fbpx

لبنان: كمال عرض ابنيه للتبني وليال استدانت لدفن والدها!

"عرفت عند وفاته أن الدفن يكلّف بحدود 7 إلى 8 ملايين ليرة، وهذا مبلغ يغطي تكاليف الدفن اللوجستية وحسب. ولم أملك هذا المبلغ طبعاً. اضطررت إلى الاستدانة، لأغرق أكثر في الدين"...

عرض كمال شهاب توأميه، جلال وجواد للتبني. والدتهما، تجلس إلى جانبه ولا يبدو أنها تعترض على ما يقوله. يؤكد كمال إنه نسّق الخطوة مع زوجته، وتوصّلا إلى أن الحل الوحيد هو بعرض الولدين للتبني، أو تركهما في دار أيتام ليعيشا، بعدما أصبحت عاجزاً عن إعالتهما بسبب الأزمة الاقتصادية. 

“بلشت شوف محامية، وشوف شو الوضع القانوني، وكيف فيني اتنازل عن اولادي”. بالنسبة إليه لم يعد ممكناً التفكير بحلول أخرى مع الانهيار الاقتصادي الذي يصيب البلاد والذي ضربه في لقمة عيشه ومصدر رزقه الوحيد. فقد خسر كمال عمله في الجامعة الأميركية في بيروت منذ عام 2012، وهي الوظيفة التي كان يعتمد عليها ليعيل عائلته، علماً أن أمه تعيش في منزله أيضاً: “بالمبدأ أنا المعيل، مدامتي بتساعدني من خلال التدريس، كونها طردت من عملها من اول السنة. كانت موظفة في حضانة لخمس سنوات، لكن بسبب وضع البلد أقفلت الحضانة وطُرد الموظفون”. بعد ذلك بفترة قصيرة، طرد كمال تعسفياً من الجامعة الأميركية مع عشرات من زملائه، “ومن وقتها الحياة انقلبت، شعرت بأن أولادي سيظلمون في هذه الفترة، كانوا يتعلّمون في مدرسة خاصة، لكنني الآن لم أعد قادراً على دفع الأقساط”.

كمال نموذج لآلاف اللبنانيات واللبنانيين الذين وجدوا أنفسهم من دون عمل، ومن دون أي إنذار أو تعويض، بعد اشتداد الأزمة الاقتصادية وانهيار العملة إلى حدود غير مسبوقة، من دون سقف رادع لحجم الانهيار.

 تسببت الأزمة الاقتصادية بأضرار بالغة على معظم الفئات الشعبية، بطرائق مختلفة، بحسب الباحث نزار حسن. أكثر الفئات تضرراً هي فئة العمّال، التي تأذّت أكثر من غيرها بسبب جائحة “كورونا”، التي أتت لتزيد زيتاً على النار. وبسبب هاتين الأزمتين، تخلت مؤسسات عن الفئات الأضعف، أي العمال غير النظاميين وغير الرسميين، الذين يعملون من دون عقود عمل رسمية، وهؤلاء “لا شيء يحميهم من الصرف التعسفي”. في لبنان، تبلغ نسبة هؤلاء العمال حوالى 44 في المئة من مجمل العمالة على الأراضي اللبنانية. وليال أبو زهرة (29 سنة) واحدة من هؤلاء. صرفت من الشركة التي عملت فيها بعد تخرجها من الجامعة، بدرجة ماجستير في السياحة، لـ8 سنوات متواصلة. لكنها لم تكن مسجّلة في الضمان الاجتماعي، بمعنى آخر لم تكن موظفة بشكل رسمي، وبالتالي حين دقّت ساعة الصرف، لم تنذرها الشركة، ولم تعوّض عليها. صرفتها ببساطة من دون اي إنذار أو تعويض، لتجد نفسها على قارعة أزمة اقتصادية متوحشّة: “نحن بالبيت اجمالاً 3 أشخاص كنا نعيل العائلة، اول وحدة اختي تركت شغلها رجعت انا، حتى فترة كورونا بابا وقف شغل فترة، بابا كان متقاعد بس مستأجر باص عم يشتغل عليه تيفوت شوية مصروف عالبيت خاصة بآخر فترة للي نحن التنين كنا قاعدين بلا شغل”. لكن والد ليال لم يصمد طويلاً. أصيب بـ”كورونا”، وتوفي، تاركاً ليال وأختها المطلّقة، وأختها الثالثة التي تعاني من متلازمة “داون”، وتحتاج إلى عناية خاصة. مصاريف المنزل هائلة، بين إيجار وفواتير كهرباء و”اشتراك” وانترنت، وهذه أمور باتت من الأساسيات ولا يستطيع أن يعيش أحد من دونها. هذه المصاريف لا تقلّ عن مليوني ليرة، وفق ليال. تقول إنها تخشى أن يتعطل أي من الأجهزة الكهربائية في منزلها، لأن تغييره يعني ضرورة تأمين ثمنه بالدولار وهو أمر يضع أعباءً إضافية على الذين يتقاضون رواتبهم بالليرة اللبنانية، فكيف الحال بمن ليس لديهم أي مدخول؟

أسعار السلع الغذائية والأساسية ارتفعت بشكل جنوني إلى ما يزيد على 600 في المئة بعد انهيار سعر الليرة مقابل الدولار، فالنظام المالي انهار كلياً في البلاد، وأصاب القطاعات الحيوية، خصوصاً التجارة والسياحة والخدمات، بأعطاب كبيرة، وارتفعت نسبة الفقر إلى مستويات بلغت 60 في المئة، كما انخفضت قيمة الحد الأدنى للأجور، لمن لا يزال لديهم عمل، إلى ما يقل عن 60 دولاراً شهرياً. هذه المعطيات تدفع بكمال إلى التشاؤم المفرط والرعب من المستقبل: “بس تفكري لبعيد بتفكري بالأمور للي بتخص الاولاد. شو بدو يصير بكرا؟”. إلى انفجار الأزمة الاقتصادية، والإصابات البليغة التي نتجت عنها في حياة كمال، تضرر بيته من انفجار مرفأ بيروت. لكن جمعية خيرية قامت بترميم الزجاج المحطّم، وأمّنت لكمال دواءه الذي يضطر إلى تناوله بشكل دائم بسبب إصابته بمرض السكري: “هلق أنا مأمن لشهر واحد بعدين ما بعرف…”.  الغد هو المقلق. والمقلق أكثر هو كيفية التأقلم مع الواقع الجديد: “عم جرب هلق اقنع ولادي إنو وضعنا الحالي منيح، ليك الله قدي بيحبكن عندكن إم عندكن بي، عندكن إيدين عندكن إجرين، ما ناقصكن شي، عم جرب هلق ركز اكثر على هيدي الثقافة كرمال ما يطلع حدا منن حرامي أو يحس عندو عقدة نقص”. يحمّل كمال نفسه مسؤولية عدم اتخاذ خيار الهجرة وقراره البقاء هنا. يحمّل كمال الأحزاب السياسية ومناصرة الناس لقادتها “على العميانة” مسؤولية المصير الذي انتهت إليه البلاد، لكنه يرى أن الذين “استزلموا” للأحزاب “ماشي حالهم”. الباحث نزار حسن يوافق على أن الشبكات الزبائنية التي خلقتها الأحزاب والمؤسسات الطائفية، قادرة على “تسيير أمور بعض المستفيدين، أو الزبائن الطائفيين، لكن هل يستطيعون تأمين الحماية في أوضاع اقتصادية مماثلة؟ هذا يتوقف على الجهة السياسية وقدرتها على تأمين الأموال من خارج لبنان”.

بالنسبة إلى حسن، الجريمة الاقتصادية- الاجتماعية التي ارتكبتها هذه السلطة، لا تقل فظاعة عن جريمة المرفأ. ليال، التي خسرت عملها بسبب الأزمة، وخسرت والدها بسبب “كورونا”، تروي حادثة ربما تختصر مستوى الضرر الذي ألحقته الطبقة السياسية بالمجتمع. اضطرت ليال، المفلسة، إلى الاستدانة لدفن والدها: “عرفت عند وفاته أن الدفن يكلّف بحدود 7 إلى 8 ملايين ليرة، وهذا مبلغ يغطي تكاليف الدفن اللوجستية وحسب. ولم أملك هذا المبلغ طبعاً. اضطررت إلى الاستدانة، لأغرق أكثر في الدين”. “حتى الموت”، تتنهّد ليال، “حتى الموت باهظ جداً هنا”. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
ربما من قبيل القسوة، القول إن الحدثين الدمويين الأخيرين لم يفاجئا أحدا، لا داخل أفغانستان ولا خارجها، وأولهم الشيعة الهزارة، ذلك أنهم لم يعرفوا مصيرا سوى القتل، منذ نشأة أفغانستان بحدودها الجغرافية الحالية.
Play Video

7:06

Play Video

2:08

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني