fbpx

جريمة طفلة المعادي وأغنية “أنا دولة” وجهان لانتهاك النساء

الرجل المهندم ذي البدلة التي تشير إلى رجل محترم – ولا توحي بـ"بيدوفيل" متذائب في رحلة صيد - يبحث عن متعته في جسد طفلة صغيرة...

لا تخسر مصر حيزها من المفارقات الصادمة دوماً في مجتمع مفخخ بالتناقضات، فقبل أن يعبر يوم 9 آذار/ مارس بسلام كاحتفال دولي بيوم المرأة، فجرت المواطنة المصرية أوجيني أسامة صدمة بنشرها فيديو لمواطن مصري يدعى محمد جودت وهو  يستدرج طفلة صغيرة من أسرة فقيرة ليعتدي عليها جنسياً في مدخل بناية في منطقة المعادي. 

لحسن حظ الطفلة أن كاميرات المراقبة كشفت الحادثة في بدايتها، ولحسن حظها أيضاً أن أوجيني أسامة امرأة شجاعة لم تتواطأ مع جريمة تحدث بمنتهى الوقاحة في  مدخل مبنى سكني، وقفت أوجيني تصيح في وجه المعتدي بثبات وتشير إلى عين الكاميرا، فيما أشاح المعتدي بيديه لها ومضى، كأنه واثق من إفلاته من عواقب الجريمة، وكأنها فعل عادي! أو أن أوجيني ستخاف وتصبح قليلة الحيلة أمام رجل يبدو في هيئة شخص مهم ببذلته المهندمة وطلته الأنيقة.

اختارت أوجيني أسامة فضح المتهم من خلال نشر فيديو واقعة التعدي على “فايسبوك” كخيار أول، من دون الذهاب بالدليل إلى الشرطة لتقديم بلاغ، وذهبت إلى الخيار الصائب، فالمتابع بدقة لتحركات النيابة في مصر وصفحتها على “فايسبوك” يدرك حجم المأساة الأمنية والقانونية التي تعيشها البلاد، وكم البلاغات التي يتم حفظها من دون التحقيق فيها أو يتم التباطؤ  في إنجازها، فيما تلاحق النيابة عن كثب البلاغات التي تشغل الرأي العام على فيسبوك.

النيابة العامة في مصر اختصاراً تعمل وفق مبدأ “التريند”، وهناك ثلاث حالات شبيهة لاعتداءات جنسية على أطفال حدثت في مصر خلال الشهور القليلة الماضية، منها واقعة اعتداء جنسي من مدرس مسن على طفلة أثناء درس خصوصي، ولم تتحرك النيابة إلا بعدما نشر الجيران الفيديو على “فايسبوك” مطالبين بسرعة التحرك، وواقعة اعتداء شاب على طفلين في منطقة التجمع الخامس، إذ قام باصطيادهما من الشارع ليتعدي عليهما جنسياً داخل سيارته. وذكرت مصورة جريمة التجمع الخامس أن النيابة لم تتحرك إلا بعد نشرها مقطع الفيديو على “فايسبوك”.

ولأن مصر، بلد المفارقات، فقد حظي الفيديو بتفاعل متناقض، إذ طالب البعض بـ”الستر” على المتهم، الستر بالمعنى الديني أي “التستر  على الجريمة “بالمعنى القانوني.

نشر الفيديو على “فايسبوك”- قبل حذفه بعد القبض على المتهم-  فتح مجالاً لقراءة الواقعة التي تحدث بلا صوت، ولأن مصر، بلد المفارقات، فقد حظي الفيديو بتفاعل متناقض، إذ طالب البعض بـ”الستر” على المتهم، الستر بالمعنى الديني أي “التستر  على الجريمة “بالمعنى القانوني، فيما غرقت شريحة كبيرة من المعلقين في فادحة لوم الضحية، التي على ما يبدو لا شفاء منها لتورطنا أكثر مع مآسينا، الغريب أن لغة لوم الضحية. وهو لوم يرتكز على تلك الثقافة التي تمجّد عبودية المرأة للرجل،  وتنحاز للثراء ضد الفقر،  وللقوة مقابل الضعف.

هناك مجموعة من قواعد علم النفس الشعبي تحاول تفسير حالة الجنون في لوم الضحية، وترى أن سببها الرئيس هو الإنكار، الذي يؤكد وفق علم النفس الشعبي الحقيقة التي يتم إنكارها، ووفق كتاب”حجج فاسدة” فإن هناك مناورة تتم داخل الشعوب لإنكار كوارثهم “وهناك قاعدة تنص على أنه كلما أكثر شخص/جماعة على إنكار شيء، كلما كان هذا الشيء صحيحاً وأن كثرة الإنكار ولوم الضحية ما هي إلا حيلة للإرهاق”.

الغرق الجنوني في إنكار الكوارث الاجتماعية لن يسمح سوى بحالتين إما لوم الضحية أو إلقاء مسؤولية الإصلاح على المرأة/ الفرد دون الدولة، وما حدث من إطلاق أغنية “أنا دولة” قبل يوم من الاحتفال باليوم العالمي للمرأة وحادثة طفلة المعادي، ما هو إلا مفارقة أيضاً لم نحرص على اصطيادها ربما.

أغنية “أنا دولة” المناهضة للتحرش يغنيها علي غزلان المتهم بالتحرش وتشاركه في الغناء مروة ناجي، علي غزلان لمح خيطاً للشهرة السريعة حين تعالت الأصوات النسوية، وبدأت مدونة “دفتر الحكايات” تحصد تفاعلاً كبيراً للقصص التي تنشرها، وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي حراكاً نسوياً واسعاً في الفترة الأخيرة، كان علي غزلان يهيل بالتراب على المرأة حتى وهو يدافع عنها  في أغنية “أنا دولة”.

 ومع موسيقى حزينة تستجدي مروة ناجي عطف الرجال كي يرحموا النساء، ويتوقفوا عن التحرش بها أو الطغيان عليها «في سياق الأغنية”، وتستحلفهم بأنها في الأصل جزء منهم، وأنها سورة ذُكرت في القرآن، وأنها أيضاً “أمك وأختك أو بنتك”، وأنها “مخلوقة أصلاً من آدم وأتعامل بس بحنية”، كأنها تسرد أسباباً ليشفق الرجل على المرأة ويمنّ عليها بالمعاملة الحسنة، لأنها جزء منه، أو شيء يخصّه، وهو ما تمكن ملاحظته بوضوح في استخدام ” كاف الملكية”، ويمكن أن تستبدل الكلمات الطويلة، الزبد الذي يذهب جفاءً، بجملة واحدة “أنا ملكك، فاحنُ عليّ”. لا يميل الإنسان للقسوة على شيء يملكه، فلا أحد يقطع يديه إن سرقت، أو زلت في خطيئة، وبهذا المنطق تستجدي مروة ناجي عطف الرجال في إدارة ممتلكاتهم.

كان غزلان يروي  في أحد فيديواته على “فايسبوك” أن “حاجة بتهرشه” حين يرى العلامة الخضراء التي تشير إلى نشر إحدى صديقاته صورة خاصة جعلتها لـ”الأصدقاء المقربين”، ويقول إنه يدخل متحمساً ليتفحصها – حتى لو كان في اجتماع مهنيّ – متأملاً أن يرى “بيكيني أو مناظر حساسة” ثم يصدمه أن يجد صورة بحر أو أظافر، ثم يعلق على نفسه في أغنية “أنا دولة” قائلاً: “إزاي تلوم عليها تجيب العيب في لبسها، عيونك طالعة نازلة من فوقها لتحتها، بتفصص كل حاجة وكل حتة في جسمها، ما تجبش اللوم عليها وتقولي أصل هي، اللوم على اللي ربي وعلى النخوة والتربية، الواجب والرجولة إنك تكون دايماً حاميها”.

يخلع علي غزلان – بكلمات أغنيته – عن الدولة، حكومةً ومؤسسات، أي التزام تجاه المرأة، سواء كان التزاماً بالحماية أو الدعم أو مواجهة الاعتداء عليها، ويعتبر المرأة دولة مستقلة لها حدود ويجب أن تدافع عنها – بمفردها! – من دون أن يدعمها أو يتدخّل من أجلها أحد، يفرض على المرأة أن تواجه في معركة بلا ذخيرة، ويصبح نجاحها الفرديّ هو طوق نجاتها في بلد لا يوفّر لها الحد الأدنى من الدعم أو الحماية أو الاستقلالية. 

تلقي الأغنية بمزيد من العبء على المرأة منذ نعومة أظافرها، وتكلفها بالدفاع عن حقها، وتغيير كل شيء في الكون بيديها، حتى يصبح دورها في الحياة مضموناً.

والحل الوحيد الذي تقدمه الأغنية للنساء أن يتحوّلن كالبطلتين من “أختين بيشقوا على لقمة عيش حلال” إلى “محامية شاطرة ولها اسمها يبقى لها كيان كبير وقيمة في المجتمع” لتحصل على حقها، فالدولة الحقيقية لن تدعمها، والقوانين لن تتغير لتصبح عادلة، أو تضمن لها جانباً من حقوقها والمفترض أن تصبح هي دولة مكتملة الأركان بمعزل عن العدالة التي يجب أن تنعم بها والقوانين التي لا بد أن تضمن لها حياة مستقرة تقوي ضعفها وتوازن بين القوى، لا أن تحول الأرض إلى ساحة حرب وعلى الأقوى أن يحصد وعلى الأضعف – بحكم الخطايا التاريخية والبيولوجية – أن يركع له. 

تلقي الأغنية بمزيد من العبء على المرأة منذ نعومة أظافرها، وتكلفها بالدفاع عن حقها، وتغيير كل شيء في الكون بيديها، حتى يصبح دورها في الحياة مضموناً، وكأن الدولة التي يمثلها المجلس القومي للمرأة، الذي كان شريكاً وداعماً للأغنية بكلماتها «الملفقة» لتصبح في خدمة المرأة، تتنصل من أي دور تجاه المرأة وتلقي بها عارية في منتصف الطريق. 

“أنا دولة” تشبه السياق العام في مصر، الجميع يقول إنه يدافع عن المرأة ويخدمها ويريد أن يدعمها، ويوفر لها كل حقوقها، بينما الجميع مشغول بالبحث عن مكاسبه من ورائها، الرجل المهندم ذي البدلة التي تشير إلى رجل محترم – ولا توحي بـ”بيدوفيل” متذائب في رحلة صيد – يبحث عن متعته في جسد طفلة صغيرة، وعلي غزلان يجذب الجدل و«الشير» بالدفاع عن حقوق المرأة، ومن وضع مسودة قانون الأحوال الشخصية الجديد يسلّم المرأة للمجهول ويوهمها بأنه يكسر الرجل من أجلها. بينما يتسابق الجميع على التمسُّح بها كي يصبح «جنتل مان»، لتظل المرأة وحدها، ولا أحد معها.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي نور الدين – صحافي لبناني
تكمن الإشكاليّة الكبرى في المجازفة التي قرر حاكم مصرف لبنان أن يتورّط بها بأموال المودعين، في ظل عطش البلاد لكل دولار تمكن المحافظة عليه في هذه المرحلة تحديداً.
Play Video
بعد أن دُقّ “جرس الانذار” مهدداً بغياب الانترنت، ازدادت مخاوف اللبنانيين من الانقطاع عن العالم الخارجي… فكيف سيبدو المشهد في لبنان بلا انترنت؟

2:08

Play Video
تحظى الرياضة النسائية بـ4% من التغطية الإعلامية المخصصة للرياضة في جميع أنحاء العالم، ما يساهم في تهميش الرياضيات، اللواتي يُنظر إليهن في المقام الأول على أنهن نساء ويُختصرن بمظهرهن أو عمرهن أو حياتهن الشخصية. ما الأسباب الكامنة وراء هذه المعاملة غير المتكافئة الملحوظة؟ وكيف يمكن أن تحرك وسائل الإعلام الخطوط وكيف تروج للرياضة كمحرك للتحرر للرجال والنساء؟

55:50

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني