اللاذقية. وتتعاون جهات مختلفة لتهريب الآثار، لكن جميعها يمرّ عبر أبناء آل الأسد. في سوريا تتجاهل الجهات الرسمية الآثار أصلاً، ولا تخضع تجارتها لأي مراقبة. 

يُمنع بشار طلال الأسد من الدخول إلى اللاذقية وذلك على خلفية صراع مع أتباع حزب البعث الذين انتقدوا سلوكه في ريف القرداحة، وهدد منذ أعوام بتفجير ضريح الرئيس حافظ الأسد، فأتت قوات من دمشق لمحاصرته من دون إلقاء القبض عليه. ويتصف بشار طلال الأسد بالقسوة والسادية.

يعمل بشار طلال الأسد في قسم الحماية أيضاً، أي حماية متاجر تملك مواد مهربة كالمشروب والدخان والبضائع التركية وغيرها، ويكتفي التجار بدفع إتاوة أو يفتحون المحل باسم بشار طلال الأسد، وهو بدوره يدعمها بالبضائع. ويشتهر بشار طلال الأسد بالتهريب من تركيا إلى سوريا، وهذه من أعظم الكبائر عند النظام السوري، الذي يلاحق البضائع التركية، ويفرض عقوبات اقتصادية كبيرة في حال وجودت في أيّ متجر، إلا أن مستودعات بشار طلال الأسد تمتلئ بها ويوزعها بخبرته داخل البلاد من دون أي خوف.

ويدخل بشار في صراع مع منظومة السلطة كلها وفي وجهها من دون أي رادع أو خوف. وقد أشاع بشار انتقادات هائلة لبشار الأسد الرئيس الحاكم وأخيه ماهر. وهاجم الرئيس أمام الناس في القرداحة من دون أي خوف. وهو نفسه أسقط صورة الرئيس الأسد أمام الكثير من العلويين في الوقت نفسه الذي هدد فيه بتفجير الضريح. المفارقة أن آل الأسد من الجيل الثاني دفعوا بيسار الأسد، وهو الأخ الأكبر لطلال، الذي يعدّ من أسوأ الشبيحة القتلة في الساحل،  للسيطرة على بشار وتهدئته؛ حتى لا يقوم الأخير بتفجير الضريح! وأطلق على هذا التدخل في مدينة اللاذقية، اسم «تدخل الحكماء». أخبرنا بهذا رئيس اللجنة الأمنية لحزب البعث العربي الاشتراكي لأحد قطاعات الريف في اللاذقية. والجدير بالذكر أن الروس حاولوا أيضاً التدخل من أجل انتزاع الصواريخ محلية الصنع التي يملكها بشار طلال الأسد، وقد بدأ بتصنيعها لتحدي النظام إذا ما حاول القبض عليه.

حيدرة فواز الأسد

ابن فواز الأسد، وهو أحد أكثر الرموز تشبيحاً وهرجاً ومرجاً، كان فواز في الساحل السوريّ من أكثر الشخصيات المرعبة، ذات المواقف الشرسة والهزلية في آن واحد. أعماله تخصصت في التهريب، وتأجير السيارات التي يملكها لتقود أكبر عمليات التهريب بين لبنان وسوريا. جمع فواز الأسد ثروة كبيرة تقدر بالمليارات، استثمرها عقارياً، كما يمتلك كازية «حيدرة»، وعقارات كبيرة. واشتهر فواز الأسد بأنه في زمن حافظ الأسد قد أشعل اللاذقية بالرصاص لحصوله على أول مليون دولار، فأجبر اللاذقية كلها آنذاك على الاحتفال بعد إخافتها بالاحتفالات النارية.

مع وفاة فواز الأسد عام 2015 استلم ابنه حيدرة مسؤولية الأعمال، كتأجير العقارات التي يملكها أبوه، وحماية المتاجر، ذلك كان عمل آل الأسد الأكثر التصاقاً بهم. ويحمي حيدرة الأسد مئات المحلات من رقابة الدولة، وقد اعتدى حيدرة مع المسلحين المرافقين له على لجان التموين والجمارك التي حاولت إغلاق بعض المتاجر التي يحميها. وأشار لنا بائع قهوة من محافظة حلب يعمل في اللاذقية، إلى أنه يدفع لحيدرة الأسد مبلغاً شهرياً، كيلا يدفع حتى الكهرباء والماء للدولة. ويستطيع من خلاله أن يبيع ويشتري بأسعار منافسة، بعد توفيره مبالغ كبيرة مترتبة عليه يُنجيه منها حيدرة الأسد. إلا أن تطوراً تجارياً هائلاً حققه حيدرة في الأشهر الأخيرة، حيث قام بافتتاح سلسلة متاجر «برافو»؛ تشبه باتساعها ووفرة بضائعها وتنوعها، المولات الكُبرى. وتتمتع السلسلة بتنوع البضائع، ولا سيّما الأجنبية منها. ويطلق أهل اللاذقية عن السلسلة اسم «بيروت الصغرى»، لأنها تشبه الأسواق اللبنانية؛ لناحية أنواع الأجبان والمشروبات والشوكولاتة الأجنبية التي لا توجد عادةً إلا في لبنان، ويمنع استيرادها في سوريا، بعدما وضع النظام قائمة البضائع المستوردة المسموح بها وأزال منها ما سماه «الكماليات». إلا أن حيدرة عبر طرق التهريب جعل سلسلة «برافو» عبارة عن ساحة تجارة أوروبية، وبأسعار تنافس أي متجر آخر يبيع المواد المهربة. 

ما لم يتغير بوصول بشار، هو الإبقاء على اقتصاد الفساد العائلي والتهريب، بل أسست الأجيال الجديدة أيضاً لأعمال اقتصادية أكثر وضوحاً، كامتلاك العقارات الضخمة وحماية متاجرهم من ضرائب الدولة وأعوانها، وهنا سير بعض من أبناء العائلة.

بالتزامن مع افتتاح الفرع الثالث للسلسة، قامت لجان جمارك آتية من دمشق، بمحاسبة جميع المتاجر التي تملك مواد مهربة باستثناء السلسلة. أغلقت عشرات المتاجر التقليدية في مدينة اللاذقية، بما فيها محلات المشروبات الكحولية التي تحصل على بضائع من آل الأسد نفسهم، أو تدفع إتاوات لهم لبيع المواد المهربة؛ ما أشعل حرباً بين أبناء العمومة. لجان الجمارك ألزمت متاجر اللاذقية بدفع ملايين الليرات السورية لغض النظر عنهم. ويُشار إلى أن آل الأسد هم المسؤولون الوحيدون عن كل المواد المهربة في سوريا، إلا أن ميلاً لدى النظام إلى معاقبة أي مسؤول عسكري أو أمني يحاول العبث أو حماية المتاجر التي تبيع المواد المهربة، من أجل حصرها ضمن عائلة الأسد فقط. 

سُجن في مدينة اللاذقية 32 تاجراً بسبب بيع المواد المهربة، وبعد اللجوء إلى المنظمة الأمنية المسؤولة عن القبض على الضحايا، أشاروا إلى علاقات مع كبار مسؤولي النظام من أجل تنظيم عملياتهم التجارية. وحين قابلنا أحد هؤلاء الضحايا، أخبرنا بأنّه دفع عشرة ملايين ليرة سورية، ليخرج من السجن. كما قال لنا إنه يدفع إتاوة بنصف مليون ليرة سورية لحمايته من الجمارك.

يبدو أن النظام رسم طرق التجارة الجزئية لأبناء العائلة بما يخص كل البضائع التي تأتي من طريق عمليات التهريب، وأولاد العمومة يعطون الإتاوة لفرد واحد كشريك في الأرباح وهو ماهر الأسد. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي نور الدين – صحافي لبناني
كل ما يحصل اليوم على مستوى توجيه أصابع الاتهام إلى خفايا السوق الموازية والتطبيقات الإلكترونيّة، لا يعكس سوى تهرّب حاكم مصرف لبنان من مسؤوليّته تجاه الأزمة وفوضى أسعار الصرف.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني