fbpx

طلابي وقد غادروا الجامعة إلى جبهات القتال اليمنية

الشباب اليمني يحلم بانتهاء الحرب والعودة إلى حياتهم الطبيعية وجامعاتهم وتعليمهم، لترميم ما دمّرته الحرب. ولكن السؤال هو متى سيكون لهم ذلك وهل سيعيشون حتى تلك اللحظات؟

إهداء إلى أرواح طلابي في جامعة صنعاء، الذين جرفتهم الحرب في اليمن، وتركوا هذه الدنيا باكراً.

بينما تعتصر قلوبنا نحن اليمنيين حزناً على مئات القتلى ومئات آلاف النازحين والشعب اليمني بأسره الذي تبتلعه الحرب الطاحنة منذ ست سنوات، يرن ناقوس الخطر بشدة في عقلي منذ فترة بسبب أمر آخر. بصفتي تربوية متخصصة في التعليم العالي في مجال العلوم السياسية تحديداً أعرف عن وباء آخر، غير فايروس “كورونا”ـ ينتشر بصورة أسرع في مجتمعي، وللأسف هذا الوباء لا يؤذي الأحياء الذين يصيبهم فقط، إنما ينتقل إلى الأجيال الجديدة حتى تلك التي لم تولد بعد.

يتواصل معي بعض طلابي من قسم العلوم السياسية في جامعة صنعاء من جبهات القتال، يقولون لي ماذا تظنين بنا وماذا كان سيقول ابن خلدون عنا الآن بعدما تركنا مقاعدنا في صفوف العلم والتحقنا بصفوف الحرب وفي الخطوط الأمامية لجبهات القتال؟

يقولون لي هذا من باب التندر وربما ندب الحظ. أحاول أن أعزيهم وأنصحهم قدر استطاعتي ولكن في داخلي أعرف تمام المعرفة أنهم لن يعودوا أبداً طلابي المثقفين الباحثين عن المعرفة، الآملين بالمدنية الحديثة، بعد التجربة التي يخوضونها في العنف المسلح، هذا إن عادوا.

يتخرج كل عام أكثر من 390 ألف شاب وشابة من الدراسات الجامعية ليجدوا السوق الوحيد المفتوح أمامهم هو اقتصاد الحرب والموت. إن انخراط الكثير من المدنيين لا سيما طلاب الجامعات في المعارك سببه التدهور الاقتصادي الشديد الذي كان أساساً يعاني حتى قبل الحرب، إذ وصلت نسبة البطالة في 2011 إلى 35 في المئة، وآخر إحصاءات عام 2017 تشير إلى أنها وصلت إلى 70 في المئة بحسب وزارة الصناعة والتجارة اليمنية. كما ارتفعت نسبة الدين العام من 37 عام 2010 إلى 81 في المئة عام 2020، بحسب “صندوق النقد الدولي”. في حين زادت نسبة اليمنيين الذين يعيشون تحت خط الفقر أي على أقل من دولارين يومياً من 48 في 2014 إلى أكثر من 62 في المئة في 2017 بحسب البنك الدولي. فهذه العوامل كلها تدفع الشباب الجامعي لتفضيل الموت في الخطوط الأمامية على الموت جوعاً في بيئة غير مستقرة.

يشكو طلابي من الإقصاء من الوظائف وإغلاق المؤسسات التي كانوا يعملون فيها، فاضطروا للخروج من مدنهم للبحث عن مصدر رزق آخر. لتكون جبهات القتال هي ملاذهم الأخير، مبررين ذلك بأن الالتحاق بالمعارك هو أسهل الخيارات لكسب المال – ناسين أو متناسين أن الفرق بين وجودهم في حياة مدنية والحياة التي اختاروها هو الفرق بين الحياة والموت ذاته.

وفي حين أن الوضع الاقتصادي قد يكون هو الدافع الرئيسي، فإن عواقب العنف تتعدى هذا المبرر بمراحل لتشمل تمزق النسيج الاجتماعي والتبعات النفسية التي ستبقى مع جيل الحرب لسنين، ربما إلى نهاية حياتهم. يساورني الشك، إلى أي مدى يدرك طلبتي أنهم يقفون في مواجهة بعضهم في جبهات القتال… يقتلون أنفسهم وزملاءهم الذين تشاركوا معهم قاعات الدرس في جامعتهم وتناقشوا في قضايا مستقبلهم ومستقبل بلادهم. يقولون إن لديهم مبرراتهم للذهاب إلى الجبهات، وهي مبررات تختلف باختلاف الجبهات.

يقول البعض إن ذهابهم الى جبهة القتال هو “محاربة المشروع السلالي والطائفي الذي جيء به ليفرق بين أبناء البلد الواحد والذي من خلاله قتلت آمالنا وأهدافنا وطموحاتنا، التي كنا نحاول الوصول إليها في بناء دولة مدنية قائمة على المساواة والعدل بين جميع أفراد المجتمع”. في الجهة المقابلة، يكون دافع المقاتلين هو الارتباط الفكري والعقائدي، وبفكرة أن الموت في ميادين القتال أفضل من الموت في المنازل. 

وهكذا ينبع استعداد الطلاب للانضمام إلى هذه الجماعات المسلحة أو تلك، من شعور عميق باليأس وغياب أي بدائل منظورة، بخاصة أن قادة أطراف الصراع يوفرون لهؤلاء الشباب الشعور بالانتماء ومصدراً للتكسب. الأمر الذي يصبح مغرياً في ظل حالة اقتصادية وتعليمية سيئة.

الحقيقة أن هذه الحرب أحدثت تداعيات كثيرة على الطلاب والعملية التعليمية برمتها. فعشرات المباني الجامعية دُمرت أو تحولت إلى ثكنات عسكرية. وبالتالي حرم عدد كبير من الطلاب فرصة التعليم حالياً ومستقبلاً حتى وإن توقفت الحرب، بسبب الدمار الذي أصاب البنية التحتية في مؤسسات التعليم العالي.

لكن الكارثة الأكبر ليست ما يحدث اليوم، بل في ما سيحدث في المستقبل المتوسط والبعيد في ثقافة المجتمع بشأن التعليم ومقارنة هذا بتجذر ثقافة العنف بديلاً عن المدنية والعلم. حالياً يتم جذب جيل الشباب اليمني الى ساحة المعارك والطلاب الذين ينضمون إلى صفوف هذه الجماعات أو تلك ويتشبعون من أيديولوجيتها، يواجهون مستقبلاً مدمّراً. حتماً هؤلاء سيؤججون الحرب الدائرة أكثر فأكثر. وهذا يثير قلقي الشديد حول مستقبل الجيل المقبل في اليمن وحول مستقبل اليمن برمته. وحتى أولئك الذين بطريقة ما أو بأخرى استطاعوا استكمال تعليمهم الجامعي اعتباطاً في فترة الحرب، فإنني أجزم بصفتي متخصصة في هذا المجال أن الظروف السياسية والثقافية ومنهجية التعليم التي أحاطت تحصيلهم العلمي للأسف تجعل من شهاداتهم غير مقبولة مهنياً وغير صالحة عملياً.

أعلم أن التركيز وإعادة تأهيل التعليم الأساسي بشكل خاص يحتلان الصدارة لدى المنظمات التنموية والمهتمين بسياسات التنمية الاجتماعية، لكنني أريد أن ألفت الانتباه إلى أن التعليم العالي يجب أن يجد مثل هذا الاهتمام إن لم يكن أكثر، لأن هؤلاء الشباب والشابات هم الذين سيقومون بالإصلاحات في المنظومة التعليمية والتنموية عموماً، فهم المدرسون والمهندسون والأطباء… لذا لا بد من عمل استراتيجيات مكثفة لتأهيلهم وبخاصة إعادة إدماج العائدين من جبهات القتال في المجتمع ليستطيعوا المشاركة في بناء مجتمعاتهم ومستقبلهم.

فالشباب اليمني يحلم بانتهاء الحرب والعودة إلى حياتهم الطبيعية وجامعاتهم وتعليمهم، لترميم ما دمّرته الحرب. ولكن السؤال هو متى سيكون لهم ذلك وهل سيعيشون حتى تلك اللحظات؟

وحتى في حال الوصول إلى اتفاق سلام، فذلك هو فقط جزء من الحل ولكن الاستدامة الحقيقية تأتي عبر إعادة تأهيل التعليم بمراحله كافة والاهتمام بالتبعات النفسية والسيكولوجية لأبناء جيل الحرب، لأنهم هم الذين سيعيدون بناء الدولة، وفاقد الشيء لا يعطيه.

بلقيس أبو اصبع – باحثة ومحاضرة جامعية يمنية وعضوة في شبكة التضامن النسوي وحاصلة على زمالة مبادرة مسار السلام للقيادة النسوية

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
6 سنوات مرت على غياب محمد الصنوي عن منزله وزوجته وأطفاله مذ اختطفته “جماعة أنصار الله” الحوثية. أسرة الصنوي أنموذج للكثير من أسر المختطفين والمخفيين في سجون جماعة أنصار الله، والذين لا يُعرف مصيرهم وحقيقة التهم الموجهة إليهم وإن ما زالوا أحياء أم لقوا حتفهم.

2:26

Play Video
كيف يعالج الصحفيون الأردنيون المواضيع المتصلة بالأسرة الهاشمية الملكية مع محاذير النشر القائمة ومن أين يستقون معلوماتهم ومصادرهم من دون خطر التعرّض للقمع والملاحقة؟ وهل يمكن اعتماد تطبيق كلوب هاوس مساحة آمنة ومهنية لتبادل المعلومات في العمل الصحافي؟الامير حمزة

34:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني