fbpx

التعليم الإلكتروني في مخيمات اللاجئين السوريين
في لبنان: قصة أمل وصمود

"لقد أوجدت الأزمات المستمرة احتياجات مختلفة في مجتمع اللاجئين لا يمكن الوفاء بها fعن طريق التعليم فقط، كما أنها تمثل عائقاً أمام إتاحة التعليم وتهدد حقوق الأطفال وسبل حمايتهم".

البقاع، لبنان – أخذ محروس البالغ من العمر 48 سنة، على عاتقه مهمة تعلم اللغة الإنكليزية مع أبنائه ولذلك تعلم كيفية تثبيت تطبيق ترجمة واستخدامه ليتمكن من مساعدة أبنائه على حل الواجبات المنزلية لمادة اللغة الإنكليزية.

قال محروس بابتسامة مشرقة تبرز غمازاته، “يقول لي الناس إنني أكبر من أن أتعلم شيئاً جديداً ولكنني لا أتفق معهم. أريد أن أستغل الفرصة التي سنحت لي لتعلم اللغة الإنكليزية من خلال صفوف التعليم الإلكتروني التي تقدم إلى أبنائي”.

إذا سألت عمّن يستطيع مساعدتك في ما يتعلق بالقراءة أو الكتابة، فسيدلك أطفال المخيم على محروس.

ولد محروس عام 1973، في مدينة إدلب شمال غربي سوريا، وقد ترك المدرسة بعد الصف التاسع ليعمل من أجل المساندة في إعالة أسرته.

وحين امتدت الحرب في سوريا إلى إدلب اضطر محروس إلى اللجوء إلى لبنان في 2015.

“أما عن السبب الذي يدفعني إلى تعلم الإنكليزية فيتلخص في أن الحياة قد علمتني أن أنظر دوماً إلى الأمام، وأن أرى أثرها على المدى البعيد. عندما اندلعت الحرب في سوريا، أدركت بعد النزوح إلى لبنان أهمية إتقان اللغات للعثور على وظيفة جيدة. فقد كان يمكن أن أعثر على وظيفة أفضل تمكنني من إعالة عائلتي لو كنت متقناَ للغة الإنكليزية”، أوضح محروس.

ينظر محروس إلى التعليم على أنه استثمار ناجح لمستقبل أبنائه على المدى البعيد، على رغم ظروفهم الصعبة. وأضاف أنه على السوريين إعطاء الأولوية للتعليم والدفاع عن أنفسهم. ويتابع: “الوضع في سوريا  ليس آمناً. لا أعرف متى سنعود ولكن حتى ذلك الحين، أريد أن يتمكن السوريون من الدفاع عن أنفسهم حيثما كانوا”.

لبنان يواجه أزمات متتالية تهدد التعليم

يستضيف لبنان حوالى مليون ونصف المليون لاجئ، ويعد البلد الذي يضم أكبر عدد من اللاجئين في العالم، ومن ناحية أخرى، تواجه الدولة أزمة اقتصادية غير مسبوقة، وتعد الأسوأ على مر التاريخ منذ اندلاع الاحتجاجات المناهضة للحكومة عام 2019.

أدى تفشي الوباء إلى تفاقم وضع النظام المصرفي المنهار بالفعل، ما أدى إلى ارتفاع معدل التضخم ليزيد عن 80 في المئة متسبباً في خسارة المودعين مدخراتهم وإفلاس الأعمال التجارية واستنزاف الخدمات الحكومية والتحريض على الاحتجاجات في جميع أنحاء لبنان. تحذر تقارير مستفيضة من إمكان تعرض الدولة إلى مجاعة في الوقت الذي يعجز فيه 65 في المئة من سكانها عن الحصول على قوت يومهم.

عانى قطاع التعليم أيضاً من هذه الأزمة، إذ اضطرت مدارس ومنظمات غير حكومية معنية بالتعليم إلى إغلاق أبوابها بسبب الوباء، ما جعل فرص آلاف الأطفال في سن التعليم المدرسي يحصلون على فرص تعليم محدودة جداً أو منعدمة. 

بعد فرض الإغلاق للمرة الأولى في آذار/ مارس 2020، وجدت المنظمات غير الحكومية نفسها في سباق مع الوحش الكاسر المتمثل في الأزمة الاقتصادية التي تواجهها البلاد، بينما تسعى إلى إنقاذ ما تبقى من 35 في المئة من اللاجئين في سن الدراسة، قبل أن يضطروا إلى دخول سوق العمل كنتيجة لضعف نظام الإعالة.

ومن أجل بلوغ هذا الهدف، كانت “منظمة سوا للتنمية والإغاثة” أول منظمة غير حكومية تقوم بصياغة وتنفيذ نهج مختلط للتعلم من بعد في نيسان/ أبريل 2020 يعتمد على مقاطع فيديو يسجلها المعلمون وتُرسل إلى الأجهزة الموجودة في منازل الطلاب، إضافة إلى توزيع ملخصات ورقية للمواد الدراسية مثل اللغة العربية واللغة الإنكليزية والعلوم والرياضيات وأيضاً مواد للتوعية حول فايروس “كورونا” المستجد على منازل الطلاب أسبوعياً.

قال محمد حراكي (32 سنة)، مسؤول التنمية والتعلم في “سوا”، “كانت الملخصات في غاية الأهمية إذ ساعدت على رفع الوعي في مجتمع اللاجئين (بين الأطفال والأهل) حول كورونا وسبل الحد من انتشاره.”.

إقرأوا أيضاً:

التغيير الملموس بين الأهل بعد التحول الجلي إلى التعلم من بعد خلال هذا العام

يجلس محروس، بعد عودته من العمل، مع أبنائه الأربعة ليساعدهم في إنجاز واجباتهم المنزلية. ومن بين الأبناء، هناك رغد (13 سنة). “لم يكن لدي أي فكرة عما يتعلمه الأطفال عندما كانوا يذهبون إلى المدرسة”، هكذا أجاب محروس عندما سئل عن تجربة أطفاله مع التعلم من بعد، ثم أضاف، “أما الآن، فتمكنت أنا أيضاً من الدراسة مع أبنائي”.

ألقى التعليم المنزلي مسؤوليات جسيمة على عاتق الأهل. فعندما كان الأطفال يحضرون صفوفاً على أرض الواقع مع معلميهم، كانوا يتمكنون من طرح الأسئلة وطلب التوضيح بالمزيد من الأمثلة. أما الآن، فيعتمد الأطفال على والديهم بشكل أكبر للحصول على الدعم الأكاديمي. وعلى صعيد آخر، يمثل التعليم الإلكتروني لبعض الأهل اللاجئين، مثل محروس، فرصة كبيرة لاكتساب معارف جديدة وتعلم مهارات جديدة.

“لغتي الانكليزية ضعيفة”، هكذا أقر محروس. وبالتالي علَّم نفسه كيفية استخدام تطبيق الترجمة ليتمكن من التعلم مع أبنائه. وأضاف  ضاحكاً، “أجدد معارفي وأعزز مهاراتي في اللغة الإنكليزية. أنا وزوجتي متحمسان للملخصات أكثر من أبنائنا. أمزح أحياناً مع المعلمين بشأن حصولنا على ملخصات خاصة بنا إلى جانب ملخصات الأطفال”.

تعد حالة محروس للأسف حالة خاصة لأنه لا يزال محتفظاً بعمله. فقد أصبحت الحياة في لبنان في منتهى الصعوبة لدرجة أن تركيزه على التعليم أصبح غير واقعي، إذ أصبح من المستحيل اعتبار التعليم أولوية، في ظل الوضع الاقتصادي المستمر في التفاقم والخروج عن السيطرة.

تستمر الأزمات المتلاحقة في استنزاف قدرة اللاجئين السوريين على الصمود في أرجاء لبنان، إذ تمنعهم عقبات منيعة من المضي قدماً. وعلى رغم معاناة محروس أيضاً إلا أنه يرفض إخراج أبنائه من المدرسة مثلما فعل عدد كبير من جيرانه.

“لنفترض أن الجائحة سوف تستمر خمسة أعوام أخرى، ماذا أقول لأبنائي عندما يسألونني عن دراستهم؟”

“الوضع في سوريا  ليس آمناً. لا أعرف متى سنعود ولكن حتى ذلك الحين، أريد أن يتمكن السوريون من الدفاع عن أنفسهم حيثما كانوا”.

يعتبر الأب المثابر نفسه مسؤولاً عن دراسة أبنائه. وأضاف محروس أن تفاقم الازمة الاقتصادية عزز من مسؤوليته عن ضمان استمرار أبنائه في الدراسة، ومن ثم إيجاد طريقة للعمل لأجل ذلك.

تعرقل البنية التحتية المتواضعة للمخيم، وضعف شبكة الإنترنت وانقطاعات التيار الكهربائي غير المنتظمة ، وصول الطلاب إلى فصول التعليم الإكتروني بشكل ملائم إذ “يتطلب تحميل رسالة صوتية مدتها 30 ثانية من معلمهم عبر برنامج واتساب نحو 30 دقيقة”. الحل الوحيد أحياناً هو أن ينتهوا من واجباتهم المدرسية ليلاً عندما ينخفض استهلاك شبكة الإنترنت.  

يتمثل تحد آخر في افتقار عائلات اللاجئين إلى الهواتف، ما يعرقل وصول المواد التعليمية التي ترسلها المنظمات غير الحكومية للطلاب عبر شبكة الإنترنت. تمتلك غالبية اللاجئين هاتفاً واحداً لكل عائلة وعادة ما يكون مع الآباء أو الأمهات، ولا سيما إذا كانوا يعملون.

تعتبر عائلة محروس واحدة ضمن ثلاث عائلات في المخيم تمتلك هاتفين. يأخذ الأب هاتفاً معه إلى العمل، بينما يستخدم أبناؤه الهاتف الآخر لحضور صفوف التعليم الإلكتروني. كما أوضح محروس أن الهاتف المستخدم في التعليم الإلكتروني قديم للغاية ويعمل ببطء شديد، وأنه اضطر لتغيير بطاريته أربع مرات ليتمكن من استخدامه فحسب.

معالجة المشكلة الرئيسية

يمثل عدم الاستقرار الاقتصادي المشكلة الأساسية التي تعرقل حصول العائلات على التعليم. ولا تزال العائلات تلجأ إلى آليات تكيف سلبية في مواجهة تلك الضغوط، مثل إخراج أبنائهم من المدرسة أو تقليل عدد وجبات الطعام. وفي حالات أكثر حرجاً، يضطر الأطفال في سن الدراسة إلى العمل أو يتم تشجيعهم على الزواج المبكر.

قال محمد، “لقد أوجدت الأزمات المستمرة احتياجات مختلفة في مجتمع اللاجئين لا يمكن الوفاء بها من طريق التعليم فقط، كما أنها تمثل عائقاً أمام إتاحة التعليم وتهدد حقوق الأطفال وسبل حمايتهم”.

يحدثنا محمد عن حادثة حصلت في شهر آيار/ مايو ٢٠٢٠ تعكس آثار هذه التحديات على الطلاب. إذ لاحظ محمد تدنياً في مشاركة طالبين من طلابه أثناء جمع المعلومات من الملخصات الدراسية. لذا قام فريق التعليم بزيارة الشقيقين الغائبين والاطمنان عليهما, إذ يعتمد فريق التعليم هذه الزيارات لمتابعة حالات غياب الطلاب المطولة والتسرب من المدارس للبحث في طريقة لدعمهم ومساعدتهم إن أمكن. واتضح أن العائلة تواجه صعوبة في تسديد نفاقات العيش واضطر الشقياقان للعمل في ظل المخاوف من خسارة سكنهما, وفي غياب أي مكان يلحآن إليه, فقد كانا يبيعان العصائر في الطرق لدعم عائلتهما. 

ما زال الطريق طويلاً، على رغم الجهود المبذولة لإتاحة التعليم للاجئين السوريين. يصمم محروس، وعائلات أخرى كثيرة، على مواصلة التعليم، ما يجعلهم مدافعين عن مستقبل الأطفال ومستقبلهم، على رغم التحديات التي تواجههم.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

1:51

Play Video
عشِق المسرح والحرية ولُقّب بـ”رمز الانتفاضة”… من هو زكريا الزبيدي أحد الأربعة الذين عاودت إسرائيل اعتقالهم بعد الهرب من سجن جلبوع؟

2:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني