fbpx

أطباء لبنان في حرب صحّية عالمية من دون ذخيرة ولا “استراتيجية دفاعية”

من المهم ملاحظة أنه إذا امتنع الأطباء عن تقديم الرعاية الطارئة للمريض لأن ذلك يعرضهم للخطر فإنهم ليسوا مسؤولين ولا يجب تحميلهم المسؤولية... تعتبر جائحة "كورونا" فترة استثنائية، جعلت الأطباء في موقف عصيب.

ينشر هذا النص بالتعاون مع “مبادرة الإصلاح العربي” 

شأنه شأن بلدان أخرى، واجه لبنان التحديات التي فرضتها جائحة “كورونا” على نظام الرعاية الصحية. وقد تكبد الأطباء، وغيرهم من العاملين في هذا المجال، النصيب الأكبر من الخسائر التي سببتها الجائحة. وقد شكل تفشي فايروس “كورونا” المستجد تحدياً أمام أنظمة الرعاية الصحية على مستوى العالم. ومع انتشار الوباء بشكل كبير في لبنان، والضغط الذي شكّله ذلك على غرف العناية المركّزة في المستشفيات التي استنفدت مع بداية هذا العام 95 في المئة من طاقتها، أثيرت مخاوف تتعلق بسلامة العاملين في مجال الرعاية الصحية ومدى تعرضهم للخطر، فقد زادت معدلات الإصابة بينهم أيضاً وهو ما اضطر كثراً منهم إلى عزل أنفسهم أو الدخول إلى المستشفيات لتلقي العلاج أو الوفاة جراء الإصابة بالفايروس. 

في هذه الورقة البحثية، التي أعدّها لـ”مبادرة الإصلاح العربي” كل من نديم الجمل (باحث في قسم أمراض القلب في الجامعة الأميركية في بيروت) وتغريد حاج علي (رئيسة لجنة الصحة والبيئة في نقابة أطباء لبنان) وحسين اسماعيل (أستاذ مساعد في الطب السريري) وإيلي الشاعر (أستاذ علم الدماغ والأعصاب والأخلاقيات الطبية ورئيس دائرة علوم التشريح والخلايا والوظائف الحیة في كلیة الطب، الجامعة الأميركیة في بیروت)، محاولة لرصد الخسائر التي تكبدها العاملون في مجال الرعاية الصحية في لبنان جراء أزمة “كوفيد-19″، مع التركيز على الأطباء، من دون الانتقاص من الدور بالغ الأهمية الذي يؤديه بقية العاملين في هذا المجال. 

خلال شهر أيلول/ سبتمبر 2020 ارتفع عدد الإصابات بالفيروس بين العاملين في مجال الرعاية الصحية بنسبة تجاوزت 50 في المئة، وأخذت الأعداد تتزايد منذ ذلك الحين لتصل إلى 2429 حالة مع بداية شباط/ فبراير2021.

 نظرياً، تمكن مقارنة هذا العدد بإجمالي عدد العاملين في مجال الرعاية الصحية، وكذلك تحديد عدد الأطباء المصابين ومقارنته بالعدد الكلي للأطباء الذين يزاولون المهنة فعلياً في لبنان، حتى يتسنى لنا الحصول على مؤشر أفضل عن مدى تأثر القوى العاملة التي تكافح “كورونا”. لكن من الصعب التأكد بدقة من هذه الأعداد، لأن كثيراً من الأطباء قد يكونون مسجلين بالفعل في نقابة أطباء لبنان بوصفهم أعضاء ناشطين لكنهم لا يزاولون المهنة حالياً في لبنان. وتقدر النقابة هذا العدد -الخاص بالأطباء المسجلين في النقابة- بحوالى 8 آلاف طبيب. تشير تقديرات مركز طبي كبير في بيروت إلى أن 26 في المئة من طاقم المركز قد أصيبوا بـ”كورونا” حتى نهاية كانون الثاني/ يناير. علماً أنه خلال كتابة هذا البحث توفي 26 طبيباً جراء إصابتهم بـ”كورونا”. حذر نقيب الأطباء في لبنان مؤخراً من تزايد الإصابات بفايروس “كورونا” بين الطواقم الطبية وناشد شركات ووكالات التأمين بتغطية نفقات علاج الأطباء المصابين بفيروس كورونا في المستشفيات بنسبة 100 في المئة، وطالب المستشفيات بضرورة التأكد من اتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة لمنع انتشار العدوى. وتجدر الإشارة هنا أيضاً إلى التأثير الكبير الذي خلفته الجائحة على الصحة النفسية للعاملين في مجال الرعاية الصحية، فقد أظهرت دراسة حديثة أن نصف المشاركين كانوا معرضين بشدة لخطر الإصابة بالإجهاد الحاد.

وفي ما يتعلق بحماية الأطباء، فقد تبين أن توافر معدات الحماية الشخصية الفعالة والتجهيزات السريرية المناسبة، يؤدي دوراً في الحدّ من خطر تعرض العاملين في مجال الرعاية الصحية للإصابة. يوجد نقص على مستوى العالم في معدات الحماية الشخصية بالإضافة إلى زيادة أسعارها. ويعتمد لبنان كلياً على الواردات لإمداده بِأقنعة التنفس “N95” وأجهزة التنفس الصناعي، وهو ما يجعل من الصعب ضمان الحصول على ما يكفي من تلك الإمدادات من السوق العالمية المجهدة بالفعل. تفاقمت هذه المشكلة بسبب الأزمة المالية التي تمر بها البلاد منذ أكثر من عام، والتي تجعل العملة الأجنبية اللازمة لاستيراد معدات الحماية الشخصية والمستلزمات الطبية شحيحة وعالية التكلفة. 

حاول البنك المركزي معالجة هذه المشكلة من خلال توفير 85 في المئة من العملة الأجنبية اللازمة بسعر الصرف القديم. بيد أن كثيراً من المستوردين ما زالوا يفرضون قيوداً نقدية على المستشفيات لتسليمها ​المستلزمات الطبية. أدى هذا إلى نقص في معدات الحماية الشخصية عانى منه العاملون في مجال الرعاية الصحية منذ البداية، الأمر الذي دفع نقيب الأطباء إلى حث المستشفيات على تزويد الأطباء بالمعدات الوقائية للمساعدة في وقف انتشار الفيروس بين الطواقم الطبية. وعلى رغم توافر معدات الحماية الشخصية حالياً أكثر مما كانت عليه في بداية الجائحة، لم توضع إلى الآن استراتيجية لضمان عدم مواجهة لبنان نقصاً في المستلزمات مجدداً، إذا ما تعرض لظروف عصيبة.

التأمين الصحي للأطباء والتعويض في حالة الوفاة والعجز

تُعتبر ممارسة مهنة الطب من “المهن الحرة”، لذا فإن الأطباء ليسوا موظفين، وعلاقتهم بالمستشفى الذي يعملون فيه يحددها العقد الذي يوقع عليه كل طبيب. إضافة إلى ذلك، يمارس الأطباء مهنة الطب في العيادات الخاصة، لذا لا تربطهم علاقة تعاقدية بأي مستشفى. وبموجب القانون، لا يحق لأي طبيب أن يُمارس مهنة الطبابة على الأراضي اللبنانية إلا إذا كان مسجلاً في نقابة أطباء لبنان. فضلاً عن ذلك، من خلال النقابة، يُمكن أن يشتري الطبيب بوليصة تأمين صحي مقابل دفع قسط تأمين بسعر خاص للمجموعات. 

وبوسع الأطباء أيضاً أن يسجلوا أنفسهم في صندوق الرعاية الصحية التابع للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ما يقلل بدرجة أكبر قيمة قسط التأمين. ومنذ عام 2004، تساهم نقابة أطباء لبنان بدفع جزء من الرسوم التي تتطلبها وثائق التأمين أو الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. ومن ناحية أخرى، إذا أصيب أحد أعضاء النقابة بعجز موقت أو فقد قدرته على الاستمرار في مباشرة العمل لفترة طويلة جراء إصابته بمرض بـ”كوفيد- 19″، تدفع النقابة ما يصل إلى مليون و200 ألف ليرة لبنانية (أي ما يعادل 150 دولار أميركي بسعر السوق الحالي) شهرياً ضمن التغطية التأمينية في حالة العجز.أما في الحالات التي يتوفى فيها الأطباء بعد إصابتهم، يتعين على النقابة أن تدفع لأسرهم مبلغاً قدره 50 مليون ليرة لبنانية (أي ما يعادل 5000 دولار أميركي بسعر السوق الحالي).

ثمة فئة أخرى من الأطباء تشمل الأطباء المتدربين. وهم أولئك الذين حصلوا على درجة علمية في الطب ويتابعون تدريباً أكثر تخصصاً. وفي سبيل ذلك، يتعاقدون مع مستشفى تعليمي حيث يُمكنهم تلقي تدريبهم ويحصلون على رواتب منتظمة من ذلك المستشفى. بيد أن الكثير من الأطباء المتدربين لا يسجلون أنفسهم لدى النقابة بسبب عدم قدرتهم على دفع رسوم التسجيل والرسوم السنوية. وعلى رغم أن القانون ينص على أنه لا يجوز إلا للمسجلين في نقابة أطباء لبنان فقط أن يمارسوا مهنة الطب، فإن المتدربين يمارسون الطب بصورة استثنائية تحت غطاء ترخيص الأطباء المشرفين عليهم، الذين يتحملون المسؤولية القانونية عن أي أخطاء. وفي حين يتحمل الأطباء المشرفون المسؤولية القانونية عن الأخطاء الطبية وسوء ممارسة المهنة، فإنهم ليسوا مسؤولين عن التغطية التأمينية للأطباء وسلامتهم المهنية، إذ إن الطبيب المتدرب يتعاقد رسمياً مع المستشفى وليس مع الطبيب المشرف. 

فضلاً عن ذلك، لا يحق للمتدربين وأسرهم الحصول على تعويض من النقابة من دون تسجيل أنفسهم فيها. وبما أنهم يتلقون رواتبهم من المستشفيات، فإن تكلفة العلاج والإقامة في المستشفى بسبب الإصابة التي يتعرض لها أثناء العمل أو بمناسبته تقع على عاتق صاحب العمل. وفي حالة الوفاة بسبب إصابة تتعلق بالعمل، تقع على صاحب العمل مسؤولية تعويض أسرة المتوفى بمبلغ تتوقف قيمته على آخر راتب حصل عليه المتوفى. ويحق للمتدربين أيضاً الحصول على الأجر نفسه من المستشفى لمدة تصل إلى 9 أشهر، إذا كان العجز ناجماً عن إصابة تتعلق بالعمل.

إقرأوا أيضاً:

الثغرات التي كشفت عنها جائحة “كورونا”

يتلقى الأطباء الذين يصابون بالفايروس ويحتاجون إلى دخول المستشفى، العلاج في المستشفيات التي يعملون معها. بيد أنه عندما لا تكون هناك أسرَّة متاحة لهم في المستشفيات التي يعملون بها أو إذا كان الأطباء يعملون في مستشفيات لا تحتوي أقساماً لرعاية المرضى المصابين بفايروس “كورونا” أو أنهم لا يعملون في مستشفيات على الإطلاق، فإنهم يعاملون كأي مريض آخر ولا تعطى لهم أي أولوية. وتساعد وزارة الصحة العامة في تحمل بعض التكاليف تماماً مثلما تفعل مع سائر المواطنين. وفي حين تغطي نقابة أطباء لبنان تكاليف المبالغ التي تتطلبها وثائق التأمين أو الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فإن بنود معينة من فاتورة المستشفى غير مشمولة للأطباء، كما هو الحال بالنسبة إلى المرضى الآخرين، ما دفع نقيب الأطباء إلى حث المستشفيات على تغطية نفقات علاج الأطباء المصابين بـ”كورونا”​ مئة في المئة.

يتعلق أحد أوجه القصور الرئيسية بالتعويضات والتغطية التأمينية التي يتلقاها الأطباء المتدربون. وعلى رغم أن عدداً قليلاً من المستشفيات التعليمية يلتزم بالقانون والمثل الأخلاقية، ويُقدم للمتدربين التغطية الصحية، فإن المستشفيات الأخرى لا تقدم أي تعويضات. بل في الواقع، لا يتلقى الكثير من الأطباء المتدربين أي مدفوعات أو امتيازات خلال فترة تدريبهم. ولا يوجد أيضاً عقد موحد للمتدربين، ما يفسح المجال أمام حدوث تفاوتات هائلة بين مختلف مراكز التدريب.

حماية الأطباء

تنص القوانين اللبنانية بوضوح على أنه من مسؤولية رب العمل توفير كل ما يلزم لضمان سلامة وصحة العاملين في جميع المجالات التي يؤدون فيها مهمات عملهم. وتقع على عاتق رب العمل أيضاً مسؤولية اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية جميع العاملين والحفاظ على صحتهم بينما يقومون بأعمالهم. بل وعلاوة على ذلك، فإن التنصل من هذه المسؤولية يمكن أن يؤدي إلى تطبيق قانون العقوبات الذي يعاقب أرباب العمل. أما الأطباء غير المتدربين الذين يعملون في المستشفيات فلا يعتبرون موظفين، وهو ما ينطبق أيضاً على الأطباء الذين يعملون في العيادات المستقلة.

في حين شددت “منظمة الصحة العالمية”، من خلال دستورها وإعلان “ألما-آتا”، على ضرورة حماية المتخصصين العاملين في قطاع الرعاية الصحية في أثناء عملهم من خلال اتخاذ الاحتياطات من مخاطر أماكن العمل، ومكافحتها.

من شأن عدم توفير معدات الحماية الشخصية الملائمة أن يعرّض العاملين في قطاع الرعاية الصحية للخطر أثناء أدائهم لواجباتهم، ويشكل انتهاكاً لهذه القوانين والمبادئ. وقد يؤدي تعريض حياة العاملين في قطاع الرعاية الصحية للخطر في ظل هذه الظروف إلى تعقيد النظام الصحي العليل بالفعل بصورة كارثية. وستكون العواقب مأساوية، لا سيما في ضوء الهجرة الاقتصادية للأطباء والممرضين والممرضات من البلاد، بسبب الأزمة الاقتصادية، وبحثهم في الخارج عن دخل بالدولار لإعالة عائلاتهم.

من المهم ملاحظة أنه إذا امتنع الأطباء عن تقديم الرعاية الطارئة للمريض لأن ذلك يعرضهم للخطر فإنهم ليسوا مسؤولين ولا يجب تحميلهم المسؤولية. واستناداً إلى ذلك، لا يمكن أن يتحمل الطبيب المسؤولية إذا لم يتمكن من تقديم الرعاية لمريض مصاب بفايروس “كورونا”، في حال عدم توافر معدات الحماية الشخصية الضرورية.

سياسات مقترحة

تعتبر جائحة “كورونا” فترة استثنائية، جعلت الأطباء في موقف عصيب. للأسف، لا توضح القوانين ما يتعين فعله في مثل هذه المواقف، نظراً لعدم وجود قوانين خاصة بالظروف الاستثنائية. يمكن أن يساهم تعديل قوانين العمل ولوائح نقابة أطباء لبنان، لتغطي المواقف الطارئة والاستثنائية، في إزالة الغموض وتوضيح الحقوق والواجبات. بالإضافة إلى ذلك، بإمكان التشريعات الخاصة بحماية وتعويض العاملين في قطاع الرعاية الصحية، بسبب فايروس “كورونا”، أن تساهم في توضيح الأدوار وضمان توفير درجات أعلى من الحماية والعدالة للعاملين في قطاع الرعاية الصحية.

هناك فجوة كبيرة أخرى يجب معالجتها، وهي حماية الأطباء المتدربين، لا سيّما العاملين في مستشفيات أو مؤسسات لا توفر تأميناً صحياً؛ إذ يتلقى كثيرون منهم دخلاً منخفضاً، أو لا يتقاضون أي أجر على الإطلاق ويعيشون تحت خط الفقر، مما يجعلهم الفئة الأضعف بين مقدِّمي الرعاية الصحية. وينبغي أن تتضمن معالجة مشكلاتهم نهجاً متعدد الجوانب: من ناحية، بإمكان نقابة أطباء لبنان تيسير دخولهم إلى النقابة عبر إيجاد فئة عضوية خاصة بهم، ما يوفر لهم ما يلزم من تغطية تأمينية صحية وتعويضات في حالات العجز. ويمكن أن تكون هذه العضوية محدودة المدة حسب العمر أو عدد سنوات الدراسات العليا. وقد أتاحت نقابة أطباء لبنان للمتدربين، راهناً تقسيط رسوم العضوية على 24 دفعة بموجب قرض مصرفي تتحمل نقابة أطباء لبنان الفائدة المستحقة.

ومن ناحية أخرى، بإمكان نقابة أطباء لبنان ووزارة الصحة العامة أن تضغطا لوضع حد أدنى لمعايير العلاقة التعاقدية بين الطبيب المتدرب والمستشفيات التعليمية؛ التي تتضمن تأميناً صحياً كاملاً، وتأميناً ضد العجز والوفاة للطبيب المتدرب، إلى جانب حد أدنى للتعويض عن عملهم أثناء التدريب. وتجب أيضاً توعية المتدربين بأحقيتهم في التسجيل في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بحكم وضعهم كمتدربين تابعين للجامعة.

ضمان معايير أفضل للسلامة في بيئة العمل

عموماً لا تشمل قوانينُ العمل الأطباء الممارسين، وليست هناك لوائح توفر لهم الحماية في أماكن العمل. أما في ما يتعلق بالأطباء الذين يتقاضون رواتب، ومنهم الأطباء المتدربون، فيضع القانون اللبناني مسؤولية حماية العاملين على عاتق أصحاب العمل. وهذا يضع المستشفيات في مأزق في ظل الصعوبات الحالية لتوفير معدّات الحماية الشخصية. ولكن لا يعدّ الاكتفاء بمعاقبة المستشفيات حلاً لضمان توفّر معدات الحماية الشخصية، إذ لا بد أن تضطلع الهيئات الحاكمة بتنفيذ سياسات وتدابير مناسبة لضمان حماية العاملين في قطاع الرعاية الصحية، وبالتالي حماية القطاع بأسره من الانهيار. ويمكن أن تحدد هذه السياسات أيضاً ماهية المعايير التي تمكن بموجبها محاسبة المستشفيات. فيجب سنّ الأحكام المنظمة لحماية العاملين في القطاع الصحي من “كورونا”، فوراً، لضمان وضع معايير يتبعها الجميع.

بإمكان نقابة أطباء لبنان ووزارة الصحة العامة أن تضغطا لوضع حد أدنى لمعايير العلاقة التعاقدية بين الطبيب المتدرب والمستشفيات التعليمية؛ التي تتضمن تأميناً صحياً كاملاً، وتأميناً ضد العجز والوفاة للطبيب المتدرب، إلى جانب حد أدنى للتعويض عن عملهم أثناء التدريب.

لتطبيق تلك الأحكام وتنفيذها، ينبغي لوزارة الصحة العامة، بالتعاون مع وزارة العمل، تطوير برنامج وطني معنيّ بحماية العاملين في قطاع الرعاية الصحية، تكون مهمته صوغ تلك الأحكام والإشراف على تنفيذها على الصعيد الوطني. يمكن الاقتداء في ذلك بإدارة السلامة والصحة المهنية (OSHA) التي أنشأها الكونغرس الأميركي لضمان ظروف عمل آمنة وصحية للعاملين، من خلال وضع المعايير وتنفيذها وتوفير التدريب والتوعية والتثقيف والمساعدة. ويمكن أن يشمل ذلك كبارَ الأطباء العاملين في المستشفيات دون تعيين، إضافة إلى الأطباء المستقلين. يعاني الأطباء المستقلون من وضع غير مواتٍ في ما يتعلق بشراء معدات الحماية الشخصية، إذ تقع على عاتقهم مسؤولية توفير تلك المعدات لأنفسهم، ولا يستفيدون من الخصومات التي تحصل عليها المستشفيات، ويزداد الوضع صعوبة في فترات عدم توفّرها. تساعد مناقصات تجريها  نقابة أطباء لبنان واستطاعتها التفاوض على أسعار خاصة بالشراء الجماعي على توفير احتياجات الأطباء المستقلين، بما في ذلك معدات الحماية الشخصية، بأسعار معقولة.

مدى توفّر معدات الحماية الشخصية بشكلٍ كافٍ

لقد ثبت أن توفّر معدّات الحماية الشخصية بشكل كافٍ وجودتها يؤديان إلى خفض خطر الإصابة بفايروس “كورونا”، بينما قد تؤدي إعادة استخدامها إلى زيادة ذلك الخطر. وقد طُوِّرت في لبنان جداول حسابية للتنبؤ بالقدر المطلوب من معدات الحماية الشخصية، وتمّ اختبارها. توضح هذه الجداول أيضاً أهمية الاعتماد على صرامة سياسات التباعد الاجتماعي، فكلما زادت صرامتها قلّت الحاجة إلى معدات الحماية الشخصية، والعكس صحيح، إذ يرتبط تخفيف القيود بزيادة الحاجة إلى تلك المعدات.

تقترح “منظمة الصحة العالمية” إطار عمل من ثلاثة مبادئ لضمان إتاحة معدات الحماية الشخصية وتوفّرها. يمكن تقليل الحاجة إلى معدات الحماية الشخصية من خلال إجراء تغييرات في مواعيد المرضى والعاملين في قطاع الرعاية الصحية، بالتوازي مع الاستخدام المناسب لتلك المعدات وَفقَ دواعي الحاجة. أما تنسيق عمليات الاستيراد فهي مسؤولية الحكومة التي عليها ضمان حصول جميع الأطراف على كفايتها، مع منع مساعي التخزين والتكديس والاحتكار. بإمكان الحكومة أيضاً اتخاذ جميع الخطوات اللازمة لتشجيع الإنتاج المحلي لمعدات الحماية الشخصية. والشفافية مهمة هنا؛ بمعنى أن على السلطات إبقاء الجماهير على اطلاع بمدى توفّر تلك المعدات وخطط التوزيع على المناطق والمستشفيات المختلفة. إضافة إلى ضمان عدم إساءة استخدام أنواع معينة من معدات الحماية الشخصية من قبل المواطنين العاديين (مثل أقنعة التنفس N95 والأقنعة الجراحية)، وضمان أن تكون أولوية التوزيع في أوقات العجز لاستخدام العاملين في قطاع الرعاية الصحية. ونظراً إلى شحّ إمدادات معدات الحماية الشخصية، والحاجة إلى الحصول عليها من أي مصدر متاح، لا بدّ من ضمان الجودة وتوكيدها. إلا أن هذا لم يحدث حتى الآن، لسوء الحظ، وتحتاج سلطات الحكومة إلى زيادة جهودها والوفاء بالتزاماتها في ما يتعلق بمراجعة معايير الجودة واعتماد منتجات الرعاية الصحية.

مع هذا الخلل الناتج عن نقص العرض وارتفاع الطلب على معدات الحماية الشخصية، قد يمثّل الحصول عليها تحدّياً. لتحجيم التنافس بين الأطراف المختلفة على إمدادات معدات الحماية الشخصية، أقامت “منظمة الصحة العالمية” ومنظمة “أطباء بلا حدود” بوابة للإمداد بإمكان البلدان تقديم الطلبات من خلالها للحصول على معدات الحماية الشخصية. وقد بُذلَت أيضاً جهود شراء تعاونية بين بعض الاتحادات الأممية، كالاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي. ولضمان توفير معدات الحماية الشخصية بكميات كافية، ربما أمكن الحكومة اللبنانية أن تتبع، على سبيل المثال، استراتيجية البدء بالتعاون مع بلدان أخرى كجزء من صفقات تجارية للحصول عليها، مع الإنتباه إلى معايير الجودة. وهذه الحاجات لا تقتصر على الأطباء فقط، بل هي ضرورية أيضاً لغيرهم من العاملين في قطاع الرعاية الصحية، ومنهم الممرضون والممرضات الذين يمثلون جزءاً مهماً من نظام الرعاية الصحية، وقد عانوا أيضاً من جائحة “كورونا” وآثارها.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
سنار حسن – صحافية عراقية
“حاول أحد الزبائن أن يتحرش بي وعندما رفضت وطردته كان صاحب العمل يلومني على خسارة الزبائن، حتى إنه بدأ بتخفيض المرتب إلى أن حاول التحرش بي بشكل مباشر وعندما رفضت، طردني”.
Play Video

7:06

Play Video

2:08

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني