fbpx

“أمنا الكبيرة” نوال السعداوي التي دافعت عن النساء ضد النظام “الأبوي”

خاضت نوال السعداوي معارك شديدة، من أجل تجريم ختان الإناث، وواجهت بسببه مشاكل كثيرة، إلا أنها لم تتوقف عن انتقاد هذه العملية البشعة...

عندما ظهر لي خبر وفاة الكاتبة والناشطة والطبيبة المصرية نوال السعداوي عن عمر يناهز 90 عامًا على موقع فايسبوك، في خضمّ منشورات كثيرة حول عيد الأم، كان أول تعليق “عفوي ومباشر” كتبته على :”رحلت أمنا الكبيرة نوال السعداوي”.

لماذا وصفت نوال السعداوي بـ”أمنا الكبيرة”؟ سألت نفسي، وكانت الإجابة بسيطة: فالمعركة من أجل المساواة بين الرجل والمرأة في العالم العربي، والمعارك التي تخوضها النساء في ظل مجتمع أبوي وذكوري، والجهد النسوي الحاصل في المنطقة العربية بشكل عام، ومصر بشكل خاص، فيما يخص وضع المرأة في القانون، والقمع والعنف الممارس عليها من الرجل والمجتمع، كلها قضايا تستند إلى إرث نضالي طويل لإمرأة اسمها نوال السعداوي.

ترحل نوال، بعد مضي أسابيع قليلة على ثلاثة أحداث أثارت جدلًا واسعًا في مصر، الحدث الأول هو تعديل قانون الأحوال الشخصية الجديد والذي سيجري مناقشته في البرلمان في الفترة المقبلة، وخصوصاً البنود التي لم يركز الإعلام المصري عليها، وتحديداً المواد التي تتعلق بمسألة الزواج  والتي تنص على “السماح لأحد أولياء المرأة برفع دعوى تطالب بفسخ عقد الزواج خلال عام من عقده إذا رأى عدم وجود تكافؤ في الزواج، أو عدم حصولها على مهر مناسب”، إضافة إلى “عدم جواز سفر الأم الحاضنة مع أطفالها من دون موافقة كتابية من الطرف غير الحاضن، وهو الأب. وكذلك عدم قدرتها على استخراج أي أوراق رسمية للأطفال أو اتخاذ قرارات الولاية التعليمية من دون إذن كتابي من الطرف غير الحاضن”.

والحدث الثاني هو تحرش رجل بطفلة في إحدى العمارات في منطقة المعادي. والدفاع الشرس من قبل إسلاميين ومتدينين عن الرجل المتحرش، أو محاولة تبرير فعلته.

أما الثالث، فهو حادثة مقتل سيدة في منطقة دار السلام في القاهرة، داخل شقتها، على يد البواب وزوجته بمساعدة الجيران، بعد اقتحام شقتها، وقتلها ورميها من شرفتها نحو الشارع، بحجة أن استضافت صديقها في الشقة، لتكشف التحقيقات في الجريمة، أن من كان عندها هو عامل الأنابيب، وأن السيدة كانت على خلاف مع صاحب الشقة، وقرروا جميعًا – صاحب الشقة والبواب وزوجته وباقي المتهمين – تدبير تهمة جاهزة لها بأنها كانت تمارس “فعلًا شائنا” مع صديقها.

” شغلي عقلك أليس عندك عقل؟!” تقول نوال: ” هكذا تحررت من السلطة الأبوية فيما يخص الدين وبدأت أشغل عقلي في كل أمور الحياة بما فيها السلطة والجنس، لقد ولدت أنثى، وأدركت في جميع مراحل عمري أن هناك علاقة وثيقة بين السلطة والجنس.”

مواضيع حساسة تتصل بقضايا مماثلة، كرست نوال السعداوي عمرها من أجل الدفاع والكتابة عنها، سواء بكتاباتها البحثية، ومقالاتها في الصحف، أو في أعمالها الروائية.

في كتابها “توأم السلطة والجنس”، وهو مجموعة مقالات كتبتها السعداوي في فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، تتذكر الكاتبة اشتباكها الفكري الأول مع النصوص الدينية التي تعطي للذكور مكانة وسلطة على حساب تحجيم دور الإناث، وجعلهن خاضعات لإمرة الرجل. تروي السعداوي، أنها وفي عمر العاشرة، كانت في مدرسة ابتدائية في مدينة صغيرة في محافظة المنوفية اسمها منوف، وكانت ناظرة المدرسة إنجليزية، تقرأ عليهم أحيانًا بعض الآيات من الكتب المقدسة(من العهدين القديم والجديد): ” وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات، فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا .. إذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن أولادا”. 

تقول السعداوي: “في العاشرة من عمري توقفت أمام عبارة ” دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهن أولادا” تحيرت قليلًا، كيف يكون لله أبناء من الذكور فقط وليس الإناث، لكن تحيرت أكثر؛ كيف يكون لله أطفالاً ذكورًا أو إناثًا وهناك آيات متعددة في القرآن تؤكد أن الله لم يلد ولم يولد. وسألت أبي فقال لي: إن كتاب التوراة قد حرفت فيه بعض الآيات”.

لاحقًا، وفي العشرين من عمرها، وهي طالبة في كلية الطب، ستعيد نوال قراءة الكتب الدينية، كما تروي، وستتوقف أمام كثير من الآيات، وستزداد أسئلتها لأبيها، ليتبين لها أنه لا يملك الإجابة على كثير من الأسئلة، وبعد أن ضاق صدره من أسئلة ابنته العشرينية ، قال لها: ” شغلي عقلك أليس عندك عقل؟!” تقول نوال: ” هكذا تحررت من السلطة الأبوية فيما يخص الدين وبدأت أشغل عقلي في كل أمور الحياة بما فيها السلطة والجنس، لقد ولدت أنثى، وأدركت في جميع مراحل عمري أن هناك علاقة وثيقة بين السلطة والجنس.

إقرأوا أيضاً:

وفي مقال كتبته  نوال السعداوي  لمجلة “أكتوبر” عام 1995، تحت عنوان ” ويسألونك عن الاحتباس” تنتقد قانون الأحوال الشخصية الذي لا يعطي حق الولاية للمرأة لا على نفسها ولا على أولادها، وتروي حادثة حصلت معها شخصيًا: “لم أعرف أنني “محتبسة” بحكم القانون إلا منذ فترة قصيرة حين أردت تجديد جواز سفري. ذهبت إلى المكتب المختص في الجيزة. رفض الضابط المسؤول تجديد جواز سفري. لماذا؟ هل أنا في قائمة الممنوعين من السفر لأسباب جنائية؟! أبدا. لمجرد أنني امرأة متزوجة، ولا يحق لي تجديد جواز سفري من دون موافقة الزوج. كان زوجي مسافرا، فقال لي الضابط المسؤول: هاتي شقيق زوجك. وشعرت بالإهانة. فأنا أستاذة في جامعة “ديوك” من أكبر جامعات العالم، وأنا كاتبة معروفة لي العديد من المؤلفات بجميع اللغات، وأنا طبيبة أعالج الناس فكيف يضع الناس أرواحهم في يدي وأنا لا أملك في يدي أمر نفسي، والجأ إلى شقيق زوجي ليمنحني الموافقة على تجديد جواز سفري؟!”.

في ذلك الوقت، رأت السعداوي، أن الاجتهادات الفقهية التي كانت تمنع ولاية المرأة أو ولاية غير المسلم كانت محكومة بظروف اجتماعية وسياسية اختلفت تماما اليوم. وإن الإسلام يقر مبدأ الاجتهاد. والاجتهاد هو تنزيل النص على الواقع، أو رفع الواقع أو المصلحة المتغيرة على النص الثابت. كما رأت أنه من الخطأ أن نتعامل  في بدايات القرن الواحد والعشرين بتفسيرات واجتهادات القرن التاسع أو الثامن، حسب تعبيرها.

وبنبرة ساخرة، تتساءل السعداوي لماذا لا تعطى المرأة “الولاية”، و”كيف تصبح المرأة في بلادنا وزيرة ومع ذلك تظل محكومة بقانون الاحتباس، ولا تستطيع تجديد جواز سفرها إلا بموافقة الزوج؟!”. ثم تجيب نفسها:”لقد آن الأوان لإلغاء قانون الاحتباس هذا، وغيره من القوانين التي تحرم الأم أو الزوجة من حقوق الإنسان الأساسية الممنوحة لكل من يبلغ الرشد”.

لذلك لا يمكن فصل النتاج الفكري والأدبي، والتاريخ النضالي لنوال السعداوي عن اللحظة الراهنة، وتأثيرها على الأجيال اللاحقة.

“لقد آن الأوان لإلغاء قانون الاحتباس هذا، وغيره من القوانين التي تحرم الأم أو الزوجة من حقوق الإنسان الأساسية الممنوحة لكل من يبلغ الرشد”.

وتشاء المصادفة أن يقر مجلس الشيوخ المصري قرارًا بتغليظ عقوبة الختان، الذي ينص على “استبدال المادة 242 مكررا من قانون العقوبات التي تنص على ان “يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات كل من أجرى ختان الأنثى بإزالة جزء من أعضائها التناسلية الخارجية بشكل جزئي أو تام أو إلحاق إصابات بتلك الأعضاء فاذا نشأ عن ذلك الفعل عاهة مستديمة تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن سبع سنوات أما إذا أفضى الفعل إلى الموت تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن عشر سنين”. لتصبح العقوبة بعد تعديل المادة ” العقوبة بالسجن المشدد، لمدة لا تقل عن 15 سنة، ولا تزيد على 20 سنة في حال أفضى الفعل إلى الموت”.

ومن أجل هذه القضية تحديدًا خاضت نوال السعداوي معارك شديدة، من أجل تجريم ختان الإناث، وواجهت بسببه مشاكل كثيرة، إلا أنها لم تتوقف عن انتقاد هذه العملية البشعة، ولا عن سماع حكايات النساء اللواتي كنّ تأتين إلى مكتبها ليروين لها قصصهن مع الختان وآثاره النفسية والجسدية التي لم تمح مع مرور الزمن.

أليس هذا دور أم؟ تقول “أمّنا نوال”: “الدفاع عن حقوق الشعب لا يعني إغفال حقوق النساء أو تجاهل مشاكلهن الخاصة الملحة داخل البيت وخارجه، فالحياة الخاصة للإنسان (امرأة أو رجل) لا تنفصل عن الحياة العامة لكل منهما، والمرأة العاجزة عن الدفاع عن كرامتها وحريتها لا تستطيع أن تدافع عن كرامة الوطن أو حريته. فاقد الشيء لا يعطيه”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
لا شك في أن حفل الزفاف الباذخ هذا سيكون محطة في مسيرة “حزب الله” لا توازيها محطات كثيرة امتحنت فيها صدقية خطابه.
Play Video
لا تزال الصورة ضبابية في تونس، بعد قرارات الرئيس قيس سعيّد القاضية بعزل رئيس الحكومة هشام المشيشي وتجميد عمل البرلمان لمدة 30 يوماً، إذ توجت هذه القرارات أزمة سياسية حادة في البلاد.

3:31

Play Video
القضايا المتعلّقة بالكوارث البيئية الكبرى كنهب الموارد، ونهب الممتلكات، والتلوث، والاتجار غير المشروع في الحياة البرية، تخفي غالباً فساداً وراءها، تتورط فيه سلطات محلية أو شبكات مافيا أو شركات. ويفلت المسؤولون عن الكثير من هذه الانتهاكات والفضائح من الملاحقة القضائية كما تفلت الماء من بين الاصابع.

1:03:05

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني