حظر التجوّل في بغداد… بعض الهواء النقي لذوي الأمراض التنفسية

لم تعتد أجواء بغداد على الهواء النقي والسماء الصافية شبه الخالية من التلوث الهوائي، ولكن منذ فرض الحكومة العراقية حظراً شاملاً للتجوال، يشمل السيارات والمركبات، إلى جانب توقف معظم المصانع والمعامل والدوائر الأخرى، أصبح الهواء أكثر نقاء وصفاء.

تعاني منار حيدر (21 سنة) منذ أكثر من عقد من مرض الربو، وتلزم البيت في جميع الأوقات لتجنب تراجع حالتها الصحية بسبب التلوث في الهواء؛ بخاصة أنها تعيش في منطقة الزعفرانية جنوب شرقي بغداد، وهي منطقة صناعية محاطة بعدد من محطات الكهرباء، وقريبة من مواقع إحراق القمامة. لقد حُرمت منار الخروج الى الهواء الطلق جراء نسبة التلوث العالية في الهواء، إنما تغير شيء ما أثناء الحجر الصحي بعد تفشي وباء “كورونا”، وأصبح بإمكانها الخروج والاستمتاع بالهواء. “لم اعتَد خلال الأيام العادية الخروج صباحاً إلى حديقة منزلنا، ولم أتمكن من الدراسة في الهواء الطلق، وذلك بسبب رائحة الدخان المنبعثة من محارق الازبال في معسكر الرشيد والتي كانت تملأ الهواء في الصباح الباكر وفي ساعات الليل المتأخرة، إلا أنني أستطيع الآن التنفس بحرية مطلقة صباحاً ومساء، بسبب توقف معظم عمليات إحراق القمامة وإشغال المصانع القريبة منا خلال أيام الحظر التي تبدأ من يوم الجمعة وتنتهي الأحد”.

كان لانحسار النشاط البشري في عموم العاصمة خلال ايام الحظر أثراً واضحاً على انخفاض نسب التلوث الهوائي إلى أكثر من نصف الدرجات المسجلة في الأيام الاعتيادية.

التلوث والأمراض التنفسية

 لم تعتد أجواء بغداد على الهواء النقي والسماء الصافية شبه الخالية من التلوث الهوائي، ولكن منذ فرض الحكومة العراقية حظراً شاملاً للتجوال، يشمل السيارات والمركبات، إلى جانب توقف معظم المصانع والمعامل والدوائر الأخرى، أصبح الهواء أكثر نقاء وصفاء. ولعل أكثر من يشعر بالفرق هم ذوو الأمراض التنفسية مثل سميرة فليح حسن، التي أصيبت بمضاعفات في الرئة بعد علاجها من “كورونا”، وهي تجد صعوبة بالتنفس خلال الأيام العادية بسبب معامل الطحين ومعامل البلاستك مثل معمل النسور لصناعة البلاستيك، القريبة من المساكن.

يسكن حسين مع والدته في منطقة طوبجي شمال العاصمة، يحدثنا كيف ساهم الانخفاض في التلوث في تحسن صحة والدته، “لقد أصبح بإمكانها الخروج والصعود إلى سطح المنزل، حيث تفضل الجلوس وتناول الشاي صباحاً خلال فترة الحظر”. تشعر سميرة فليح بان الهواء أكثر نقاء من الأيام التي لا تشمل حظر التجوال. 

“انخفاض مؤشر معيار التلوث في الهواء، سمة الدول النامية التي تهتم لصحة مواطنيها وحمايتهم من الأمراض والأوبئة التي قد تصيب الجهاز التنفسي”

كان لانحسار النشاط البشري في عموم العاصمة خلال ايام الحظر أثراً واضحاً على انخفاض نسب التلوث الهوائي إلى أكثر من نصف الدرجات المسجلة في الأيام الاعتيادية. هذا ما سجلته مواقع قياس التلوث العالمية من خلال قراءات PM 2.5 في الهواء الذي تتخذه السلطات والمنظمات البيئية كمؤشر لجودة الهواء، والذي يشكل مصدر قلق لصحة الإنسان عندما تكون مستويات قراءاته مرتفعة، بحسب “منظمة الصحة العالمية”.

تنوع مصادر تلوث الهواء في بغداد

تعاني العاصمة بغداد من مصادر كثيرة ومتنوعة للتلوث الهوائي، فالغازات السامة التي تنبعث من المنشآت الحكومية كمحطات الكهرباء ومصفى الدورة وبقية المصانع والمعامل الموزعة في أنحاء بغداد وأطرافها، تشكل خطراً كبيراً على صحة سكّان بغداد وضواحيها، إلى جانب ذلك فإن العاصمة شهدت توسعاً سكانياً كبيراً نسبياً في السنوات الأخيرة، وصل الى ما يزيد عن 8 ملايين نسمة. وترافق زيادة عدد السكّان بطبيعة الحال زيادة في متطلباتهم الحياتية مثل أعداد السيارات والمولدات الكهربائية، التي تشكل مصدراً لأطنان من ثاني أوكسيد الكاربون. إضافة إلى ما تقدّم هناك تلوث ناتج عن إحراق القمامة أو طمرها في مواقع غير مناسبة بالقرب من الأحياء السكنية في بغداد  أو داخلها، مع تقلص في المساحات الخضراء وعدم استحداث أي مشاريع جديدة لتوسيع الغطاء الأخضر.

تشير تقديرات “منظمة الصحة العالمية” إلى أنه عام 2016، كانت حوالي 58 في المئة من الوفيات المبكرة المرتبطة بتلوث الهواء بسبب أمراض القلب والسكتات الدماغية، في حين أن 18 في المئة من الوفيات كانت بسبب مرض الانسداد الرئوي المزمن والتهابات الجهاز التنفسي السفلي الحادة على التوالي، و6 في المئة من الوفيات، كانت بسبب سرطان الرئة. 

يقول الدكتور عبد الله الدليمي بروفسور واستشاري الأمراض الباطنية والقلبية والصدرية – أستاذ واستشاري في كلية الطب الجامعة العراقية، إن انخفاض التلوث في أيام الحظر كان له مردود إيجابي على الذين يحتاجون العناية الخاصة لأجهزتهم التنفسية، ويضيف: “انخفاض مؤشر معيار التلوث في الهواء، سمة الدول النامية التي تهتم لصحة مواطنيها وحمايتهم من الأمراض والأوبئة التي قد تصيب الجهاز التنفسي”. 

ستعود السماء الصافية، والأجواء النقية التي شهدتها العاصمة العراقية خلال أيام الحظر، عاجلاً أم آجلاً ستعود إلى سابق وضعها بعد انتهاء الجائحة، وسيخيم بدخان المصانع والمعامل وعوادم السيارات من جديد على الأجواء، ما لم تضع الحكومة حداً لأزمة تلوث الهواء، وتعمد إلى اتخاذ إجراءات ضد الانتهاكات البيئية داخل بغداد، ناهيك بالمعايير العالمية التي تُلزم الجهات المولدة للملوثات الالتزام بالشروط البيئية. حول كيفية معالجة هذه الازمة البيئية وإيجاد حلول مستدامة لها، المعاون العلمي لكلية علوم البيئة والطاقة في جامعة الكرخ الدكتور إبراهيم السوداني، يقول: “عندما نتحدث عن تلوث الهواء في بغداد وكيفية إيجاد حلول واقعية لهذه المشكلة، هناك بروتوكول عالمي متبع للحلول يتضمن تقليل نسبة التلوث من المصادر ذاتها وإلزامها بالمعايير البيئية، وإبعاد الدوائر الصناعية عن المناطق السكنية، والعمل على زيادة المساحات الخضراء المساهمة بشكل كبير في تنقية الهواء، وإيجاد حلول جدية لمشكلة تضخم أعداد السيارات في العاصمة والالتفات إلى تطوير قطاع النقل العام الذي بدوره سيحد من تفاقم هذه المشكلة بشكل نسبي”. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
OCCRP – مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود وشركاؤه
يتربع رجل الأعمال العراقي نزار حنا نصري على عرش إمبراطورية تشمل الأدوية وواردات الخمور وبعض المنشآت العقارية الأكثر إثارة في أربيل. لكن نجاحه كان مبنيًا على أساس مبهم وأقل وضوح: تجارة عالمية في سجائر السوق السوداء.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني