fbpx

“الرجولة” حين تساق إلى الخدمة العسكرية

فئة كبيرة لا تتمتع بامتيازات الخدمة العسكريّة، الأمر أشبه بهدر يومي لطاقة الحياة وجهد الإنتاج، وسمعة المؤسسة السيئة لا ترتبط بطائفيتها أو قسوتها أو دورها السياسي فقط، بل بعدم جدواها بالنسبة إلى كثيرين من المنضوين تحتها...

يتردد ضمن بعض الأسر في سوريا قبل الثورة ومنذ بداية الألفية الثانية عبارة “الجيش صار سهل، بينخدم على إيد وحدة”، في دلالة على أن الخدمة العسكريّة في سوريا ليست أكثر من تمرينات رياضيّة وفرصة لتعزيز الصحة الجسديّة لمدة لا تتجاوز السنتين، مع تجاهل المهارات الأكروباتيّة غير المفيدة وإضاعة الوقت والإهانات، وغيرها مما ينظر إليه كجزء من بناء الرجولة العسكريّة. 

لا أعلم بدقة عن أي طبقة اجتماعيّة أتحدث في هذا السياق، ربما هي أسرتي فقط، أو من أعرفهم من جيلي، ربما هي الطبقة الوسطى والطبقة الوسطى الدنيا، تلك الفئات اللامسيّسة من سكان العاصمة دمشق، الطبقة الحذرة، القابعة في الظلّ، تلك التي لم تحلم بالتغيير، بل فضلت استنساخ شكل الأسرة النووية وإيجاد وظيفة ثابتة. هذه الفئة التي أجبر  فيها الآباء على الالتحاق المؤسسة العسكريّة، وتفادى الأبناء تكرار ذلك، آباء شهدوا عُنف سرايا الدفاع، وأبناء لم يشهدوا العنف قبل 2011، فئة لا يوجد بين أفرادها من هم عسكر ضمن رتب عالية تسهل علاقتهم مع “الدولة”، أتحدث عن آباء مدنيين وموظفين صغار، وتجار مياومين، ومهاجرين في الخليج وأوروبا يمدّون الأسرة بأموال حين يقسو العيش، وأبناء لا يكدحون لإعالة الأسرة بل يكتفون بأعمال صغيرة ومغامرات جنسية مبتذلة. 

كان لدي، أو لدينا، نحن أبناء تلك الطبقة يقين بأننا لن نذهب إلى الجيش أبداً، وسنعمل كل ما بوسعنا على تفادي الخدمة العسكريّة بكل أشكالها، ما يعني أننا في اللحظة التي نستنفذ فيها شروط التأجيل، لا بد من الرحيل، فلا يمكن أن نعطل أعمارنا وحيواتنا عاماً أو اثنين في الخدمة العسكريّة التي لن تفيدنا بشيء. 

خطاب تفادي الخدمة العسكريّة هذا يبدأ من المراحل المدرسية المبكرة، خصوصاً أن الدراسة هي سبيل الخلاص الأول، الزيارة السنوية لشعبة التجنيد هي التي تشحذ العزيمة وتعزز الخوف من عالم “الرجال العسكر” الذين يدونون أسماءنا ويجبروننا على قص شعرنا أو دفع رشوة لتفادي ذلك، إذاً لا بد من الجامعة لتجنب هذه المؤسسة، الأمر الذي جعل الكثير ممن أعرفهم يدرسون اختصاصات لا يعرفون عنها شيئاً  ولا تهمهم لكسب سنة أو اثنتين بعد سنوات الدراسة الأربع التقليديّة. 

نكبر كذكور من هذه الطبقة التي لا أعرف اسمها أمام رعب الخدمة العسكريّة، ولعنة أننا نمتلك قضباناً تحول الكثير من أنشطة حياتنا إلى تمارين على تفادي لحظة السوق إلى خدمة العلم، فكل شيء موقت، وكل الخطط المستقبليّة مهددة، طالما أن لا فكاك من لحظة السَوق، فالتأجيل يُستنفذ، ولا إعاقات دائمة تؤدي للإعفاء، حتى الزواج والإنجاب مُهددان، فرخصة الزواج تتطلب كتاباً من شعبة التجنيد، وأي وظيفة تتطلب بياناً بإتمام الخدمة، فلا مؤسسة توظف من هناك تهديد باختفائه لسنتين في قطعته العسكريّة. 

تقنيات الهروب والتفادي المرعبة 

ينفي التمرين على الرحيل الإحساس بالانتماء، نحن رجال موجودون في سوريا موقتاً، كوننا في لحظة ما سنرحل إلى الأبد أو لسنوات عدة من أجل تفادي هذه التجربة الإجباريّة، لتتحول الذكورة نفسها إلى همّ يحمله صاحبها، ويصل الأمر في سبيل التأجيل والهروب حداً مرعباً، البعض يفرط في سمنته لإعفائه أو تأجيله طبياً، البعض الآخر يفرط في نحله، ويتحول جهد التأجيل من فعل  فكري  (الدراسة) أو اقتصادي (الرحيل)، إلى شكل من أشكال تشويه الذات، ونفي فاعلية الجسد وقدرته على الحركة والتحمّل، كما تتسلل إلى الفضاء العام حكايات غروتيسكية عن النجاة من هذه المؤسسة. أحدهم حقن ساقه بالبنزين، آخر قطع سبابته، والأهم، أسطورة المثبطات الجنسية في مياه الشرب، ذاك الاستهداف المباشر للرجولة من المؤسسة الرجولية ذاتها، تلك التي تبحث عن رجال، أقوياء، أشداء، مطيعين، ذوي الحذلقات المقبولة، والزعبرات المتنوعة.  

لي صديق بحث قانونياً عن أسلوب لتفادي الخدمة العسكرية، والحصول على إعفاء دائم، واكتشف نصاً قانونياً يقول إن “اللقطاء”، يعفون من الخدمة العسكريّة في سوريا، و هنا خطرت له الفكرة، أن يطعن بنسبه إلى والديه، ليكون “وحيداً”، و”لقيطاً” ما يعفيه من الخدمة العسكريّة إلى الأبد. 

التحدي القانوني شبه مستحيل، هناك شروط شبه تعجيزيّة كي يثبت الواحد أنه “مجهول النسب” وأن اباه وأمه ليسا فعلاً أباه وأمه بل “مُنتحلين” حسب المصطلح القانونيّ. ما سهل الفكرة بالنسبة إليه صعوبة الاعتراف بفحص الحمض النووي كدليل قانوني في سوريا، ما يعني أن مجال الشك هائل، لكن المطلوب للطعن بالنسب بحسب المحامي الذي استشاره، هو وجود شهود لحظة ولادته من فرج أمه يثبتون أنه ليس  هو، بل شخص آخر، و عليه أن يصل إلى الشخص الآخر الذي يفترض أنه خرج من فرج الوالدة. مهمة مستحيلة، انتهت بأنه رحل عن سوريا من دون عودة. 

إقرأوا أيضاً:

أكذوبة “اليد الواحدة” تحوي ضمن خطاب من خدموا العلم قبل 2011 نوعاً من الحكمة، واتهام لـ”الخائفين” بالجهل، فكل ما يخطط له “الرجل” لن ينهار في حال قرر الالتحاق بالخدمة العسكريّة، وكأن هذا الشبح وهميّ، سببه “النعانيع” الذين لا يريدون الاستيقاظ مبكراً أو التمرن بشدة كل صباح لأجل تحسين عضلاتهم، فـ”الرجال الحقيقيون” يرون في الخدمة العسكريّة فرصة لبناء أجسادهم، واختبار قدرتهم على التحمّل، هي مغامرة موقتة مضمونة النتائج. 

لن أتحدث عن الذين ما زالوا إلى الآن يؤدون خدمة العلم في سوريا،  ولا الطبقية والطائفية داخل هذه المؤسسة، ولا بنيانها الداخلي، ولا دورها السياسي، بل ألاحق المُتهربين والمؤجلين والفارين، الذين حتى الآن، و على رغم أنهم خارج سيادة النظام، ما زال شبح الخدمة العسكرية حاضراً أمام أعينهم، فهناك “الخوف” من الزيارات السنوية لأسرنا للسؤال عن سبب عدم التحاقنا بالخدمة العسكريّة أو على الأقل أماكن وجودنا. هناك أيضاً تهديدات بالحجر على أموال ذوي المتخلف ومن حوله، كل هذا إن افترضنا أن من ترك سوريا لا مشكلة سياسية لديه مع النظام، بل يريد فقط التهرب من الخدمة العسكريّة، التي أعلن أخيراً أن رفض أدائها يبيح للرجل طلب اللجوء في أوروبا، وكأننا كذكور مُلاحقون ومهددون من النظام السوري بسبب أعضائنا التناسليّة، ولا أحاول هنا أن أستعرض مظلوميّة جندرية، بل أستعرض تهديداً حقيقياً لكل ذكر مهما كان موقفه السياسي من النظام السوري، وهو تهديد ما إن نولد حتى نتعلم كيف نتفاداه، ونحاول أن ننجو من ويلاته. 

أخبرني صديق لي حين قدم طلب اللجوء في فرنسا، أن المحقق سأله يوم المقابلة: “لم على فرنسا أن تقبل طلب لجوءك وأنت لم تخدم جيش وطنك ، ألست وطنياً؟ ألا تحب وطنك؟ ألا تريد حمايته من الأعداء؟”، اعتلت الدهشة وجه صديقي حتى وهو يعيد تكرار الحادثة، فالسؤال لا علاقة له بموضوع المقابلة وطلب اللجوء نفسه، الذي يتمحور حول “إثبات خطر ذاتي وشخصي على طالب اللجوء، يجعل عودته إلى بلاده تعني موته”، وعادة ما يكون الخطر سببه سياسي، ويُذكر التهرب من الجيش بوصفه رفضاً للانضمام إلى ماكينة القتل، الأمر الذي يعرف المحقق أنه يلاحق كل طالبي اللجوء. 

يستطرد الصديق ويخبرني عن  الإجابة التي ارتجلها حينها، والتي على رغم ضحكي حين سمعتها تقسم إلى جزءين، الأول شعريّ والثاني واقعي، القسم الواقعي مفاده أن صديقي لا يرى نفسه يحمل السلاح، أو حتى يتمرن عليه، ناهيك بوجوب استخدامه للقتل والاشتباك، أما الجانب الشعري الذي ألّفه  حينها فأقتبسه مباشرةً “سوريا تحوي عدواً للشعب اسمه النظام السوريّ، أنا أجبن من أن أحمل السلاح بوجهه، ولو أعلم أن موتي سيؤدي إلى رحيله، فليكن موتي إذاً ، لكن لا ضمانة لذلك”، ويضيف لاحقاً أنه لم يقرأ من وجه المحقق إن كان اقتنع بالجواب أو لا. 

بقي سؤال الوطنية يتحرك إلى الآن لدي، كثيرون مثلي تمرنوا على الرحيل من سوريا قبل اشتعال الثورة في السوريّة، والبعض اختار الاختفاء الكليّ تفادياً للخدمة العسكريّة، سنوات طويلة أمضاها البعض في الخفاء إلى حين سقوط النظام، وما زالوا إلى الآن بحكم المتخلفين، والبعض الآخر، على أعين الجميع، يمارس كل أنشطة حياته، بعيداً من تهديد الشرطة العسكريّة، لأنه ببساطة “مظبّط وضعه” بحيث لا يتم سوقه. 

نحن هنا أمام إشكالية في تكوين الرجولة، فهناك قوة تطبق على فئة من الذكور من أجل تفادي الخدمة العسكريّة، تلك القوة تدخل في تكوين أدوارهم ومهماتهم، والأهم، علاقتهم مع “الوطن”، شبح السوق إلى هذه الخدمة يُختبر أثناء أول فحص طبّي نقوم به للحصول على دفتر التجنيد،  وأذكر بدقة سلسلة “العيوب” التي حاولت إثباتها في جسدي مدللاً أملاً زائفاً بالحصول على إعفاء أو خدمات ثابتة، وكانت القائمة على الشكل التالي : “العته، بهاق في القدم اليمنى حد منتصف الجسد مع إمكانية الانتشار، انحراف في العين اليمنى، نحول غير طبيعي، مرض وهمي نادر يمنعني من التعرض للشمس”، القائمة كلها شطبت ما إن القى علي الطبيب المعاين نظرةً سريعةً، وأكّد أنني كأقراني، جاهزٌ لخدمة العلم، وبانتظار لحظة السوق المؤجلة. 

يهدد جهدا التفادي والهروب الانتماء إلى المكان، خصوصاً ضمن أُسرٍ ترى في أبنائها “قرّة عينها”، ولا يمكن إرسالهم إلى مجاهل الخدمة العسكريّة وقسوتها، بالتالي يظهر الخطاب الأسري بوصفه تجهيزاً للفقدان، فكل شيء موقت من حولك، ولا بد من استعداد دائم للمغادرة، هذه البلاد ستلتهمك عبر مؤسستها العسكريّة، وأي محاولة لـ”بناء حياة” أو “الاستقرار” مهددة فالأرض غير ثابتة، وحرفياً قد تبتلع من عليها. 

الأهم، فئة كبيرة لا تتمتع بامتيازات الخدمة العسكريّة، الأمر أشبه بهدر يومي لطاقة الحياة وجهد الإنتاج، وسمعة المؤسسة السيئة لا ترتبط بطائفيتها أو قسوتها أو دورها السياسي فقط، بل بعدم جدواها بالنسبة إلى كثيرين من المنضوين تحتها…  أشبه بوعد تقدمه السلطة لرجالها بأنها ستهدر أعمارهم، وتهددهم طالما أن اسمهم مسجّل في ذاك الدفتر الكبير في شعبة التجنيد، حيث الحواف المهترئة والمتعفّنة، وبعد الثورة أصبح الأمر أشد، هناك مؤسسة سترميكم أيها الرجال إلى الموت، بل وقد تدفعكم لقتل أقرانكم أو تقتلكم هي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
نعم غادة عون تجرأت على فاسدين كباراً، وهذا ما لن نحسبه لها، طالما أنها فعلته في سياق حرب فاسدين على فاسدين.
Play Video
6 سنوات مرت على غياب محمد الصنوي عن منزله وزوجته وأطفاله مذ اختطفته “جماعة أنصار الله” الحوثية. أسرة الصنوي أنموذج للكثير من أسر المختطفين والمخفيين في سجون جماعة أنصار الله، والذين لا يُعرف مصيرهم وحقيقة التهم الموجهة إليهم وإن ما زالوا أحياء أم لقوا حتفهم.

2:26

Play Video
كيف يعالج الصحفيون الأردنيون المواضيع المتصلة بالأسرة الهاشمية الملكية مع محاذير النشر القائمة ومن أين يستقون معلوماتهم ومصادرهم من دون خطر التعرّض للقمع والملاحقة؟ وهل يمكن اعتماد تطبيق كلوب هاوس مساحة آمنة ومهنية لتبادل المعلومات في العمل الصحافي؟الامير حمزة

34:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني