fbpx

“حادثة قطار سوهاج” : حين يتواطأ الإعلام مع الكارثة

محاولة فرض الرواية الرسمية للتعتيم على أسباب ونتائج حادثة قطاري سوهاج تبدو جلية ووقحة...

 جثث وأصوات استغاثات تخرج من قلب قطار مهشم بالكامل، وناجون وأهالي يحاولون إنقاذ من لا يزال تحت الحطام. 

مشاهد قاسية ضجت بها مواقع التواصل الاجتماعي المصري بعد حادثة اصطدام قطارين في سوهاج ما تسبب بمقتل عشرين شخصاً وجرح نحو مئتين. في مقابل اشتعال صفحات فيسبوك وتويتر بصور المأساة وحزن وغضب المتفاعلين معها كانت جبهة الإعلام الرسمي المصري تغرق في سكون شبه كامل بعد ساعات من الكارثة. وكأن هناك من عمم بتجاهل مأساة موصوفة، ففرض تعتيماً إعلامياً بدا بمثابة محاولة لقص الحادث من شريط الذاكرة المصرية المثقلة بحوادث من هذا النوع وإخفاء أعداد الضحايا، وكأن شيئًا لم يكن! 

لكن الدماء الجديدة التي سالت على قضبان سكة حديد مدينة “طهطا”، بمحافظة سوهاج في صعيد مصر أفظع من محاولات إخفاءها أو التعتيم عليها. بعد اصطدام قطار  157 “المميز”، بقطار  2011 “vip”، هي مشهد استنكاري صارخ يستدعي نفس السؤال المتكرر عقب كل حادث قطار مروع في مصر، متى ينجو المصريون من سيناريوهات الموت داخل القطارات؟ ومتى تنتهي الحكومة المصرية من أزمة إصلاح القطارات المتهالكة التي تحصد حياة المواطنين مرة تلو الأخرى، لكن الإعلام المصري كان أبعد من محاولات طرح هذه الأسئلة رغم عاديتها ومنطقيتها  بحجم اعتياد حوادث القطارات في مصر.

“فيديو لن يذيعه الإعلامي عمرو أديب”

بعد حادث قطار سوهاج بدقائق قليلة انتشرت فيديوهات للأهالي لتوثق حجم الكارثة مع فيديوهات بث حي للمصابين العالقين داخل القطار، كشف الفيديو الأول الذي جاء تحت عنوان“فيديو لن يعرضه عمرو أديب” أن فرق الدعم والإنقاذ وقوات الأمن المركزي وصلت إلى موقع الحادث في الرابعة عصرا، في حين أن الحادث وقع في الحادية عشر صباحا، وأن وزير النقل لم يظهر في موقع الحادث سوى في الساعات المتأخرة من اليوم مطالبا الأهالي بمساعدته في نقل القطارين ، وظهر فيديو آخر للأهالي وهم يردون على وزير النقل بعبارات إرحل إرحل .

تبرز مرة جديدة حاجة ملحة لإغلاق باب الموت الذي يبتلع حياة المصريين في وسيلة نقل يومية تقلهم لساعات بحثًا عن الرزق، وإن لم تعلن مثل هذه الخطة فسيبقى هناك موعد مع مواجهة حادث أليم آخر بعد عام وربما أقل.

في الوقت الذي كان أهالي قرية “الصوامعة” بالقرب من الحادثة، يهرعون لنقل المصابين والموتى لسيارات الإسعاف، كانت هيئة السكة الحديد قد أصدرت بيانًا، تحيل سبب الحادثة إلى أن أحد الركاب عبث بفرامل طوارئ القطار، ترتب عليه اصطدامه بالقطار الروسي المكيف، وهنا تدخلت النيابة العامة، ببيان آخر، إذ طالبت بعدم إصدار بيانات أو تصريحات عن سبب الحادثة، لحين الانتهاء من التحقيقات، وجاء تصريح، رئيس لجنة النقل بمجلس النواب المصري، علاء عابد، واصفًا تقرير السكك الحديد، بــ”الإدعاءات” التي يجب نفيها، كأن كل الهيئات الرسمية تتواطأ مع الإعلام لتشييد سياج منيع من التعتيم على الكارثة.

استدعى عابد في تصريحاته نهج أجهزة الإعلام المصري، بتعمده التعتيم وتغيب المعلومات الصحيحة، إذ قال في تصريح تلفزيوني لقناة “النهار”، إن مصر لم تشهد أية حوادث قطارات منذ حادث “محطة مصر”عام 2018، في الوقت الذي جاءت فيه إحصائية الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء لعام 2020، أن حوادث القطارات عام 2019 وصل إلى 1863، مقابل 2044 حادثة عام 2018، في زيادة ملحوظة لقسوة هذه الحوادث، حيث توفى 42 شخصاً من بين 100 مصاب عام 2019، مقابل 43 متوفى من بين 100 مصاب عام 2018. 

بل وتمدنا الإحصائية بما يثبت عدم صدق المعلومات التي بثها رئيس لجنة النقل، إذ أن أكبر حوادث القطارات جاءت عام 2019، بواقع 1641 مصاباً.

عدد ضحايا حادث قطار سوهاج حتى الآن غير مؤكد فقد صرّحت وزيرة الصحة والسكان، هالة زايد، في مؤتمر صحافي بمجلس الوزراء،أن عدد المصابين 32 قتيلاً، و108 جريحاً، وهو ما يكذبّه محمد وحيد، أحد أطقم التمريض في مستشفى المراغة، الأقرب للحادث، إذ يسرد لـ”درج”، أن الأعداد التي يُعلن عنها، غير صحيحة إطلاقًا، ويحسبها الضعف، طبقًا لحالة الاستنفار بالمستشفى، واستدعاء جميع الأطقم الطبية، التي حاولت إسعاف بعض الحالات، وتحويل الأصعب والأخطر التي استدعت تدخلًا جراحيًا عالي المستوى، لمستشفى سوهاج التعليمي، ومستشفيات أسيوط. 

محمود عبد العال صحفي شاهد الحادثة وتابع عمليات الانقاذ ميدانياً فيها، يؤكد لـ”درج” أن الاصابات أكبر مما أعلن، “الوفيات أكثر بكثير مما أعلنته وزارة الصحة، كيف يمكن لخمس عربات من كل قطار، تهلك ويتوفى 20 فقط، خاصة في ظل وجود أكثر من 100 سيارة إسعاف، بتدعيمات من محافظتي قنا وأسيوط لنقل الضحايا”.

إقرأوا أيضاً:

السيسي يوفر 10 مليار جنية عوضاً عن إنقاذ أرواح المصريين

 رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، ردد  في المؤتمر الصحفي بديوان سوهاج، عبارة “سأتحدث كمواطن مصري”، متناولاً الأوضاع المتردية التي يشهدها مرفق السكك الحديدية منذ عقود طويلة، من إهمال وعدم تطوير وصيانة، مؤكدً على أن الدولة بدأت منذ ثلاث سنوات في التحديث اللازم. 

المفارقة، أن الرئيس عبد الفتاح السيسي في خطابه، خلال افتتاح عدد من المشروعات التنموية بالصعيد عام 2019، عبّر عن عدم مقدرته إنفاق 10 مليار جنيه على ما تحتاجه أعمال مرافق السكك الحديد من تطوير، خاصة وأنه لا يحقق إيرادات سوى مليار جنيه في ظل إنفاق ما يفوق 4 مليار جنيه على تشغيله وقتها،  والأجدى أن تودع الأموال التي تستخدم لهذا المرفق، البنوك لتجلب فوائد لاستثمارها مستقبلًا، وأضاف:” لما نيجي نقول المواطن أنا هزود عليك التذكرة جنيه، يقولك أنا غلبان مش قادر، طب ما أنا كمان غلبان مش قادر”. 

ورغم أن مارينا وبس، المدير الإقليمي للبنك الدولي في مصر، قد صرحت في أحد البرامج التلفزيونية، أن مصر اقترضت 440 مليون دولار، لتطوير السكك الحديد، دون اشتراط زيادة أسعار تذاكر قطارات السكك الحديد، إلا أن وزير النقل، كامل الوزير أعلن فور وصول عدد من القطارات الجديدة، عن ارتفاع أسعار التذاكر بنسبة تراوحت ما بين 25 إلى 150 بالمائة، وبلهجة “طبقية” خيّر المواطنين، ما بين “القديم” ذو الأسعار العادية، و”الجديد” ذو الأسعار الجديدة. 

تصريح السيسي عن لاجدوى الانفاق على القطارات

عقليات إعتيادية تدير القرارات

بعد الحادثة صدرت القرارات الاعتيادية، المعبرة عن بيروقراطية الحكومات المصرية المتعاقبة. حساب الرئيس السيسي على “تويتر”، نشر نعياً، وتوجيهات لرئيس الوزراء والأجهزة المعنية بالتواجد مكان الحادث، مع توفير التعويضات المادية اللازمة لأسر  “الضحايا” و “الشهداء”. 

الصحافي محمود عبد العال قال لـ”درج”، أنه لم يشاهد أي من الوزراء في موقع الحادث، بل اكتفوا بزيارة المستشفيات التي تستقبل المصابين والضحايا، وعقدوا مؤتمرات صحافية في ديوان محافظة سوهاج، بنفس القرارات التي نُشرت ضمن “تغريدة” الرئيس المصري، بتعويضات مالية، 100 ألف جنيه مصري لكل قتيل، وما بين 10 آلاف إلى 40 ألف لكل مصاب، تحكمها درجة الإصابة، وأوصى بعدم الحديث حول أسباب وقوع الحادثة، إلى أن تنتهي اللجنة الفنية المعنية من ممارسة عملها. 

تواطؤ

رفعت شكيب، أحد أعضاء مجلس النواب المصري، ويمثل دائرة “مركز المراغة” بسوهاج، زار مكان الحادثة، لكنه التزم في تصريحاته لـ”درج”، بالسردية المعلنة للحكومة المصرية معتبراً أن الحادثة “عادية جداً”،  إذ أصّر على صحة إحصائية الضحايا والوفيات المعلنة من قبل وزارة الصحة، “دعك مما يُقال، الأرقام الدقيقة هي ما أعلنتها الحكومة، أنا لا أركب الموجة الدنيئة التي تسئ للدولة، والحادث عادي جدًا، مجرد اصطدام قطارين، نتيجة عطل أحدهما”. 

محاولة فرض الرواية الرسمية للحكومة والنظام المصري للتعتيم على أسباب ونتائج الحادثة تبدو جلية في مواقف النواب الذين يفترض أنهم يمثلون المنطقة المصابة ومصالح أهلها. 

مصدر محلي فضل عدم اعلان اسمه أكد لـ”درج”، أن أعضاء النواب، الذين تم انتخابهم بشكل مستقل عن محافظة سوهاج (أحمد عواجة، حاتم مبارك،  رفعت شكيب) انضموا لحزب “مستقبل وطن”، حزب السلطة. والتبعية لموقف حزب السلطة هنا يضعف من مصداقية الانتخابات البرلمانية في صعيد مصر التي غالباً ما تقوم على العصبية والقبلية، ومنح وعود كاذبة للبسطاء، طمعًا في الوصول لود أعضاء السلطة التنفيذية. 

تتجلى هذه التركيبة في ضعف دعوات المحاسبة والمسائلة التي يفترض أن يقوم بها النواب في البرلمان المصري خصوصاً من ممثلي المنطقة، فالنائب رفعت شكيب وأثناء حديثه لنا، أعرب عن رفضه تقديم استجواب لوزير النقل لتحميله مسؤولية حادثة القطار، “أشهد أن كامل الوزير من أكفأ الوزراء، وأشهد له بكل الالتزام، وكل ما يقال عن تقادم قطارات السكك الحديد موجة كاذبة، التطوير يتم على أعلى مستوى”. 

عندما واجهنا “شكيب” بمطالبات المواطنين من موقع الحادثة ، برحيل وزير النقل “كامل الوزير”- إذ رددوا عبارة واحدة “ارحل، ارحل”- قال:”هذه ثورة غضب مواطنين ملكومين، طبيعية، لكن أصر على أنه يعمل بجهد، ومطالبات رحيله غير مقبولة، من الممكن أن يلام، كي يقدم المقصرين للمحاسبة”. 

المفارقة، أن الرئيس عبد الفتاح السيسي في خطابه، خلال افتتاح عدد من المشروعات التنموية بالصعيد عام 2019، عبّر عن عدم مقدرته إنفاق 10 مليار جنيه على ما تحتاجه أعمال مرافق السكك الحديد من تطوير

وزير النقل  اعتذر لأهالي صعيد مصر، إثر مطالبتهم برحيله، لشعورهم بالـ”طبقية”، و الـ”التمييز”، بعدما قرر عدم دخول قطار الصعيد لمحطة “رمسيس” بالقاهرة، وأن تكون محطته الأخيرة في “بشتيل” بالجيزة. 

إمكانية رحيل وزير النقل ، ضابط القوات المسلحة السابق، قد تكون معدومة، إذ من المعلوم أن الرئيس السيسي لا يستجيب لمطالبات إقالة وزراء أو مسؤولين تحت وطأة مطالبات شعبية، وهو ما تأكد في مواقف سابقة، في ظل أزمات وزيرة الصحة والمطالبات رحيلها، ومطالبات أولياء الأمور برحيل وزير التربية والتعليم طارق شوقي مع تصاعد أزمات التعليم. 

وكيل لجنة النقل، بمجلس النواب المصري، محمود الضبع أثناء حديثه لـ”درج”، لا يؤمن أيضًا برحيل وزير النقل، كامل الوزير، حيث يصر على أن “التطوير مستمر ودائم بالسكك الحديدية، وكل ما يُثار حول تحمله للمسئولية مجرد “كلام مرسل”، غير رسمي”. 

وفي تجاهل لخسائر المواطنين، ومحاولات جبر خاطرهم بتعويضات لا لاتغني عمن خسروه، يقول الضبع: “المصريون، لا يهمهم التعويضات المالية، وأشكر المؤسسات إنها شاركت في الإنقاذ، حيث قدمت بطاطين وأموال قدر المستطاع لمساعدة الضحايا”. 

تسلسل تاريخي للموت على القضبان

عام 1992، شهد الحادث الأول، إذ أدى اصطدام قطارات بـ”البدرشين” محافظة الجيزة،  إلى مقتل 43 شخصًا، ومنذ ذلك الحين، قليلًا ما يقدم وزير نقل مصري، استقالته، أو تتم إقالته، بل يُقدم الموظفين الصغار للمحاكمة، ويقتادون للسجون، بتهمة الإهمال، مثلما شهد عامي، 2006، 2009.

الحادثة الأفجع كانت عام 2002 الشهيرة بـ”قطار الصعيد”، بحكم قضائي يكشف نسق الأحكام القضائية المصرية، التي تصدر في مثل هذه الحوادث، بأن “سبب الحادث هو سنوات الإهمال وسوء الإدارة، والجناة الحقيقيين ما زالوا طلقاء”. 

تصريحات الضبع، تلمح إلى هذه النهاية، بأنه لا يمكن محاسبة أي مسؤول، إلا بعد انتهاء اللجنة الفنية التي أمر بتشكيلها السيسي، ولا نية للبرلمان، أن يقدم على استجواب وزير النقل، أو يحمله أية مسئولية. 

ولم يحمل كامل الوزير، وزير النقل، نفسه، أية مسؤولية، إذ اكتفى بعبارات عاطفية موجهة لأهالي الصعيد، من قبيل “أنا فلاح مصري مثلكم، ولو بيدي أسوق كل القطارات بنفسي”، بل لجأ إلى إعفاء أي موظف من المسؤولية قائلًا:”سائق القطار، صرخ أمامي بأن هناك من شد البلف، مما أدى إلى تعطل القطار واصطدامه بالقطار الآخر، ولا نعرف هذا الشخص”، ووعد بعدم تكرار الحادث الأليم مرة أخرى. 

وفيما يلملم المصريون مرة جديدة ضحايا اصطدام القطارات، تبرز مرة جديدة حاجة ملحة لإغلاق باب الموت الذي يبتلع حياة المصريين في وسيلة نقل يومية تقلهم لساعات بحثًا عن الرزق، وإن لم تعلن مثل هذه الخطة فسيبقى هناك موعد مع مواجهة حادث أليم آخر بعد عام وربما أقل.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
فاطمة بدري – صحافية تونسية
يذهب البعض إلى توصيف قرارات سعيد بأنها أشبه بـ”انقلاب” كان لا بد منه بالنظر إلى ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بفعل إصرار الحكومة وحزامها السياسي على العناد والمكابرة والمضي في سياسات أغرقت البلاد في أسوأ أزمة.
Play Video
لا تزال الصورة ضبابية في تونس، بعد قرارات الرئيس قيس سعيّد القاضية بعزل رئيس الحكومة هشام المشيشي وتجميد عمل البرلمان لمدة 30 يوماً، إذ توجت هذه القرارات أزمة سياسية حادة في البلاد.

3:31

Play Video
القضايا المتعلّقة بالكوارث البيئية الكبرى كنهب الموارد، ونهب الممتلكات، والتلوث، والاتجار غير المشروع في الحياة البرية، تخفي غالباً فساداً وراءها، تتورط فيه سلطات محلية أو شبكات مافيا أو شركات. ويفلت المسؤولون عن الكثير من هذه الانتهاكات والفضائح من الملاحقة القضائية كما تفلت الماء من بين الاصابع.

1:03:05

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني