fbpx

لبنان: عن خلدون الذي “قتله” النظام وأحمد الذي يحلم بحذاء

"دقولي مبارح بدن علبة ذرة شفت صارت بـ8000 قلتلن اطبخوا بلا ذرة، هيك صرنا شو بدنا نعمل الله يلعن اللي وصلنا لهون". يحزن عباس لأنه لم يستطع تلبية حاجات أولاده منذ فترة...

يرن هاتفي وأنا أكتب ما جمعته من قصص اليوم، تراسلني صديقتي رفيف: “ايمتى شفتي خلدون؟”، أجيبها بأننا تحدثنا نهاراً وأخبرني أنه سيزور المعالجة النفسية، وكان بخير فتجيبني: “خلدون كاتب رسالة انتحار”. أفتح هاتفي أقرأها وأنهار ثم أجمع نفسي لألاقي رفيف في أول شارع الحمراء، لنذهب إلى منزل خلدون الذي لا نعرف عنوانه بعد. المسافة بين منزلي في الحمراء وأول الشارع ذاته أخذت من عمري دهراً ، كنت أركض وأفكر بالرسالة التي تركها خلدون وهو يحمّل مسؤولية موته للنظام. الشارع ذاته مررت به ظهراً لأجمع قصص الناس، كنت أسمع صراخاً وهتافات، الشارع ذاته كان مظلماً وخالياً في تلك اللحظات. كان صوت أنفاسي وصراخي وأنا أحاول الاتصال بخلدون يكسر هدوء الشارع، كنت أناديه  حيث هو على الطرف الآخر من بيروت ، “لا يا خلدون ما تموت”. أيعرف النظام أننا نقتل في اليوم ألف مرة خوفاً على أحبائنا؟ ليس الجوع وحده ما يقتلنا، لقد بات جميعنا يعاني من اضطرابات نفسية إلى جانب ما تقدمه لنا السلطة من خيبات يومية. وصلت إلى أول الشارع أخيراً، وأنا أحاول أن ألتقط أنفاسي، سمعت صوتاً من الهاتف، “أنا بخير ما تقلقي ورفيقتي بالسكن وصلت منيح ما تخافي”، يقول خلدون، أؤنبه وأعرف أنه علي تأنيب النظام أولاً، في بلاد  تتعدد فيها أشكال الموت والسبب واحد.

نتجه إلى منزل خلدون، أصل إلى المبنى حيث يسكن، أسأل الناطور عنه فيسألني “الشاب يلي بيوزع إعاشات ومساعدات؟”، أجيبه “اي هو صحافي وبساعد الناس كمان صح”. أصل الى خلدون، أعانقه، أنظر الى وجهه المتعب، يقول “كنا عم نسجل حالات لناس محتاجين اليوم كل النهار زادوا بشكل جنوني معش قدرت اتحمل، معش لحقت حسيت حالي مربط”. 

أمسك بيده وأقول له “بدنا نعيش غصبن عن الكل”. يرد “ما رح يقتلنا النظام رح نقتله”. 

من يعرف خلدون جابر يعرف كم ناضل في الساحات منذ 2011، يعرف كيف حارب، ويعرف كم من مرة هدد واعتقل، جميعنا صرنا عرضةً للقتل في جميع الظروف. خلدون الحاضر الدائم في الساحات، أمسك بيده وأقول له “بدنا نعيش غصبن عن الكل”. يرد “ما رح يقتلنا النظام رح نقتله”. 

أتركه وأعود إلى المنزل لأكتب القصص التي جمعتها في ذاك اليوم، وهي بالمناسبة تشبه الليل بسواده. اللااستقرار، الأخبار أشبه بطبول الحرب، يرتفع سعر الصرف فيسقط الشعب أعمق في هاويته. 

لامس سعر صرف الدولار الـ15 ألف ليرة، المشهد من خلف الشاشة كان جنونياً، الجميع يبحث عن منفذٍ، تنتشر مقاطع فيديو لناس يتهافتون على شراء المواد الغذائية في  السوبر ماركت، لا بل يتشاجرون. تظاهرات في الليل وقطع الطرق، لقد فقد الناس القدرة على التحمّل، لا سيما بعد انفجار 4 آب/ أغسطس، في ظل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتدهورة وانهيار القدرة الشرائية، مقابل بقاء الرواتب على ما هي عليه.

جولة على طريق المأساة

أخرج من منزلي في جولة ترقبية إلى شارع الحمراء، ألتقي عباس حيدر الرجل المسؤول عن موقف السيارات القريب من المنزل. عادة ألتقي به كثيراً، لكنها المرة الأولى التي أجرؤ على محادثته، بطبيعة الحال جميعنا تقوقعنا تحت خبر واحد أو ربما سؤال “بقديش صار؟” (الدولار). وهذه حجة مناسبة جداً لبدء أي حوار حالياً. الحاج حيدر يسكن في الشويفات مع عائلته المكونة من 6 أفراد ، يقول لي “علبة السيدرز صارت بـ7000″، ثم يعطيني سيجارة ويطلب أن أجلس لنكمل الحديث. عباس هو من كثيرين لم تعد لرواتبهم قيمة وإن سألتهم عن الحل يصمتون. يأتي عباس (55 سنة) من منزله في شويفات بسيارته، لكنه اليوم قرر ألا يستخدمها بعد الآن، وأنه سيجد أحد أصدقائه الذين يمرون في الحمراء يومياً فيوصله في طريقه. يصمت قليلاً ثم يضع يده على رأسه، “أساساً مكسور علي سنة لإيجار البيت هلق والديون لفوق راسي اووف الله يسترنا من اللي جاي”. راتب عباس الذي يعيل عائلته الكبيرة  بات يساوي  100 دولار على سعر الصرف 15 ألف ليرة لبنانية، “كنت أول ما يرتفع الدولار إركض جيب زيت وسكر بس هلق ما رحت جيب شي خلص شوو بعد بدنا نمون  عم نعيش كل يوم بيومه”. 

يحزن عباس لأنه لم يستطع تلبية حاجات أولاده منذ فترة، “دقولي مبارح بدن علبة ذرة شفت صارت بـ8000 قلتلن اطبخوا بلا ذرة، هيك صرنا شو بدنا نعمل الله يلعن اللي وصلنا لهون”. عباس وعائلته  من المشاركين بالانتفاضة لكنه اليوم فقد الأمل من أي تغيير، يقول إنه لن يخرج مجدداً إلا بعصيان مدني، “بدك تأمني خبزك واكلك وبنزيناتك، بتقبضي خمسين ألف يومياً وبتصرفي 100 دين”.

“كنت أول ما يرتفع الدولار إركض جيب زيت وسكر بس هلق ما رحت جيب شي خلص شوو بعد بدنا نمون  عم نعيش كل يوم بيومه”. 

أغادر موقف السيارات وأتجه الى الشارع الرئيس، حيث تتوحد ملامح الوجوه في شوارع بيروت وكل لبنان، فيما يلامس الدولار سعره الجنوني، تسمع كلمات تتساقط من أفواه المارة، جميعهم يسأل “قديش صار؟”، جميعنا نتحول إلى مذيعي أخبار عاجلة، يتهافت آخرون إلى شراء احتياجاتهم الأساسية قبل أن يرتفع سعر الصرف أكثر.  أحدهم يحمل بيده مئة ألف ليرة ويتأملها يكاد يمزق نفسه قبل أن يمزقها يرفعها في الهواء ويقول، “هيدي معش تجيب غلن زيت”، ثم يكمل طريقه بصمت. 

على قارعة الطريق، سيدتان تجران أولادهما الأربعة، أقترب منهما لإجراء حديث. إحداهما مريم الصالح (18 سنة) سيدة سورية من مدينة منبج في ريف حلب، تسكن في عائشة بكار، لكنها تأتي إلى الحمراء لتزور أحد المتاجر الذي يبيع مواد غذائية بأسعار منخفضة على غرار المتاجر الأخرى، لكنه أقفل اليوم، لأنه لم يرد أن يرفع الأسعار. وبحسب أصحاب المتاجر الأخرى الذين التقاهم “درج”، إنهم يقفلون متاجرهم، إذ باتوا أمام حيرة تحديد الأسعار، لأن سعر الدولار بات يرتفع من ساعة الى أخرى. عند سؤال مريم عن كيف تتدبر أمور طفلتها الصغيرة مع ارتفاع سعر الحفاضات والحليب تجيب “عم نستبدل الحليب باللبن صرنا، اي شي ومرات ما منقدر نشربهم لبن”. مريم التي غادرت مع عائلتها سوريا عام 2018، تقرر اليوم العودة إلى هناك، على رغم الوضع المزري، تقول “بدنا نرجع لأن رح نموت من الجوع هون معش فارق معنا شي  يا منموت من النظام بسوريا أو من الجوع هون”.

هناء

أمشي خطوتين إلى الأمام، أرى سيدة تؤنب أحد أصحاب المتاجر، تطلب منه أن يغلق متجره “حرامية متل الصرافين كلنا لازم نتوحد كلنا نشل البلد لما يتجرأوا بعد”، سيدة خمسينية ثائرة لوحدها، نلتقي أمام متجر، تسأل صاحبه إذا كان سيرفع الأسعار أكثر  يجيبها بنعم. وتضيف: “التجار مجرمون مثل السلطة”.

هنا أم لولدين أرسلتهما إلى الخارج لأنها باتت تخاف عليهما من خطر الموت والمستقبل والجوع. “بس يغلا الدولار أول شي بجيب لبنة وجبنة أكتر من هيك لا، في غيري عم يعانوا أكتر”.

أخرج إلى الشارع الرئيس في الحمراء، أسمع هتافات، ينقسم الشارع إلى قسمين، الأول يشاهد بصمت والآخر يصرخ، أمر جانب رجل مشرد وأمامي عناصر من القوى الأمنية أسمعه يشتمهم بأعلى صوت “وسخ النظام”. ثم تمر سيدة تبدو منزعجة من مشهد الناس يتظاهرون، تنظر إليهم باستخفاف، يصرخ بها أحد المتظاهرين، “ايي نحن مخلوقات غريبة جايين من لبنان”. لم ترد عليه وأكملت جولتها بين المحلات. أمشي على الرصيف  أجول مع الناس أزقة الحمراء، حيث يرغمون  المتاجر على الاقفال فينجحون بذلك. بعدها ينضمون الى المعتصمين  أمام مصرف لبنان، لا إعلام  يغطي المشهد، فقط شبان وشابات أرادوا أن يسجلوا اعتراضاً.

“رفقاتي اقنعوني انو استفيد من هالشي بلكي بطلع مصاري لجيب اكل لإمي واختي” يقول أحمد كسارة (23 سنة) ابن طريق الجديدة،  يشارك في جميع التظاهرات، منذ 17 تشرين، مشيراً إلى أنه يومه الأول في جمع النحاس. يعيش مع أخته وأمه المقعدة بسبب السرطان الذي انتشر في كاهل جسدها بعدما توقفت عن العلاج، فحتى الأدوية المسكنة لم تعد متوفرة في ذلك المنزل. أحمد العاطل من العمل اليوم كان يعمل في السابق “بالعتالة” بحسب قوله، اليوم لم يعد قادراً على توفير الخبز لعائلته.

أحمد كسارة

“أنا واحد من بين مليون بني آدم يلي جاعوا نحنا بس بدنا ناكل، الأحزاب كلها ما طلعت فيني، أنا بس بدي عيّش أهلي”. يمضي أحمد وقته في ساحة الشهداء، هو الحاضر الدائم والأول في التظاهرات، لم يفقد الأمل يريد قوتاً وحياةً وحرية. يقول عن أحلامه: “خبز وأكل لأهلي وصباط لإلي”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
ربما من قبيل القسوة، القول إن الحدثين الدمويين الأخيرين لم يفاجئا أحدا، لا داخل أفغانستان ولا خارجها، وأولهم الشيعة الهزارة، ذلك أنهم لم يعرفوا مصيرا سوى القتل، منذ نشأة أفغانستان بحدودها الجغرافية الحالية.
Play Video

7:06

Play Video

2:08

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني