fbpx

حقول “بتران”… ضريبة حرب قديمة تهدد حياة أهل البصرة

"أصبحت الدنيا في عيني ظلاماً دامساً قبل أن أفقد الوعي واستيقظ في أحد المستشفيات القريبة ولم أجد ساقي اليسرى".. يقدر عدد ضحايا المخلفات الحربية والألغام في قريته الصغيرة بأكثر من 300 ضحية...

وجدت زينب حميد (11 سنة) نفسها في مكان وزمان غير مناسبين، بغية جمع حشائش برية صالحة للأكل، تنمو في أقصى جنوب العراق في محافظة البصرة. خرجت الصغيرة من البيت برفقة والدتها وشقيقها حسن الذي يكبرها بعام، وتوجهوا إلى قرية (البتران) شرق مدينة البصرة، لكنهم بدل قطف الحشائش، قطفتهم الألغام: “نزلنا إلى أحد الأودية، كنت أمشي إلى يمين والدتي وأخي إلى يسارها، عصف بوجهي صوت وغبار هائلان ولم أتذكر ما حصل”، تروي زينب. وحين استعادت الوعي عرفت أنها في أحد المستشفيات وبجانبها والدها واخوتها، لكنها لم تر أحداً منهم، ولم تسمع صوت والدتها بين الحاضرين. أخبرها والدها بأنهم تعرضوا لانفجار أحد الألغام، ففارقت أمها الحياة، وهي فقدت بصرها، فيما أصيب شقيقها بجروح بالغة، ما دفع الأطباء إلى استئصال أجزاء من جهازه الهضمي. “وأصبحت الدنيا عتمة على عتمة” تقول زينب.

هذه ضريبة قاسية من الضرائب التي يدفعها سكّان محافظة البصرة التي تعاني من واقع مرير اقتصادياً. فعلى رغم أن المحافظة غنية بالبترول ولها سبعة منافذ برية وبحرية ومساحات واسعة من الأراضي الصالحة للزراعة، تجبر الأوضاع المعيشية السيئة أعداداً كبيرة من السكان على مواصلة عجلة الحياة بشق الأنفس. أصبح البحث عن معادن مثل النحاس والألمنيوم قرب حقول الموت والألغام صورة من صور الفقر في إحدى أغنى مدن العالم بالثروة النفطية. وعلى درب الجلجلة هذا، تتناثر أرواح وأطراف وتتشظّى، بسبب انفجار مخلفات حربية أو ألغام من تلك التي زرعت خلال الحرب العراقية- الإيرانية (1980-1988)، على امتداد الشريط الحدودي بين البلدين، وعلى مساحات كبيرة وواسعة جداً بهدف منع التسلسل بين البلدين أثناء تلك الحرب، التي كلفت البلاد أضراراً هائلة في الأرواح، ولا تزال تحصد حتى اليوم قتلى وجرحى كما لو كانت لا تزال مندلعة. كانت المنطقة التي تقع فيها قرية البتران من المناطق المزروعة بالألغام مع مناطق أخرى تتوزع شرق البصرة وغربها. وكانت القرية تسمى في السابق “جرف الملح”، إنما تسمى الآن “البتران” لكثرة ما تعرض السكان من بتر الأطراف جراء انفجار الألغام.

“أتمنى من الدولة إزالة كل تلك الألغام والمخلفات وأنصح الجميع بعدم الذهاب إلى تلك الأماكن الخطرة كي لا يحصل لهم ما حصل لي”.

تتذكر زينب أيام دراستها في الصف الابتدائي الخامس وهي تنال أعلى العلامات ومتفوقة على أقرانها وأصدقائها، إلا أن الفقر والعوز غيّرا حياتها وحرماها التعليم والطفولة، ثم حرماها لاحقاً بصرها. تتمنى أن تستعيد بصرها لمواصلة الحياة التي اعتادت عليها في السابق، حتى ولو كانت حياة قلّة وعوز. تواجه اليوم صعوبات في التنقل، ويتطلب أمر التأقلم مع فقدان البصر وقتاً أطول من اعتياد الفقر: “أتمنى من الدولة إزالة كل تلك الألغام والمخلفات وأنصح الجميع بعدم الذهاب إلى تلك الأماكن الخطرة كي لا يحصل لهم ما حصل لي”.

حين عرف والد زينب، حميد، بحصول الانفجار وتوجه إلى مكان الحادث، لم يميز بين جسدي ولديه، “أيهما حسن أو زينب، كان الجسدان ممزقين، فيما زوجتي فارقت الحياة لحظة الانفجار. وقد فقد كل من حسن وزينب الوعي جراء النزيف” يقول حميد. ويأمل بإعادة البصر لزينب من خلال اجراء عملية جراحية خارج العراق بعدما باءت كل المحاولات التي أجريت لها في مستشفيات العراق بالفشل، الأمر الذي دفعه للبحث عن وجهة أخرى كالهند أو المانيا لتستعيد ابنته بصرها، لكن ذلك يتطلب أموالاً طائلة، لا يمتلكها.

إحصاءات كبيرة وإمكانات محدودة

مدير “مركز الجنوب لشؤون الألغام” نبراس فاخر التميمي يتحدث عن أرقام مهولة ويقول إن “مقدار التلوث من المخلفات والألغام المتنوعة بين المقذوفات العنقودية وغيرها من الألغام الكبيرة والصغيرة على سطح الأرض وفي جوفها، في محافظة البصرة فقط، يصل إلى أكثر من مليار متر مربع. ويضيف أن “هناك أكثر من خمسة آلاف ضحية في مدينة البصرة، أما في الأطراف الجنوبية للمحافظة جنوباً فيصل العدد إلى 18000 ضحية بحسب الإحصاء الأخير العائد إلى عام 2013، جراء انفجار تلك الألغام والمخلفات”. ويشير التميمي إلى مقتل طفلين وإصابة آخرين من عائلة واحدة في ناحية سفوان غرب البصرة قبل فترة قصيرة. ويبحث معظم الضحايا بحسب التميمي، عن مخلفات معدنية أو بعض النباتات البرية ناهيك باتخاذ تلك الأماكن كمرعى لأصحاب الأغنام. ويرجح ازدياد عدد الضحايا بسبب عدم الالتزام بالعلامات والدلالات التي وضعت للتحذير من وجود ألغام ومقذوفات خطيرة.

“هناك أكثر من خمسة آلاف ضحية في مدينة البصرة، أما في الأطراف الجنوبية للمحافظة جنوباً فيصل العدد إلى 18000 ضحية بحسب الإحصاء الأخير العائد إلى عام 2013، جراء انفجار تلك الألغام والمخلفات”.

فقد طارق خلف الموسوي (43 سنة) أحد أطرافه وأصبح واحداً من ضحايا حقول “البتران”، ويقدر عدد ضحايا المخلفات الحربية والألغام في قريته الصغيرة بأكثر من 300 ضحية بين موت وبتر ساق أو يد أو فقدان البصر. ويقول طارق عن لحظة حصول الانفجار الذي ذهب بساقه، “أصبحت الدنيا في عيني ظلاماً دامساً قبل أن أفقد الوعي واستيقظ في أحد المستشفيات القريبة ولم أجد ساقي اليسرى”. ويحذر خلف من عمليات تجرى لتجفيف أحد الأنهر القريبة من هذه المخلفات والحقول بغية توزيع تلك الأراضي على شرائح معينة من المجتمع. وهذا الفعل ينذر بالمزيد من الضحايا برأيه، ذلك أن تلك الأراضي لم يتم تنظيفها من الألغام بعد. مشيراً إلى أن أهل القرية كانوا يلاحظون في السابق حركة بعض الشركات الخاصة بإزالة الألغام إلا أنها توقفت تدريجاً في الفترة الأخيرة ولا يعرف السبب أحد.

حقوق معدومة ومواطنون منسيون

يبدي مدير مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في البصرة مهدي التميمي استغرابه من عدم تدخل الحكومات المتعاقبة بصورة مباشرة بغية إيجاد حل لهذه الأزمة التي تفتك بالبسطاء والمعدومين. ويقول في هذا الشأن: “نتابع بحرص معاناة هذه القرى وما لحق بساكنيها من إصابات كانت اغلبها مميتة، ومن الواجب أن تولي الحكومات اهتماماً بالغاً تجاه هؤلاء المساكين، وطالبنا بأن تكون لهم حقوق وتعويضات ومنح مالية ورواتب وأراض سكنية أسوة بضحايا الإرهاب والعمليات العسكرية”. ويضيف التميمي أن المستوى المعيشي لأبناء البصرة لا يرتقي إلى أدنى مقومات الحياة التي كفلتها المفاهيم والمعاهدات والقوانين الدولية التي وقّع عليها العراق وعليه الالتزام بها.

الجدير بالذكر أن مدينة البصرة جنوب العراق كانت لها حصة الأسد من الدمار والخراب بسبب الحروب التي خاضها العراق سابقاً.

ويشير الناشط في مجال توعية مخاطر الألغام والمخلفات الحربية وليد الفارس إلى مشكلات في أشكال التوعية بمخاطر هذه المخلفات، وذلك لأن معظم سكان القرى والأحياء القريبة من الحدود الإيرانية يعتاشون على المبالغ المحصلة من بيع ما يتم جمعه من الخردة، فيقعون ضحايا رزقهم اليومي. ويبين الفارس أن الدعم المقدم من الحكومة والمنظمات الدولية المانحة في الوقت الحالي قلّ مقارنة بعام 2014، ويقتصر الأمر على نشاطات تطوعية لا تغطي معظم المناطق الملوثة بهذه المخلفات التي تودي بحياة السكان المحليين البسطاء. كما يشير إلى تدريب الكوادر التدريسية في بعض مدارس المناطق والقرى القريبة من تلك الوديان التي لم يتم تنظيفها من الألغام بعد قائلاً، “ركزنا على موظفي وزارة الشباب والرياضة بسبب تماسهم المباشر مع الشباب والمراهقين بغية إيصال رسائل توعوية بشأن ضرورة عدم الاقتراب من الأجسام الغربية وإبلاغ الجهات المختصة عند رؤيتها”.

الجدير بالذكر أن مدينة البصرة جنوب العراق كانت لها حصة الأسد من الدمار والخراب بسبب الحروب التي خاضها العراق سابقاً، كانت البصرة وبسبب موقعها الجغرافي مسرحاً لحروب وعمليات عسكرية متعاقبة منها الحرب العراقية- الإيرانية وحرب الخليج واحتلال الكويت مطلع تسعينات القرن الماضي وآخرها حرب عام 2003 والاحتلال الأميركي، فلم يبق شبر من حدودها إلا وزرع بإحدى أدوات الموت، ويدفع السكان المحليون اليوم الضريبة من أرواحهم وأجسادهم.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
عبدالرحمن الجندي – كاتب مصري
خالط الفرح الريبة والتوجس، أمسى جيلنا يخاف الأمل ويرهبه، توالت على رؤوسنا الخيبات تباعاً حتى خاصمنا الأمل ولم نعد نراه إلا بعين الشك.
Play Video
في عالم تسوده تقنيات حديثة يمكن استهداف أي شخص حتى الملوك والرؤساء والزعماء. محاولات الاختراق حصلت عبر برنامج مجموعة NSO الاسرائيلية ولكن لصالح حكومات اشترت هذه الخدمة بملايين الدولارات. الأرقام شملت هواتف رؤساء دول وملوك وزعماء ورؤساء حكومات. الأرقام المستهدفة تشمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي كان ضمن نحو 10 آلاف هدف تقف المغرب وراء محاولة اختراقها.

4:30

Play Video
تثير شركة NSO الاسرائيلية منذ تأسيسها الكثير من الجدل. الفريد في حالة NSO هو العلاقة الوثيقة والصريحة بأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. عدد كبير من موظفي الشركة هم ضباط متقاعدون في جهازي “الشين بيت” و”الموساد”

5:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني