صراع العروش في ممالك الشرق وجمهورياته

في عصر الانحطاط الطاغي الذي نعيشه في المنطقة العربية تعلي الجمهوريات والأنظمة الملكية والأميرية، كلها تقريباً، من قيمة الدم والقرابة والعصبية مقابل الكفاءة والحرية والمشاركة السياسية.

“ولسوف يكبر عبدالله ويترعرع في صفوفكم وبين إخوته وأخواته من أبنائكم… سيعرف عبدالله كيف سيكون مثل أبيه الخادم المخلص لهذه الأسرة والجندي الأمين في جيش العروبة والإسلام”.

جملة وردت في خطاب متلفز كان ألقاه الملك الراحل حسين بن طلال في أواسط الستينات من القرن الماضي، وكان حينها ابنه الملك الحالي عبدالله الثاني فتى يافعاً. من فضائل “يوتيوب” أنه بنقرات سريعة يعرض لنا أرشيفاً غنياً، بل يمكنه رفدنا بمشاهد تظهر مفارقاتها في لحظات كالتي يعيشها الأردن اليوم. 

ففيديو الملك حسين مثلاً عُرض في احتفال رسمي في عمان عام 2019. ووسط العتمة ظهر الملك عبدالله يشاهد بتأثر والده الراحل يخاطبه من شاشة عملاقة. بعدها استمع إلى ولي عهده ابنه الأمير الشاب حسين بن عبدالله يخاطبه بـ”أبي ومليكي، حملت إرث أبيك وسرت على خطاه فكما كان جدي الحسين كنت أنت قائداً معطاء. كنت لنا قدوة الخلق الهاشمي…”.

على هذا المنوال تبدو في الصورة الرسمية علاقات الأنسال الملكية بوصفها نقاء وإخلاصاً كاملين للأسرة وللوطن ويكون الشعب فيها متفرجاً فخوراً مغتبطاً بالآباء والأبناء والأشقاء. 

وفعلاً، كثيراً ما تنجح تلك الأدبيات خصوصاً إذا ما اقترنت بمنظومة علاقات عشائرية ومناطقية لها امتدادات دولية في رسم واقع يراه كثيرون “استقراراً” وإرثاً سياسياً وتاريخياً ملازماً للهوية الوطنية، كما هو حال الأسرة الهاشمية التي لها جذورها على امتداد المنطقة. 

هذه هي الصورة الثابتة والتي دأب الحكام على تظهيرها وكرّس الإعلام والسياسيون روايتها بوصفها حقيقة ثابتة لا لبس فيها، والأهم أن لا بديل عنها. لكن المشهدية “المثالية” التي يتكرر استنساخها في سلالات الأسر الحاكمة، كثيراً ما تتصدع بفعل وقائع تخرق النقاء المصنوع هذا وترده بشكل صادم أحياناً إلى واقعيته الفجة. هذا تماماً ما حصل في الأيام الأخيرة، فقد اهتز الأردن تحت وقع “مؤامرة” مفترضة المتهم الرئيس فيها هو الأمير حمزة الأخ غير الشقيق للملك عبد الله، والذي كان ولي عهده بعدما نصبه والده قبيل رحيله عام 1999، لكن عاد الملك عبدالله وأعفاه من منصبه ليعين نجله حسين عام 2004.

النقاء المفترض بين الإخوة والأبناء المنحدرين من السلالة الهاشمية، والذي وثقته صور وسنوات من خطابات المثالية المزعومة، انكشف في لحظة واحدة عن اشتباك هائل في المصالح وعن مرارات كبرى يمكن اختصارها بكلمة واحدة، الصراع على الحكم.

فجأة بات الأمير حمزة قيد الإقامة الجبرية وممنوعاً عن الإعلام وعن الانترنت، وصور الاستقرار المكرسة رسمياً وإعلامياً تصدعت بفعل الكلام والتسريبات كالشريط الذي تسرب عن المحادثة المتوترة التي وقعت بينه وبين ومسؤول جهاز الأمن الذي طلب من الأمير البقاء في منزله وعدم الخروج والاختلاط.

تمّ حظر النشر في المسألة ومنع التداول فيها حتى عبر السوشيال ميديا.

سبق أن اهتز الأردن عام 2019 على وقع فرار الأميرة هيا أخت الملك عبدالله وزوجة حاكم دبي محمد بن راشد مع طفليها إلى بريطانيا، حيث رفعت دعوى قضائية تطلب فيها الحماية لها ولولديها. قضيتها كشفت مستوراً لا يتم الحديث عنه إلا تسريباً أو عبر صحافة غربية كحادثة اختفاء ابنتين للشيخ زايد هما شمسة ولطيفة.

قضية الأميرة هيا التي كانت تعتبر مفضلة أبيها الملك حسين، قوبلت بصمت مدوٍ على المستوى الرسمي في الأردن، بل هي لم تأت إلى المملكة منذ فرارها واكتفى الملك عبدالله بزيارة رسمية إلى الإمارات بعد أيام من الحادثة في زيارة هدفت كما أشيع إلى احتواء الأمر. 

إقرأوا أيضاً:

عروش من ورق

ليس الأردن وحده الذي شهد تصدعاً بين الإخوة وصراعاً داخل الأسرة في سبيل السلطة، بصرف النظر عن الشعارات التي تغلف ما يحصل من نوع “استقرار الوطن” و”مؤامرات خارجية” وهي العبارات التي اختُزل عبرها المشهد الأردني. صحيح أن احتمالات التدخل الخارجي ومصالح أقطاب إقليمية أمر وازن، لكن بالنظر إلى الاهتزازات الكبرى التي شهدتها ملكيات وأسر عربية حاكمة سنجد مشهداً واحداً يتكرر، وهو السعي الحثيث إلى تثبيت الحكم، ففي منطقتنا التي تشهد أسوأ الحروب والأزمات، تستطيع الأنظمة غير الديموقراطية أن تصمد في مواجهة تقلبات كثيرة، ما دامت جيوشها وأجهزتها الأمنية ممسوكة، وما دام الحكم مضبوطاً بدائرة القرابة والدم والمصلحة. 

السعودية وقطر… 

المشهد الأقرب للذاكرة قبيل الحدث الأردني ما حصل في السعودية قبل سنوات قليلة، تحديداً عام 2017 حينما أطاح ولي العهد الحالي محمد بن سلمان بابن عمّه محمد بن نايف الذي كان آنذاك ولياً للعهد ووزيراً للداخلية. 

سبق أن اهتز العرش السعودي عند اغتيال الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1975 على يد ابن شقيقه فيصل بن مساعد بن عبد العزيز في واحدة من حلقات الصراع العائلي. كان ذلك الاغتيال درساً بليغاً تم تداركه في صوغ العلاقات داخل الأسرة الحاكمة في السعودية. ويبدو أن الأمير محمد بن سلمان أدرك جيداً تاريخ عائلته وواقعها، فنفوذ الأمير الصاعد دفع لأن يمحضه معظم أعضاء مجلس البيعة في آل سعود الولاء وبالتالي، حين يترك الملك سلمان السلطة، يُصبح هو بلا منازع ملكاً. لقد استعدى محمد بن سلمان الكثير من الأمراء، لكنه لم يُواجه أي مقاومة منظّمة تُذكر في العائلة حين اتخذ خطواته الحاسمة نحو ارتقاء العرش. بالطبع، لا أحد يعرف تماماً ماذا يحصل داخل العائلة، لكن يبدو أن لحظة المجاهرة بمعارضته ولّت، بخاصة الآن بعدما سيطر الرجل على كل مفاتيح قطاعات الأمن والإعلام والمال في الدولة، وثبت موقعه كرجل قاس ودموي إذا استلزم الأمر لتثبيت حكمه. لكن في المشهد العام، لن يبارح الذاكرة مشهد زيارة بن سلمان ابن عمه نايف وانحنائه له وتقبيله يده فيما هو يزيحه من المشهد تماماً ويعمق نفوذه. كذلك ستبقى وقائع ما حصل مع الأمراء في فندق “الريتز” من تحقيقات وضرب رهن التسريبات للصحافة الغربية حصراً، أما المشهد المحلي فسيبقى كلاماً معسولاً وعبارات الولاء التام للأمير الشاب وللوطن.

في محيط السعودية ممالك ودول شهدت صراعات عائلية لا تقل دراماتيكية، فمشهد ولي العهد القطري حمد بن خليفة آل ثاني يقسم الولاء لوالده في عرض عسكري يقول فيه: “أجدد العهد لسموكم باسم القوات الباسلة التي شرفتموني بقيادتها أن احافظ على أمانة السلاح الذي بأيدينا…”، لكن الابن الذي أطلق هذا القسم، انقلب عليه عام 1995 حين كان والده خليفة يغادر البلاد في رحلة إلى الخارج، فنفذ انقلاباً أطاح به. حاول الأمير (الأب) المخلوع استرجاع الحكم بانقلاب مضاد، فيما أعاد الأمير حمد ترتيب الحكم ليعيد تسليمه إلى نجله تميم عام 2013. 

الأمثلة لا تنتهي عند محاولات الاستئثار بالحكم على قاعدة الولاء العائلي، ففي عصر الانحطاط الطاغي الذي نعيشه في المنطقة العربية تعلي الجمهوريات والأنظمة الملكية والأميرية، كلها تقريباً، من قيمة الدم والقرابة والعصبية مقابل الكفاءة والحرية والمشاركة السياسية. وهنا تتساوى الدول الغنية وتلك الفقيرة لجهة ترسيخ نظم القرابة، فلا يعود المواطن يتواصل مع محيطه ومجتمعه، إلا عبر وساطة الملك أو الأمير أو الحاكم وابنائه.

اللوثة هذه لا تنحصر بالملكيات والإمارات، فقد فعلها حافظ الأسد بتوريثه ابنه بشّار، كما حاول صدّام حسين توريث ابنه عديّ، ومعمّر القذّافي توريث سيف، وحسني مبارك بتوريث جمال، وعلي عبد الله صالح بتوريث أحمد. المحاولات لم تتوقف وحال دون اكتمالها إما سقوط النظام أو موت الحاكم.

بالعودة إلى الاهتزازة الأردنية، فيبدو أنها طويت، ظاهرياً على الأقل، بوساطة العم الأمير حسن الذي كان هو بدوره ولياً للعهد قبل أن يزيحه الملك حسين لمصلحة ابنه عبدالله قبيل وفاته بأيام، وهو اليوم يمارس دوره في تأمين استمرار منظومة الحكم كما يريدها الملك الحالي. ويجري حالياً الترويج الإعلامي الرسمي للمشهد النقي المفتعل اياه بشأن “استقرار الوطن” وتراث “العائلة الهاشمية”، في حين يملأ الأردنيون فضاءات “كلوب هاوس” نقاشات ساخنة حول ما حصل وسط شعور عارم بالمرارة في قضية يفترض أنها في صلب حقوق المواطنة، أي أن يعرف المواطن ماذا يحصل على مستوى الحكم وإن كان هناك خونة وعملاء فمن هم وما هي خططهم، والأهم أين مسار القضاء والعدالة في كل هذا؟

صراعات العروش وتصدعات الأسر الحاكمة مشهد يختلط فيه الدرامي بالسياسي وهو مادة عصية على التناول المباشر والشفاف، وإلا لكنا رأينا مسلسل The Crown، بصيغه العربية المتعددة على “نيتفلكس”. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي نور الدين – صحافي لبناني
كل ما يحصل اليوم على مستوى توجيه أصابع الاتهام إلى خفايا السوق الموازية والتطبيقات الإلكترونيّة، لا يعكس سوى تهرّب حاكم مصرف لبنان من مسؤوليّته تجاه الأزمة وفوضى أسعار الصرف.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني