العراق: الفساد يمتدّ إلى “ميزانية” استعادة الأموال المنهوبة!

"الإجراءات كلها ضحك على الذقون". لا إجراءات حقيقية ملموسة على الأرض لمحاسبة كل من قام بسرقة الأموال التي هي ملك الشعب وغير جائز التصرف بها...

في حكومة عادل عبد المهدي السابقة التي قدمت استقالتها نتيجة الضغط الشعبي في تظاهرات تشرين الاحتجاجية عام 2019 ضد الفساد، تم رصد تخصيصات مالية تقدر بنحو 25 مليار دينار (نحو 17 مليون دولار أميركي) ضمن موازنة العراق الاتحادية لعام 2019 لاسترداد الأموال المنهوبة خارج العراق. ويبدو أن الحكومة العراقية لم تسترد سوى 1.6 مليار دينار (نحو مليون دولار) من حجم تلك المبالغ. هذه المعلومة تشبه إلى حدٍ كبير ما قاله الناظر عبد المعطي في مسرحية “مدرسة المشاغبين” الشهيرة قبل أكثر من 40 عاماً: “ابنك سرق سيارة رئيس مكافحة سرقة السيارات!”. هذه “القفشة الكوميدية” الساخرة تنطبق تماماً على تكلفة استعادة الأموال المنهوبة في العراق: نهب الأموال المخصصة لاستعادة الأموال المنهوبة!

لم يتم تحديد أي تخصيصات مالية ضمن موازنة عام 2019 وفقاً لعضو البرلمان العراقي جمال كوجر الذي تحدث لـ”درج” قائلاً: “هناك مؤسسة لمتابعة استرداد الأموال المنهوبة متراخية، ولم تقم بعملها بالشكل الصحيح”.

وأشار كوجر إلى “تخصيص مبلغ 25 مليار دينار لاسترداد أموال منهوبة وتم استرداد 1.6 مليار دينار فقط. إن كان هذا صحيحاً فهذا يعني بناء باب فساد جديد داخل بيت الفساد القديم”.

تخصيص أموال من الموازنة العامة، لاستعادة الأموال المنهوبة، يعود بالضرر الكبير على الاقتصاد العراقي الريعي الذي يهتز بسرعة مع حدوث أي أزمة عالمية.

يضيف النائب الكردي: “الدولة العراقية حالياً ضعيفة وغير قادرة على استرداد الأموال المنهوبة خارج العراق، التي تقدر بمليارات الدولارات وتمت التحويلات من طريق شخصيات متنفذة في مصدر القرار، وما زالت تملك نفوذاً في الحكومة، والأخيرة غير قادرة على التعامل معها قضائياً وملاحقتها قانونياً لغاية الآن”.

في تاريخ 24-كانون الثاني/ يناير 2019، أقر مجلس النواب العراقي الموازنة المالية، وقدرت حينها إيرادات الموازنة بنحو 88.5 مليار دولار في حين قدرت النفقات بنحو 112 مليار دولار، بينما العجز المالي للموازنة كان نحو 23 مليار دولار. وتم احتساب سعر بيع برميل النفط (الممول المالي الرئيسي للاقتصاد العراقي) على أساس 54 دولاراً للبرميل الواحد بمعدل تصدير 3.9 مليون برميل يومياً.

يصف الباحث في الشأن الاقتصادي العراقي نبيل جبار العلي، النفقات الحكومية العراقية بـ”المضخّمة”، مقابل خدمات ضعيفة وشحيحة، داعياً عبر “درج” إلى إعادة دراسة ملف استرداد الاموال العراقية ومراجعته وإعادة تقييم فعاليتها، إذ لا يستبعد العلي أن تكون الأموال المخصصة لاسترداد الأموال المنهوبة قد تعرضت لعمليات نهب، وقد تشوبها الشبهات التي يكافح العراقيون لإنهائها، والتي باتت سمة من سمات الحكومات العراقية المتعاقبة بسبب طبيعة نظام المحاصصة، والتي قد لا تسمح بدور رقابي كبير ونافذ. 

تخصيص أموال من الموازنة العامة، لاستعادة الأموال المنهوبة، يعود بالضرر الكبير على الاقتصاد العراقي الريعي الذي يهتز بسرعة مع حدوث أي أزمة عالمية، وهذا يستدعي من الحكومة العراقية، بحسب العلي، “البدء بعقد اتفاقيات مع بعض الدول (اتفاقيات لتبادل المجرمين) من طريق وزارتي الخارجية والعدل، وأيضاً قيام جهاز المخابرات الوطني بتتبع عناوين المتهمين بسرقة المال العام”.

“هُدرت أموال طائلة في قضايا التعاقد، فضلاً عن الفساد الذي كان مستشرياً في أغلب العقود”.

بطريقة أخرى وبدلاً من الذهاب إلى تخصيص مليارات لاسترداد الأموال المنهوبة من المسؤولين الهاربين والتي يذهب معظمها مصاريف لأمور إدارية بيروقراطية داخل العراق، من أجل تسيير المعاملات وإصدار الأحكام القضائية، إضافة إلى جزء آخر منها سيصرف على السفر والحجوزات الفندقية وبدلات مالية للأشخاص المكلفين بالبحث عن الأموال المنهوبة. وقد تستغرق عملية البحث وقتاً يصل إلى عشر سنوات، بينما ينصح خبراء بضرورة التعاقد مع شركات قانونية متخصصة في استرداد الأموال المنهوبة والمهربة وملاحقة المتلاعبين بالمال العام مقابل إعطائها نسبة 20 في المئة من قيمة ما يتم استرداده من المال المنهوب لمصلحة الخزينة العراقية وفي أقل المدد الزمنية”.

“الأموال التي صرفت بعد عام 2003 تقدر بـ1000 ترليون دينار (685 مليار دولار)، تشمل موازنات الوزارات التشغيلية والاستثمارية وفقاً لعضو لجنة النزاهة النيابية طه الدفاعي الذي أضاف: هُدرت أموال طائلة في قضايا التعاقد، فضلاً عن الفساد الذي كان مستشرياً في أغلب العقود”.

التحرك الدولي هو الأفضل

حول إمكان مطالبة العراق باسترداد الأموال المهربة إلى الخارج، يرى الخبير في الشؤون القانونية علي التميمي أن التحرك الدولي هو الطريقة الأفضل لاسترجاع الأموال المهربة والتي تقدر نحو 500 مليار دولار أميركي، تكون باللجوء إلى إتفاقية غسيل الأموال لعام 2005، والتي وقّع عليها العراق عام 2007، وكذلك بالتعاون مع الجانب الأميركي وفق المادة 28 من الاتفاقية العراقية – الأميركية لسنة 2008، وأيضاً وفق المادة 50 من ميثاق الأمم المتحدة التي تؤكد حق الدول التي تحارب تنظيمات موضوعة تحت الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، طلب مساعدة الأمم المتحدة وهي حالة العراق الذي كان يحارب تنظيم الدولة (داعش) الموضوع تحت الفصل السابع بموجب القرار 2170 لسنة 2014. كما أن بريطانيا أبدت استعدادها للمساعدة”.

“درج” استطلع آراء مواطنين عراقيين حول الإجراءات الحكومية المتخذة لمحاربة الفساد المالي، إذ لا إجراءات حقيقية ملموسة على الأرض لمحاسبة كل من قام بسرقة الأموال التي هي ملك الشعب وغير جائز التصرف بها كما يقول المواطن كرار الجبوري، فيما يضيف عمر العادلي: “كل ما يُذكر هو كذب حكومي إعلامي”؛ وهو ما يوافق عليه مهند حامد بالقول: “الإجراءات كلها ضحك على الذقون”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني