fbpx

السياسة الأردوغانية… التعديلات الدستورية كطريق للاستبداد في الحكم؟

تمكّن أردوغان وبهجلي من فرض دستورٍ جديد أو إجراء تعديلاتٍ في الدستور الحالي، هو بمثابة الفرصة الأخيرة التي من شأنها أن تساهم في منح حزب "العدالة والتنمية" ولاية رئاسية جديدة لرئيسه في الانتخابات المقبلة...


يبدو أن تركيا تتجه نحو مأزق داخليّ جديد مع إعلان رئيسها رجب طيب أردوغان الانسحاب من اتفاقية دولية تحمي النساء من العنف في بلاده، بالتزامن مع إلغاء البرلمان عضوية عمر جرجرلي أوغلو النائب عن حزب “الشعوب الديموقراطي” المؤيد للأكراد والمعروف بدفاعه عن حقوق الإنسان. وقد تلى إسقاط الحصانة النيابية عن جرجرلي أوغلو، رفع المدعي العام التركي دعوى قضائية طالب فيها بحظر حزب “الشعوب الديموقراطي” وتصنيفه جماعة “إرهابية” لصلاته المزعومة بحزب “العمال الكُردستاني”.

للمفارقة فإن الرئيس التركي انسحب من “اتفاقية اسطنبول” المعنية بحماية المرأة بعد أسابيع من إعلانه عن إجراء إصلاحاتٍ قضائية وأخرى دستورية “تكفل حماية الأفراد والجماعات” في بلاده، على رغم رفض أحزاب المعارضة والجمعيات والمنظمات النقابية، وعلى رأسها نقابة المحامين، تلك الخطوة. ولا يستبعد أردوغان فرضية وضعِ دستورٍ جديد للبلاد في ظل شبه العزلة الخارجية والأزمة الاقتصادية التي تواجهها أنقرة، ناهيك بالمشكلات الداخلية الأخرى، ومنها تظاهرات جامعة البوسفور وسوء تعامل المؤسسات الصحية في التعاطي مع قوة تفشي “كورونا” على أراضيها، إضافة إلى اندلاع التظاهرات النسوية على خلفية انسحاب الرئيس التركي من “اتفاقية اسطنبول”.

التعديلات الدستوريّة بالغة الأهمية بالنسبة إلى الحزب التركي الحاكم، فهي ستضمن على الأرجح فوز رئيسه المعاد انتخابه راهناً، في الانتخابات الرئاسية المقبلة كتكرار للسيناريو القائم ليصبح أردوغان رئيساً للحزب والدولة في الوقت ذاته.

من المؤكد حتى الآن أن الرئيس التركي يتجاهل مختلف الأزمات التي تعيشها بلاده، ويتمسّك فقط بالخيوط التي قد تجعله يفوز بولاية رئاسية جديدة في الانتخابات المقبلة، التي ستشهدها تركيا منتصف عام 2023، ومنها بالطبع التعديلات الدستورية التي أعلن عنها ونالت موافقة حليفه الوحيد في الداخل التركي دولت بهجلي، زعيم حزب “الحركة القومية” اليميني المتطرّف، لا سيما أنها تهدف بالدرجة الأولى إلى تغيير قانوني الانتخابات والأحزاب.

ومع ذلك هناك عقبة رئيسية تقف أمام هذه التعديلات التي يحاول أردوغان فرضها منذ نحو عام، تتمثل في البرلمان التركي، إذ لا يكفي عدد نواب حزبه الحاكم وهو “العدالة والتنمية”، لتمريرها، مضافاً إليهم نواب حليفه في حزب “الحركة القومية”. فإجراء تعديلاتٍ في الدستور الحالي تتطلّبُ موافقةِ 400 نائبٍ من أصل 600، في حين يبلغ عدد مقاعد حزبي أردوغان وبهجلي 337 مقعداً. وهو ما يعني استحالة تنفيذ ما ينوي الرئيس التركي الإقدام عليه عبر البرلمان لاحتوائه على حزبين ذات نفوذ كبير كـ”الشعب الجمهوري” و”الشعوب الديموقراطي”، وعلى اعتبار أن تزوير التصوّيت غير ممكن في هذه الحالة.

لذلك قد يتوجّه أردوغان وبهجلي إلى إجراء استفتاءٍ شعبي على التعديلات الدستورية مستفيدين من إمكان التزوير لجهة عدم وجود رقابة كافية، وذلك على غرار ما حصل قبل أكثر من عامين ونصف العام، عندما حوّل الرئيس التركي نظام الحكم في بلاده عبر استفتاءٍ أثار الجدل. هذا هو السيناريو الأقرب للتطبيق، بخاصة أنه سبق أن منح الاستفتاء صلاحياتٍ مطلقة للرئيس بعد إلغاء منصب رئاسة الوزراء. هذا السيناريو يبدو الأقرب لاستحالة نجاح حزبي “العدالة والتنمية” و”الحركة القومية” في إقناع نواب الأحزاب الأخرى للتصويت على تعديلاتهما الدستورية، تحت قبة البرلمان نتيجة علاقتهما المتوترة مع أحزاب المعارضة التي تشبّه هذه التعديلات بعملية الانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، وهو ما رفضته تلك الأحزاب حين حصل منتصف عام 2018 وتحاول التخلص من نتائجه وآثاره السلبية اليوم.


التعديلات الدستوريّة بالغة الأهمية بالنسبة إلى الحزب التركي الحاكم، فهي ستضمن على الأرجح فوز رئيسه المعاد انتخابه راهناً، في الانتخابات الرئاسية المقبلة كتكرار للسيناريو القائم ليصبح أردوغان رئيساً للحزب والدولة في الوقت ذاته، بخاصة أنه يقترح في التعديلات الحالية إجراء الانتخابات على جولةٍ واحدة بدلاً من نظام الجولتين في حال عدم حصول أي من المرشحين على نسبة 50+1 في المئة من الجولة الأولى. ويفسّر سعيه إلى ترسيخ قاعدة فوز المرشح الحاصل على أكثر الأصوات في الجولة الأولى، لإدراكه استحالة حصوله على أغلبية الأصوات، مقابل خروجه من الانتخابات متصدراً بطبيعة الأحوال في ظل تعدد مرشحي المعارضة العاجزة عن التوافق على مرشح واحد قادر على مجاراة الرئيس التركي بسياساته الشعبوية.

تُظهر التعديلات التي اقترحها الرئيس التركي هدفه في تمكين سيطرته على المحكمة الدستورية العليا، وهي أعلى هيئة قضائية في البلاد.

ويتمثّل الهدف الآخر لأردوغان، إضافة إلى محاولته الفوز بولاية رئاسية جديدة، بالانتقام من حلفائه السابقين مثل رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو ونائبه علي باباجان، وذلك بتضمين شروط في التعديلات المطروحة تمنع الأحزاب التي تشكّلت في الفترة الأخيرة من خوض الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة لصعوبة تحقيقها من قبل أحزاب حديثة العهد.

وتُظهر التعديلات التي اقترحها الرئيس التركي هدفه في تمكين سيطرته على المحكمة الدستورية العليا، وهي أعلى هيئة قضائية في البلاد، والتي يسيطر عليها جزئياً في الوقت الحالي، في محاولة لاستغلالها كأداة للقضاء على خصومه ومنظمات المجتمع المدني وما تبقى من وسائل الإعلام المستقلة.

أما بالنسبة إلى دولت بهجلي، المناصر لحليفه أردوغان مصيباً كان أم مخطئاً، فيتمثل أبرز أهدافه بحظر أنشطة حزب “الشعوب الديموقراطي” وتصنيفه جماعة “إرهابية”. وربما يشكّل تعهّد الرئيس التركي له بتحقيق هذا الأمر، السبب الرئيسي لدعم بهجلي تعديلاته الدستورية المقترحة بشدّة، ناهيك بأن حظر الحزب المؤيد للأكراد سيجلب المزيد من أصوات القوميين لمصلحة تحالفهما الانتخابي، نتيجة رفض أولئك الناخبين المحتملين الوجود الكردي في البرلمان.

كما هو واضح فإن هذه التعديلات تأتي كاستعدادٍ لأي انتخابات رئاسية وبرلمانية قد تشهدها تركيا، وعلى رغم أن المعارضة تجتمع على الذهاب إلى انتخابات مبكّرة، إلا أن هذا غير ممكن لاشتراط الدستور الحالي دعوة الرئيس التركي إليها  شخصياً، وهو مستبعد حالياً إلى حين تمكّنه من ضمان فوزه وحزبه مجدداً بعد تراجع شعبيته، إضافة إلى حاجته لاستكمال المدة الزمنية السابقة لإجراء الانتخابات عام 2023، لضبط تدخلاته العالقة في سوريا، والعراق، وليبيا، وناغورني قره باغ، وشرق المتوسط، إضافة إلى حربه على الأكراد.
من دون أدنى شك، تمكّن أردوغان وبهجلي من فرض دستورٍ جديد أو إجراء تعديلاتٍ في الدستور الحالي، هو بمثابة الفرصة الأخيرة التي من شأنها أن تساهم في منح حزب “العدالة والتنمية” ولاية رئاسية جديدة لرئيسه في الانتخابات المقبلة، بخاصة أن معظمها متعلقة بقانوني الأحزاب والانتخابات، وقد يؤدي نجاحهما في ذلك إلى ممارسة مزيد من القمع في الداخل التركي، واستمرار التصعيد مع الخارج.

إقرأوا أيضاً:




لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
6 سنوات مرت على غياب محمد الصنوي عن منزله وزوجته وأطفاله مذ اختطفته “جماعة أنصار الله” الحوثية. أسرة الصنوي أنموذج للكثير من أسر المختطفين والمخفيين في سجون جماعة أنصار الله، والذين لا يُعرف مصيرهم وحقيقة التهم الموجهة إليهم وإن ما زالوا أحياء أم لقوا حتفهم.

2:26

Play Video
كيف يعالج الصحفيون الأردنيون المواضيع المتصلة بالأسرة الهاشمية الملكية مع محاذير النشر القائمة ومن أين يستقون معلوماتهم ومصادرهم من دون خطر التعرّض للقمع والملاحقة؟ وهل يمكن اعتماد تطبيق كلوب هاوس مساحة آمنة ومهنية لتبادل المعلومات في العمل الصحافي؟الامير حمزة

34:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني