fbpx

عن هيثم محمدين ورفاقه و”التدوير” : الحبس بلا نهاية في مصر

غياب نمط واضح لعمليات الاعتقال والتدوير وغيرها، يبقي الأمور ضبابية ويجعل الجميع في حال دائم من توقع الأسوأ لأنفسهم ولذويهم وأصدقائهم داخل السجون وخارجها...

في العاشر من آذار/ مارس 2021، كان يفترض أن يكون المحامي والناشط السياسي هيثم محمدين خارج قضبان السجن، مع صدور قرار بإطلاق سراحه بعد أشهر أمضاها محبوساً احتياطياً على ذمة القضية رقم 741 لسنة 2019، إنما ما حصل أنه قبل تنفيذ ذلك القرار أمرت نيابة أمن الدولة العليا بحبس المحامي الحقوقي والناشط السياسي، هيثم محمدين، 15 يوماً على ذمة التحقيق في القضية رقم 1956 لسنة 2019. 

ما تعرض له هيثم هو ما اصطلح الحقوقيون والمتابعون في مصر على تسميته “التدوير”، وهو أن يحال المعتقل إلى النيابة، فتأمر بحبسه على ذمة قضية بينما لا يزال رهن الحبس أو مطلق سراحه على ذمة قضية أخرى. هيثم محمدين يواجه الآن عملية تدوير ثانية بحقه. فقبل القضية رقم 741 لسنة 2019، كان محمدين بين متهمي القضية رقم 718 لسنة 2018. ألقي القبض على محمدين في منتصف أيار/ مايو 2018، وأمرت نيابة أمن الدولة العليا بحبسه على ذمة هذه القضية التي عرفت حينها إعلامياً بقضية “معتقلي المترو”، وهي قضية أنشئت على خلفية احتجاجات تسبب فيها رفع أسعار تذاكر مترو أنفاق القاهرة.

 ظل محمدين محتجزاً على ذمة هذه القضية حتى 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2018، عندما رفضت محكمة جنايات الجيزة استئناف النيابة على قرار سابق للمحكمة بإخلاء سبيله واستبدال حبسه الاحتياطي بإجراءات احترازية شرطية، وهو ما يعني أن يبقى محمدين في قسم الشرطة التابع له محل سكنه. وفي هذا القسم اعتقل محمدين مرة أخرى في 14 أيار 2019، وظهر أمام نيابة أمن الدولة العليا، بعد يومين من الإخفاء القسري، وأمرت النيابة بحبسه احتياطياً على ذمة القضية رقم 714 لسنة 2019.

الحكومة المصرية لا تعترف بالأساس بوجود معتقلين سياسيين في سجونها، وهي تصر على أن هؤلاء جميعاً متهمون بجرائم جنائية.

ليس محمدين حالة خاصة في أي حال، فثمة في أدنى تقدير عشرات المعتقلين الذين تعرضوا للتدوير بين قضيتين أو أكثر. وفي الحقيقة، ربما يبلغ عدد هؤلاء مئات، ولكن لا إحصاء موثوقاً لهم ولا لأعداد المعتقلين السياسيين في مصر، سواء من كان منهم محبوساً احتياطياً بحجة التحقيق في قضية أو أخرى، أو من كان يمضي فترة عقوبة بعد حكم بإدانته.

 الإجمالي التقديري لعدد المعتقلين السياسيين الذي أوردته بعض المنظمات الحقوقية في مصر في تقاريرها يزيد على 60 ألف معتقل سياسي. ولكن من المستحيل تقريباً التأكد من دقة هذا الرقم أو غيره. فالحكومة المصرية لا تعترف بالأساس بوجود معتقلين سياسيين في سجونها، وهي تصر على أن هؤلاء جميعاً متهمون بجرائم جنائية. محاولات حصر الأعداد التي تقوم بها منظمات حقوقية، تعتمد على أن يبلغها الأهالي باعتقال أبنائهم أو على أعداد المدرجين على قوائم المتهمين في القضايا التي تعلم بها. وفي الحالتين لا يمكن أن تصل هذه المنظمات إلى جميع المعتقلين ومن ثم لا يمكنها حصر أعدادهم على وجه الدقة.

ما هو التدوير وما آلياته؟

التدوير هو إحدى آليات إطالة فترات الحبس الاحتياطي للمعتقلين لأجل غير مسمى. ولنفهم الصور المختلفة للتدوير علينا إيضاح بعض القواعد العامة الحاكمة لمسار الحبس الاحتياطي بحسب القانون والواقع الحالي في مصر. بعد إلقاء القبض على المعتقل، وفي معظم الأحيان بعد فترة من الإخفاء القسري قد تطول لأيام أو أسابيع أو شهور وفي بعض الحالات لسنوات، يظهر أمام نيابة أمن الدولة العليا، والتي لها حق الأمر بحبسه احتياطياً على ذمة التحقيق في إحدى القضايا لمدة أقصاها 15 يوماً، ولها الحق في تجديد هذا الحبس مرات عدة، بإجمالي أقصاه 150 يوماً. بعد ذلك يصبح تجديد الحبس الاحتياطي من اختصاص قاضي التجديد، والذي له الحق في تجديد الحبس بحد أقصى 45 يوماً في كل مرة، ولا يجوز وفق القانون أن يتجاوز إجمالي مدد الحبس الاحتياطي سنتين.

إقرأوا أيضاً:

صور التدوير

أولى صور التدوير هي تلك التي تدعو الحاجة إليها عندما يستنفد الحد الأقصى للحبس الاحتياطي للمعتقل، ويصبح إطلاق سراحه وجوبياً بحسب القانون، حينها يعيد جهاز الأمن الوطني تقديم المعتقل لنيابة أمن الدولة على ذمة قضية جديدة. 

الصورة الثانية هي عندما يأمر قاضي التجديد بإطلاق سراح المعتقل بكفالة أو استبدال حبسه احتياطياً بإجراءات احترازية. في هاتين الصورتين للتدوير لا ينفذ أمر إطلاق سراح المعتقل من الأساس في معظم الأحوال. فبعد نقل المعتقل إلى قسم الشرطة التابع له محل سكنه، لتنفيذ إجراءات إطلاق سراحه، يتم استبقاؤه لحين وصول موافقة جهاز الأمن الوطني، ولكن بدلاً من ذلك قد يختفي المعتقل من محبسه ليمر في فترة من الإخفاء القسري قبل أن يظهر مجدداً أمام النيابة أو ينقل إليها مباشرة لتدويره على قضية جديدة. في بعض الأحيان، قد ينفذ أمر إطلاق السراح، ويظل المعتقل فترة من الوقت خارج السجن، قبل أن يعاد اعتقاله وتدويره على قضية جديدة.

في الصورة الثالثة للتدوير، لا تكون فترة الحبس الاحتياطي قد بلغت الحد الأقصى لها ولا يكون المعتقل قد حصل على أمر بإطلاق سراحه، ومع ذلك يفاجأ هو ومحاموه بنقله إلى النيابة وعرضه عليها للتحقيق معه في قضية جديدة. في هذه الحالة، من الواضح أن الغرض لا يكون تمديد الحبس الاحتياطي وإنما إعادة تستيف/ تنظيم القضايا. أحياناً يتم تجميع المعتقلين المتفرقين في قضايا “ثلاجة”، وهي تلك القضايا التي يتهم فيها أعداد من المعتقلين بشكل يبدو عشوائياً، والغرض الأساسي من ذلك هو “تخزينهم” لبعض الوقت لحين إعداد قضايا جديدة يعاد توزيعهم عليها. لماذا يوزع هذا المعتقل أو ذاك على قضية أو أخرى، هو أمر يصعب كثيراً التكهن به. في معظم القضايا توجه للمعتقلين قائمة اتهامات أصبحت نمطية مثل: الانضمام إلى جماعة إرهابية، مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أهدافها، نشر أخبار كاذبة، إلخ. ومن ثم فالفروق بين القضايا بخلاف زمن خلقها ليست واضحة في معظم الأحيان، بخاصة أن الغالبية الساحقة منها لا تحال إلى المحكمة للفصل فيها.

لا نستطيع تحديد أهداف جهاز الأمن الوطني من عمليات الاعتقال وإنشاء القضايا ثم تدوير المعتقلين بينها لإطالة حبسهم.

عدم الإحالة إلى المحاكمة في أغلب القضايا المحبوس على ذمتها معتقلون سياسيون، يرجح تصور حقوقيين بأن الحبس الاحتياطي يستخدم في حد ذاته كعقوبة من دون محاكمة. هذا بالتأكيد هو أثر تمديد فترات الحبس الاحتياطي بحجة تحقيقات لا تُجرى في الواقع. ولكن هذا لا يعني أنه الغرض الأساسي من حرص جهاز الأمن الوطني على استبقاء هؤلاء المعتقلين بالسجن. 

إبعاد البعض عن الشارع أو عن المجال العام قد يكون الهدف من حبسهم لمدد طويلة. الضغط على المعتقلين أنفسهم أو على ذويهم خارج السجون وربما خارج البلاد قد يكون هدفاً آخر. في النهاية، لا نستطيع تحديد أهداف جهاز الأمن الوطني من عمليات الاعتقال وإنشاء القضايا ثم تدوير المعتقلين بينها لإطالة حبسهم. قد تكون هذه هي أدوات الجهاز للسيطرة على مجريات الأنشطة السياسية وأنشطة دعم المعتقلين وأسرهم، وتحديد من يمكنه أن يستمر في أي من تلك الأنشطة لبعض الوقت، وكذلك تحديد حجمها والمسموح به منها، مع ضمان اختراقها بسبل مختلفة، ومن خلال ذلك كله يسعى الجهاز إلى جمع المزيد من المعلومات طيلة الوقت، فهو قبل أي شيء جهاز استخباراتي. الفكرة أنه قد يكون من السذاجة تصور أن إطالة أمد الحبس الاحتياطي هي غاية في حد ذاتها، بخاصة إذا تصور البعض أن القضايا لا تحال إلى المحكمة لعدم كفاية الأدلة التي تضمن إدانة المتهمين فيها. فالحقيقة أنه في معظم الأحيان، يستطيع الجهاز ضمان أحكام الإدانة إذا أراد ذلك.

القضاء المسيس شريك في لعبة التدوير

جانب من السيطرة على مجريات الأمور يتحقق أيضاً للأجهزة الأمنية من خلال ما تحدثه آلياتها المختلفة من أثر في نفوس المعارضين خارج السجون. غياب نمط واضح لعمليات الاعتقال والتدوير وغيرها، يبقي الأمور ضبابية ويجعل الجميع في حال دائم من توقع الأسوأ لأنفسهم ولذويهم وأصدقائهم داخل السجون وخارجها. هذا بالضرورة يحجم حركة كثيرين إن لم يشلها تماماً، على جانب آخر يستنفد وقت المعارضين والمنظمات الحقوقية وجهدهم، في متابعة المعتقلين ومحاولة رعاية شؤونهم في محبسهم وتقديم الدعم القانوني اللازم لهم. الحبس الممتد هو في النهاية من بين أدوات إدارة حقل العمل السياسي التي تتولاها الأجهزة الأمنية، بشكل شبه منفرد.

 لم يكن ليتاح لجهاز الأمن الوطني مثل هذه المساحة الواسعة من حرية العبث بالآليات القانونية لتحقيق أغراضه إن لم تتراوح مواقف الأجهزة القضائية ما بين الانصياع التام لإملاءاته وبين التواطؤ والتعاون الطوعي معه. العوامل التي تضع الأجهزة القضائية في هذا الموقف قد يكون منها تآكل أي استقلالية كانت لها مع التعديلات الدستورية والقانونية في الأعوام القليلة الماضية، ولكن ربما يكون الأهم من ذلك هو توافق المصالح ووحدة الهدف. ثمة في الواقع شواهد على تسييس لمنصة القضاء، ولا يجد بعض القضاة حرجاً في الإعلان عن انحيازات يعتبرونها وطنية في حين أنها بلا شك سياسية. وفي حين أن اختزال الوطنية في الموقف السياسي الموالي للسلطة الحاكمة ليس جديداً في مصر على أي حال، فقد كانت السلطة القضائية طوال عقود ماضية تترفع عن التعبير الفج عنه من خلال ممارساتها العملية أو الخطابية.

ليس محمدين حالة خاصة في أي حال، فثمة في أدنى تقدير عشرات المعتقلين الذين تعرضوا للتدوير بين قضيتين أو أكثر.

السجناء أدوات السلطة

قضية المعتقلين في مصر وخصوصاً آليات الحبس الاحتياطي لمدد طويلة، بدلاً من الحسم القضائي بأحكام إدانة، لا ينبغي النظر إليها فقط على أنها تعكس صراعاً للسلطة في مواجهة معارضيها، بل على أنها تميل بشكل متزايد لتعكس استراتيجية طويلة الأمد لتشكيل الواقع السياسي وإدارته والتمهيد لأوضاع تضمن السلطة من خلالها استمراريتها على المدى البعيد. هذا في الواقع يجعل ذلك الإهدار لحياة آلاف المعتقلين السياسيين في السجون السياسية أكثر عبثية من الجانب الإنساني. فهم لا يدفعون ثمن مواجهة حقيقية بقدر ما أنهم هم أنفسهم أدوات في لعبة سياسية، لا أحد يعلم غاياتها أو مداها الزمني على وجه التحديد، سوى الذين يديرونها بدم بارد وفي غياب أي اعتبارات إنسانية.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
ربما من قبيل القسوة، القول إن الحدثين الدمويين الأخيرين لم يفاجئا أحدا، لا داخل أفغانستان ولا خارجها، وأولهم الشيعة الهزارة، ذلك أنهم لم يعرفوا مصيرا سوى القتل، منذ نشأة أفغانستان بحدودها الجغرافية الحالية.
Play Video

7:06

Play Video

2:08

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني