fbpx

النسوية المصرية وصيفها الطويل: مجموعات إلكترونية خارج السرب

تزامن تكوين المجموعات النسوية المتعددة مع خروج المناقشات حول الأبوية والجندر والجنسانية من غرف النخبة، والأكاديميا، وأصحاب الامتيازات التعليمية والطبقية في القاهرة، إلى عقول النساء على طول وادي النيل...

” أنا كنت مطلقة بقالي سنة وكنت بفكر أجمع كل السيدات المطلقات نتكلم، لكن رؤيتنا اتغيرت واشتغلنا ع التوعية وقضايا العنف ضد المرأة عموماً”. 

تشرح آية منير، المهندسة المعمارية والكاتبة، تحولات الصفحة النسوية المصرية “سوبر وومن” التي أسستها كمجموعة دعم من رحم تجربة شخصية عاصفة عام 2016، إلى تجمع نسوي واسع يحتضن 24 ألف شخص. تسرد آية بحماسة أنشطة صفحتها المعنية بمناقشة العنف ضد المرأة: “عندنا نادي كتاب، وصالون، ونناقش السينما من منظور نسوي، إلى جانب التوعية الجنسية”.

هناك الآن عشرات المجموعات النسوية على وسائل التواصل الاجتماعي المصري، جميعها تدور في فلك فتح مساحات الحوار حول النسوية والتوعية ومشاركة التجارب وتقديم الدعم.

وراء  محتوى “سوبر وومن” المميز قصة يجب أن تروى. تبدأها  آية (30 سنة)، ابنة مدينة الزقازيق، كثيفة السكان التي تقع شرق دلتا النيل، حيث اعتادت المجموعة في بدايتها تنظيم ورش حكي في مدينة الزقازيق للنساء المعنفات، ورأت أنه حان الوقت لإشراك الرجال في الفعاليات، الخطوة التي غيرت مسار عمل المجموعة بالكامل. تقول آية: “أول ما أدخلنا رجال في الحضور اتفاجئنا بحاجة تانية خالص، هاجم الذكور السيدات اللواتي كن يشاركن قصصهن، إما بالمقاطعة أو الاستهزاء”، وشرحت كيف تغيرت دينامية تعامل النساء مع قصصهن، وتحول هدف الحكي من التمكين إلى محاولات لاستجداء التعاطف حول أهمية تجاربهن. تؤكد آية “إحنا محتاجين الأول ندافع عن حقوقنا ونوعي المجتمع حوالينا بها عشان حكايات الستات تتقدر”.

أوضحت آية منير موقف أفراد أسرتها من عملها النسوي، “أمي تدعمني، كانت تحضر معي الفاعليات التي أنظمها، لكن بعدما اتضحت توجهاتي النسوية أصبحت لديها تحفظات، لكن دعمها مستمر”.  وأشارت آية إلى بعض المشكلات مع أخيها، فيما تحظى بتشجيع زوجها. تصف آية زوجها “ليس ذكورياً، لكنه غير نسوي بالضرورة”.

“سوبر وومن” ليست المجموعة النسوية الوحيدة خارج القاهرة. كانت لي الفرصة لأتعرّف إلى رحاب عمر مؤسسة مجموعة “نسوية عربية”، المنشور الأول قرأته لها كان عن رفضها منطق النسويات المسلمات الرافضات للمساواة الكاملة لمخالفتها الشريعة تقول فيه: “نسوية عربية يمنع فيه الكلام عن الأديان وربط النسوية بالدين بشكل نهائي”. 

وعلى رغم حداثة سن رحاب عمر (19 سنة) مؤسسة”نسوية عربية”، لكن المفاجأة أن مجموعتها رأت النور في قلب صعيد مصر.

“الظلم الذي تتعرض له النساء بسبب العادات والتقاليد المهينة للمرأة في الصعيد”.

 تسكن رحاب في مركز المنشأة في محافظة سوهاج التي غنت لها داليدا “دي عروسة النيل”. تبعد المدينة من القاهرة 500 كلم، وتعيش نساؤها في ظروف قاسية، فبحسب دراسات 95.5 في المئة من نساء محافظة سوهاج محرومات من الميراث، ويبلغ مجموع ممتلكاتهن  5.1 في المئة من إجمالي الأراضي الزراعية، فيما تصل نسبة «المرأة المعيلة» فيها إلى 24 في المئة، إضافة إلى مشكلات أخرى يتشاركنها مع نساء مصر الأخريات.

ما دفع رحاب إلى إنشاء المجموعة هو “الظلم الذي تتعرض له النساء بسبب العادات والتقاليد المهينة للمرأة في الصعيد”، وبقناعة راسخة تقول: “هذه أفكاري منذ بداية إدراكي، حتى من قبل أن أعرف كلمة نسوية”. 

تهتم مجموعة “نسوية عربية” بمناقشة الختان، والعنف ضد المرأة بجانب أهمية تعليم المرأة، وتوضح رحاب، الطالبة في كلية تربية رياضية، أن إنشاءها المجموعة كان في كانون الأول/ ديسمبر 2020، وأنها تخطت 20 ألف متابع في شهور.

اتهامات بالكفر والتحريض ضد المجتمع 

ما زالت كلمة “نسوية” تحمل الكثير من الوصم في مجتمعاتنا العربية، وترادف معانيها في العقل الجمعي أوصافاً مثل الانحلال الخلقي، أو “التشبه بالرجال”. استخدام الكلمة في المحافل التقدمية، ليومنا هذا، قد يثير التندر والسخرية فما بالك بمدينة يغلب عليها الطابع الريفي المحافظ حتى وإن وصلتها مظاهر الحداثة الرأسمالية؟ 

أطلعتني رحاب عمر على رسائل التهديد، وما تحويه من اتهامات التكفير والإلحاد والتحريض ضد قيم المجتمع من رجال أغضبهم نشاطها النسوي.

فيما كان معرض اعتراض أمها على نشاطها بقولها: “لن تتزوجي، فالرجال لا يحبون المرأة التى تتحدى سلطتهم”. تشير رحاب إلى أن زميلاتها في الجامعة لا يشاركنها أفكارها في العلن، “لكن في أعماقهنّ يعرفن أنني على حق”.

إقرأوا أيضاً:

صيف النسوية على مدار العام

تعزو آية منير الانتشار الواسع لمجموعتها، على رغم انطلاقها منذ سنوات إلى زيادة الوعي النسوي بعد قضايا مثل  “الفيرمونت” و “أحمد بسام زكي”. وأفادت بأن الزخم النسوي ساهم في تطور محتوى مجموعتها وإثرائه، وقدم إزاحات أكبر نحو استخدام لغة نسوية.

في الصيف الماضي، زلزل حسابان على “إنستاغرام” المجتمع المصري، يوثقان اعتداءات جنسية بشعة أبطالها رجال ذو نفوذ ومال. وظهرت خلال الشهور التالية مجموعة ناشطات نسويات على التطبيق، ينتمين إلى “جيل Z” أي أن أعمارهن أقل من 26 سنة، حاصلات على تعليم أجنبي، اللغة الإنكليزية هي اللغة الأولى في التواصل، وكشفن عن قضايا عنف جنسي ضد نساء الطبقات الميسورة في مصر.

ألقى نشطاء “إنستاغرام” حجراً في مياه راكدة، وكان التشكيك في استمرارية المجموعة، وقدرة المجتمع المصري الأوسع على اللحاق بركبها، نتيجة الخصوصية الطبقية للمجموعة التي تمثل نسبة قليلة من الأغنياء. 

ولذلك تعد مجموعات مثل “سوبر وومن” و”نسوية عربية” تجلياً لافتاً لاستعداد المصريات من الطبقة الوسطى الواسعة للاستجابة للحراك النسوي، ليس في القاهرة والإسكندرية وحسب، لكن من قلب الدلتا والصعيد أيضاً.

تملك آية منير رؤية لمجموعتها الإلكترونية في العمل العام، إذ تسعى إلى إنشاء تطبيق يساعد المعنفات في مصر من سن 18 إلى 50، بتقديم الدعم المادي والمعنوي والنفسي والقانوني لهن.

أنين المرأة العربية واحد

 فيما يتردد صدى المجموعتين المحليتين في الدول العربية حيث أنين المرأة واحد. يشترك في إدارة “سوبر وومن”، إلى جانب 3 سيدات من الدلتا، امرأة سورية  لاجئة في غانا، بينما تساعد في إدارة مجموعة “نسوية عربية” مع نسوة مصريات من مختلف المحافظات، امرأة لبنانية تعيش في لبنان. تقول رحاب “الهموم والقضايا واحدة في كل مكان”.

شمس “النسوية” الحارة

تملك آية منير رؤية لمجموعتها الإلكترونية في العمل العام، إذ تسعى إلى إنشاء تطبيق يساعد المعنفات في مصر من سن 18 إلى 50، بتقديم الدعم المادي والمعنوي والنفسي والقانوني لهن. أهداف مجموعة  “سوبر وومن” واضحة، بينما ما زالت “نسوية عربية” حديثة العهد، ترى فيها رحاب مساحة آمنة للنساء لمشاركة تجاربهن، وخبراتهن، وبذلك تنضج بذور الأفكار النسوية على مهل حتى تنضج.

تزامن تكوين المجموعات النسوية المتعددة مع خروج المناقشات حول الأبوية والجندر والجنسانية من غرف النخبة، والأكاديميا، وأصحاب الامتيازات التعليمية والطبقية في القاهرة، إلى عقول النساء على طول وادي النيل، ما يعكس تحديات جديدة على الخطاب النسوي وتطلعاته… فهل تنجح المجموعات النسوية المحلية بإعادة صياغة المحتوى النخبوي وضخه في المجال العام؟

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي نور الدين – صحافي لبناني
تكمن الإشكاليّة الكبرى في المجازفة التي قرر حاكم مصرف لبنان أن يتورّط بها بأموال المودعين، في ظل عطش البلاد لكل دولار تمكن المحافظة عليه في هذه المرحلة تحديداً.
Play Video
بعد أن دُقّ “جرس الانذار” مهدداً بغياب الانترنت، ازدادت مخاوف اللبنانيين من الانقطاع عن العالم الخارجي… فكيف سيبدو المشهد في لبنان بلا انترنت؟

2:08

Play Video
تحظى الرياضة النسائية بـ4% من التغطية الإعلامية المخصصة للرياضة في جميع أنحاء العالم، ما يساهم في تهميش الرياضيات، اللواتي يُنظر إليهن في المقام الأول على أنهن نساء ويُختصرن بمظهرهن أو عمرهن أو حياتهن الشخصية. ما الأسباب الكامنة وراء هذه المعاملة غير المتكافئة الملحوظة؟ وكيف يمكن أن تحرك وسائل الإعلام الخطوط وكيف تروج للرياضة كمحرك للتحرر للرجال والنساء؟

55:50

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني