fbpx

نازنين زاغري و”التعذيب الأبيض” في سجون طهران

"لم أعرف أين كنت في ليلة اعتقالي الأولى، لا أتذكر ما حدث، ولا أعرف ماذا فعلت كي أخطف بهذه الطريقة المرعبة، ولم يقدم لي أحد أي تفسير"...

لم تكن السجينة الإيرانية نازنين زاغري، التي حظيت بنصف حرية، في 8 آذار/ مارس الحالي، بعدما ودعت والديها في طهران عائدة إلى لندن، تتوقع أن يكون السجن، هو ثمن تمضية عطلة النوروز في وطنها الأم، ففي نيسان/ أبريل 2016، وبينما كانت نازنين تغادر طهران عبر مطار الإمام الخميني، حاصرها عناصر من الحرس الثوري، وصادروا جواز سفرها البريطاني، أمام عيني طفلتها غابرييلا، موجهين إليها تهمة التجسس والتآمر، مع جهات أجنبية للإطاحة بالنظام الإسلامي، واقتادوها إلى سجن كرمان في جنوب شرقي إيران، حيث قبعت في زنزانة انفرادية لأكثر من شهر، ليتم نقلها في ما بعد إلى أحد سجون الحرس الثوري في طهران، ثم إلى سجن إوين. 

أمضت نازنين عقوبة بالسجن لمدة أربع سنوات، تخللتها إضرابات عن الطعام وحرمان من العناية الطبية، وتعذيب وتفكير بالانتحار، وسنة خامسة في الإقامة الجبرية، في منزل ذويها في طهران، مع جهاز تعقب وضع حول كاحلها، مستفيدة من قرار السلطات القضائية بتخفيف أعداد السجناء، بسبب تفشي وباء “كورونا” في السجون، لكنها فوجئت بعد انقضاء محكوميتها بالكامل، وإزالة جهاز التعقب، باستدعائها مجدداً للمثول أمام القضاء الإيراني في 14 آذار/ مارس، بتهم جديدة.

وفي هذا الشأن، أعلن محاميها حجت كرماني أن موكلته “تواجه ملاحقات قضائية جديدة، بتهمة نشر الدعاية ضد النظام الإسلامي، وذلك بسبب مشاركتها في تجمع معارض أمام السفارة الإيرانية في لندن عام 2009، وإجراء مقابلة مع قناة “بي بي سي” الناطقة باللغة الفارسية، وقد أرجئت المحاكمة في هذه القضية إلى مطلع تشرين الثاني/نوفمبر”، وهذا يعني أن نازنين حظيت بحرية مكبلة، ولهذا لن تستطيع العودة إلى حضن عائلتها في لندن، عدا أن جواز سفرها البريطاني ما زال في حوزة الحرس الثوري.

نازنين من مواليد طهران عام 1978، درست الأدب الإنكليزي في جامعة طهران، وبعد تخرجها عملت مترجمة في الوكالة اليابانية للتعاون الدولي، التي ترسل فرق إغاثة إلى المناطق المنكوبة بفعل الكوارث الطبيعية، عملت مترجمة أيضاً، مع الاتحاد الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر ومنظمة الصحة العالمية، واشتغلت في قسم الترجمة في صحيفة “شرق” الإيرانية. سافرت عام 2007 إلى لندن لدراسة الماجستير، والتقت في إحدى المحاضرات في الجامعة ريتشارد راتكليف، الذي صار زوجها لاحقاً، عملت في لندن كمساعدة في مشروع BBC World Service Trust، ثم انضمت إلى جمعية “تومسون رويترز” الذراع الخيرية لوكالة “رويترز” للأنباء، كمسؤولة إدارية وليس صحافية.

لم تنقطع نازنين عن زيارة وطنها، واعتادت أن تمضي العطل السنوية مع عائلتها في طهران، وفي آخر زيارة لها، كان الحرس الثوري قد فبرك لها ملفاً أمنياً محكماً، كلفها خمس سنوات من العذاب والمعاناة. 

بعد يوم واحد من خطفها في المطار وفصلها عن طفلتها، التي لم تكن قد أتمت السنتين، بطريقة مرعبة، نُقلت نازنين إلى كرمان، واحتُجزت في الحبس الانفرادي نحو 45 يوماً، و18 يوماً في العنبر العام للسجن، خضعت خلالها لاستجوابات تحت الضغط، واتهمها المحققون بالتنسيق مع مجموعات لها أنشطة على مواقع الكترونية، من أجل الإطاحة بالنظام الإسلامي. إحدى هذه المجموعات أطلق عليها الحرس الثوري اسم “أورانج”، وبالتزامن مع خطف نازنين، تم اعتقال ستة أشخاص من كرمان ادعى “الحرس الثوري” أنهم ينتمون إلى هذه المجموعة وينسقون مع نازنين، لإنشاء مواقع إلكترونية معارضة للنظام، بإيعاز من منظمات أجنبية غير حكومية. 

وعن أول أيام اعتقالها، قالت نازنين: “لم أعرف أين كنت في ليلة اعتقالي الأولى، لا أتذكر ما حدث، ولا أعرف ماذا فعلت كي أخطف بهذه الطريقة المرعبة، ولم يقدم لي أحد أي تفسير”، هذا ما روته عنها المعتقلة المرشحة لجائزة نوبل للسلام نرجس محمدي في كتابها “التعذيب الأبيض”، الذي يحوي شهادات عن تجربة الكاتبة الطويلة في السجن، إضافة إلى تجارب نساء أخريات، وتحدثت نازنين أيضاً، عن انعدام النظافة المتعمد في السجن، وعن الذل الذي عاشته حين كانت تريد استعمال المرحاض أو حين تطلب الاستحمام، إضافة إلى العنف الجسدي والنفسي، الذي قاسته لينتزعوا منها اعترافاً بأنها مكلفة من الحكومة البريطانية بالتجسس على إيران، وقد أرسلتها لهذا الغرض إلى بلدها.

في إحدى جلسات التحقيق اتهمها محققو الحرس الثوري بالارتباط بمشروع يسمى “زيك زاك”، وهو عبارة (بحسب زعمهم) عن جريدة الكترونية تابعة لمشروع مؤسسة “بي بي سي” الخيرية العالمية لتدريب الصحافيين، وحاولوا إجبارها على الاعتراف، بأنها كانت تعمل في قسم الموارد البشرية في مؤسسة “بي بي سي فارسي”، كما ألبسوها تهمة التنسيق مع مؤسسة “سمول ميديا”، وهي منظمة تصف نفسها على موقعها على الإنترنت بأنها “تدعم حرية الوصول إلى المعلومات في المجتمعات المغلقة سياسياً”، ومن التهم الموجهة إليها الزواج من جاسوس بريطاني، هذه المعلومات نشرت في صحيفة “كيهان” الناطقة باسم النظام الإيراني.

لكن ما أخفاه المحققون وصحيفة “كيهان” والنظام الإيراني من رأس هرمه حتى قاعدته، في قضية نازنين، لا علاقة له بكل الاتهامات المعلنة، فالحقيقة تقول إن نازنين كانت طيلة هذه السنوات الخمس من عمرها، رهينة لعبة سياسية، بين طهران ولندن، محورها دين قديم مترتب على المملكة المتحدة، ضمن صفقة أسلحة قديمة العهد. وفي هذا الإطار، وصف زوج نازنين اعتقالها، بأنه عملية احتجاز رهائن، نفذها النظام الإيراني، سببها ديون مترتبة على الحكومة البريطانية، لمصلحة إيران، تتصل بعقود شراء دبابات وعربات مدرعة من طراز “تشيفتن”، والتي تم إلغاؤها بعد الثورة الإيرانية عام 1979.

ففي أواخر عهده، أبرم شاه إيران الأخير محمد رضا بهلوي، مع الحكومة البريطانية، صفقة شراء 750 دبابة وعربة مدرعة من طراز “تشيفتن”، دفع الشاه 650 مليون باوند مباشرة بعد توقيع العقد، وتم تسليم إيران 185 دبابة وعربة، بعد الثورة الإيرانية واحتلال السفارة الأميركية في طهران وقطع العلاقات بين البلدين، امتنعت الحكومة البريطانية عن المضي في الصفقة، بينما قيل إنها استلمت المبلغ كاملاً، ومنذ ذلك الوقت يطالب الجانب الإيراني الحكومة البريطانية، بإرجاع 400 مليون باوند، المبلغ الذي يعتبره ديناً وطنياً، أو بإتمام الصفقة على الأقل. 

على مدى أربعة عقود من تأسيسها، سطرت للجمهورية الإسلامية الإيرانية سجلاً حافلاً في اعتقال مواطنين مزدوجي الجنسية أو أجانب واحتجازهم كرهائن، واتهامهم بالتجسس أو بالتحريض على قلب النظام، واستخدامهم كأدوات للضغط على حكومات بلادهم (الثانية) في ملفات سياسية أو مالية، أما اعتقال نازنين فقد جاء بعد أسابيع من فشل المفاوضات الإيرانية البريطانية حول أموال صفقة الدبابات، ووفقاً لزوج نازنين، فقد أبلغه أحد مخبري الحرس الثوري أن “سجلها نظيف، وأن اعتقالها هو للضغط على الحكومة البريطانية للتوصل إلى اتفاق في شأن الصفقة إياها، وأكد له أنها ستبقى في السجن، ما لم تدفع بريطانيا الدين المتوجب عليها”، علماً أن الحكومة البريطانية أعلنت، مراراً وتكراراً، استعدادها لدفع ديونها لإيران. ففي أيلول/ سبتمبر 2020، على سبيل المثال، أعلن وزير الدفاع البريطاني بن والاس أن “لندن تسعى بجدية لسداد ديونها للحكومة الإيرانية، الأمر الذي قد يساعد في نهاية المطاف على تحرير بريطانيين مزدوجي الجنسية، بمن فيهم نازانين زاغاري راتكليف”، كما صرح سايمون ماكدونالد، نائب وزير الخارجية البريطاني السابق، لصحيفة “الغارديان” أن “لندن تسعى لسداد ديون إيران من خلال قنوات مالية لا تخضع للعقوبات الأميركية”. وقال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إن وزير الخارجية البريطاني آنذاك فيليب هاموند “ساومه للإفراج عن السيدة زاغري مقابل فدية، لكنه لم يلاحقها”، وتعليقاً على هذه التصريحات، وصفت نازنين، برسالة بعثتها من سجن إوين المفاوضات بشأن مبادلتها بالمال بـ”المزاد العلني”.

في مجال الصفقات التي لا تنتهي، كان “الحرس الثوري” عرض على نازنين خلال وجودها في السجن التجسس لمصلحة إيران، مقابل الإفراج عنها، وهي القضية التي أثارها محاميها، لكن هذا أدى فقط إلى رفع قضية ضد المحامي.

حالياً، على رغم إعلان الإفراج عنها، لا تزال نازنين زاغري سجينة، بالأحرى أسيرة، لا تستطيع مغادرة الأراضي الإيرانية، والعودة إلى بيتها في شمال لندن، حيث ينتظرها زوجها الوفي لقضيتها، وابنتها التي صارت في السابعة من العمر، فالتهمة الجديدة، هي تكتيك جديد في مسار التفاوض من قبل إيران، والغرض منها، هو التحايل على القانون واختلاق عذر، لإبقائها رهينة، ريثما يتم التوصل إلى اتفاق بين إيران وبريطانيا بشأن الـ400 مليون باوند. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي نور الدين – صحافي لبناني
تكمن الإشكاليّة الكبرى في المجازفة التي قرر حاكم مصرف لبنان أن يتورّط بها بأموال المودعين، في ظل عطش البلاد لكل دولار تمكن المحافظة عليه في هذه المرحلة تحديداً.
Play Video
بعد أن دُقّ “جرس الانذار” مهدداً بغياب الانترنت، ازدادت مخاوف اللبنانيين من الانقطاع عن العالم الخارجي… فكيف سيبدو المشهد في لبنان بلا انترنت؟

2:08

Play Video
تحظى الرياضة النسائية بـ4% من التغطية الإعلامية المخصصة للرياضة في جميع أنحاء العالم، ما يساهم في تهميش الرياضيات، اللواتي يُنظر إليهن في المقام الأول على أنهن نساء ويُختصرن بمظهرهن أو عمرهن أو حياتهن الشخصية. ما الأسباب الكامنة وراء هذه المعاملة غير المتكافئة الملحوظة؟ وكيف يمكن أن تحرك وسائل الإعلام الخطوط وكيف تروج للرياضة كمحرك للتحرر للرجال والنساء؟

55:50

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني