السير عكس الاتجاه : “إيمان نايل” موت مدوّ ضد القمع والسلطة

انفجار إيمان نايل بسيارتها مشهد تتلخص وتستيقظ فيه كل الفجائع، لتستعيد صور المأساة الحاضرة لكل امرأة في مصر...

سيارة “ملاكي” تسير عكس الاتجاه على طريق سريع، تنطلق بسرعة تتجاوز 170 كيلومتراً في الساعة، تقودها إيمان نايل، فتاة في بداية العشرينات، تتحاشى التصادم بالسيارات “الملاكي”، ومع ثاني سيارة نقل ضخمة واجهتها اصطدمت  وسيارتها بأحشاء عربة النقل، وتفحَّم جسدها بالكامل.

 سردية لم تتجاوز الدقيقة وثقها بالفيديو سائق على طريق الجلالة حيث كانت تقود إيمان سيارتها آتية من الجونة، الفيديو ساعد إيمان نايل على تأبيد لحظتها التاريخية مع الموت، وتوسيع مجال الصدمة وتأثيرها. لم يكن المشهد مجرد حادث على طريق مروري سريع بل سردية مفزعة لا تنفلت عن سياق الحياة في مصر.

صرامة إيمان نايل في القيادة عكس الاتجاه بسرعة جنونية هي رمزية ومدخل لحكاية بالتأكيد، حتى لو بدت الحكاية مبتورة لقلة المعلومات المتوفرة عن الفتاة حتى الآن. في مصر يكفي النظر إلى مقطع الفيديو هذا لتتعاقب المعاني المترابطة والخيوط التي تمضي  في سبيل تتبع مأساة تتجسد بشكل يومي، وليس على طريق سريع وحسب. 

الفيديو الذي تمت مشاركته على نطاق واسع جعل إيمان نايل، على رغم رحيلها بطلة في جدلية ساهمت في إضفاء المأساة على كل شيء. التفحم وصوت الانفجار وما ينبعث منه من دخان ولهيب وروائح نافذة كان أبلغ تعبير عن أصوات مكابداتنا الناصعة ورائحتها في سياق ضاغط اجتماعياً، يسلب من النساء حق العيش في مناخ تحلق فيه الشوارب بديلاً عن الطيور.

لماذا نحيل كل حادثة أو كارثة بواقع النساء المزري في مصر وانتهاكهن اليومي؟ سؤال يستحق الإجابة عليه بأسئلة أخرى لا تتبرأ من اللهجة الاستنكارية الواضحة، ولماذا لا نربطها بأوضاع النساء المزرية ونحن نشهد فتاة في عقدها الثاني تمضي لتفجير نفسها في مشهد واضح الدلالة وصارم للإفلات من الحياة بالسير عكس الاتجاه وإحداث انفجار .

  انفجار إيمان نايل بسيارتها مشهد تتلخص وتستيقظ فيه كل الفجائع، لتستعيد صور المأساة الحاضرة لكل امرأة في مصر، يجبرنا الانفجار على الربط بينه وبين المسكوت عنه لدى كل النساء في ظل مناخ قاس، موحش، ومترع بالكوارث، متجذر في انهزامه أمام جبروت السلطة.

السير عكس الاتجاه مشهد متخصب بدلالة رمزية، اختارته إيمان نايل ليمنحها بعداً إنسانياً وعمقاً درامياً يكشف عن وجوه الصراع الوجودي المحتدم والمحتشد في هذه البقعة من العالم “مصر”، حيث يتم إجبار الجموع على السير  وفق الاتجاه الذي يحيل دوماً إلى استعباد وهزيمة وتنميط أو السير  عكس الاتجاه الذي ينتهي لا محالة بكارثة .

لم تمت إيمان نايل وحدها فقد شهد يوم مقتلها حادثين مفجعين لفتاتين لا تتجاوزان العشرين، فقد تعرضت إسراء عماد (18 سنة) لشروع في قتلها بالطعنات في الصدر والوجه وأغلب مناطق جسدها، وأمل من مدينة الحمام في محافظة مطروح (16 سنة) قطعن يدها، إضافة إلى إصابات في وجهها وفروة رأسها .

موت إيمان نايل كان نذيراً بصوته العالي بأن الموت والشروع في قتل النساء في مصر أصبح حدثاً عادياً، وكأنها تسخر بموتها قائلة: لماذا يفجعكم موتي العلني ولديكم آلاف القصص من القتل العلني اليومي داخل بيوتكم؟

تلون إيمان نايل الصورة بألوانها الحارة والمشتعلة تتعادل ألوانها مع الغضب، صوت الغضب لا يحرك ساكناً في مصر ولا يحمي النساء، ربما يكون صوت النار المشتعلة في جسدها آخر محاولات الغضب لكسر الصمت،  غضب إيمان نايل إفصاح مباشر  بالصدمة التي قد تحدث بصمة.

إيمان نايل بانفجارها الصادم  تشبه قفزة داليا فتاة السلام من شرفتها وتشبه انتحار سارة حجازي متوحدة مع آلامها وتشبه كل قصة امرأة بروح غريبة عن سياقها تعيش مع المسكوت عنه بمرارة داخل تابوت متنقل… حتى يأتي الانفجار الكبير. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد إبراهيم
بينما يفتش أحدهم محتويات المطبخ، عثر على زجاجة بيرة في الثلاجة، ثم خرج بها ليخبر الضابط بكل ثقة: “مش إخواني يا باشا، لاقينا في تلاجته بيرة”.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني